خلال سنوات امتدت من فبراير 2011 قتل في سوريا مئات الآلاف من السوريين، كما هجر الملايين من المواطنين الأبرياء. لقد دخلت سوريا في أجواء تذكر، من حيث الدمار، بمستوى الخراب الذي صنعته الحرب العالمية الثانية في ألمانيا واليابان. ولو قدر للتاريخ أن يضع مسؤولية على فرد أو قائد فهو سيضعها على النظام السياسي الحاكم بكل أبعاده، هذا لن يغير من أن أطراف عدة تتحمل مسؤولية ما وقع في سوريا، إلا أن الأساس في كل ما وقع في سوريا ارتبط بطريقة تعامل النظام في الشهور الستة الأولى من الانتفاضة والثورة، ففي تلك الشهور ارتكب النظام من الممارسات الدموية بحق متظاهرين سلميين راغبين في التغير، ما أدى في النهاية للحرب الأهلية التي لا تزال تشهد سوريا فصولا غير مكتملة منها.

وعلى الرغم من مقدرة النظام عبر الدعم المقدم من إيران أولا، ثم من روسيا ثانيا، من تغيير الكثير من موازين القوة، ومن دفع الثورة السورية من مرحلة المطالب الشعبية العارمة لمرحلة القتال، ثم إلى التراجع والتفكك، إلا أن حجم العنف في سوريا من حيث عدد اللاجئين (نصف السكان) وعدد الجرحى والمعتقلين وعدد الشهداء يجعل من نهاية الحرب الأهلية في مدى منظور أمرا خياليا. فبعد كل هذا الموت من الصعب عودة سوريا لطبيعتها بلا تسوية سياسية حقيقية وصادقة، تغير الكثير من الواقع السياسي الذي أدى بالأساس للثورة. وبما أن النظام غير مضطر لعقد هذه الصفقة مع شعبه، فسيبقى النظام السوري الراهن وما تبقى منه، رهينة عوامل عديدة داخلية وخارجية. هذا يعني أن الحرب ستستمر من جولة لأخرى.
لننظر للعوامل التالية في تقييم وضع سوريا: سوريا دولة محتلة من قبل قوى أجنبية عدة منها إيران وروسيا ومنها تركيا والقوات الأمريكية، كما تخضع سوريا لتدخلات إسرائيلية واضحة من خلال ضربات عسكرية منتقاة موجهة لبعض القوات الإيرانية فيها، لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، فهناك في الوقت نفسه توجهات انفصالية، كما نلاحظ في مناطق الأكراد. وتستمر في الوقت نفسه المعارضة المسلحة بوسائل سرية وعلنية في مناطق مختلفة من سوريا. لهذا السببب لم ينجح النظام السوري في السيطرة على كل الأرض والصراع في سوريا يعكس حالة دولة فاشلة. إن سوريا مقبلة على تنافس إيراني روسي هدفه التأثير في نظام بشار الأسد، وفي الوقت نفسه ستحاول تركيا التمدد وحماية مصالحها وفي ذهنها عدم تقدم الأكراد، بل سيحاول الأكراد تأكيد وجودهم، وهذا بحد ذاته سيحفز من حركة قوى «الجيش الحر» وأطراف أخرى في المعارضة السورية، وستجد بعد الأطراف المعارضة فرصة لها لإعادة تجديد وجودها. كل هذا يجعلنا نؤكد أن ما تشهده سوريا الان يمثل مرحلة في الحرب الدائرة، مازال النزاع قائما بسبب غياب قدرة الاطراف على الحسم أو الاتفاق، وبسبب عدم توفر الحد الادنى المشترك بين جميع القوى التي يتشكل منها الوضع السوري الراهن.
النظام السوري خاسر تاريخيا رغم كل الدمار الذي نشره، بل إن الأنظمة العربية الأكثر استقرارا هي الأخرى تعيش حالة تزداد صعوبة بسبب الاقتصاد والبطالة والفساد وفشل الدولة والحروب المحيطة وعدم القدرة على تطوير الأنظمة السياسية، لكن الحالة السورية أسوأ من تلك القائمة في الأنظمة العربية الأخرى بسبب تدمير الدولة وبسبب دموية النظام. وتأتي الضربة العسكرية الصاروخية التي تعرضت لها سوريا في الرابع عشر من أبريل 2018 في إطار صراع القوة ذاته، فسوريا التي تمتلك بعض السلاح الخاص بالدمار الشامل استثارت الإدارة الأمريكية التي تخشى من استخدام بعض هذه الأسلحة ضدها أو ضد اسرائيل في المستقبل، وهذا يمثل خطرا على الولايات المتحدة التي تربط وجودها في الشرق الاوسط بطبيعة قوة وقدرات إسرائيل.
من جهة اخرى سعت القوى الغربية لتجربة سلاح جديد وقدرات جديدة ووجدت ضالتها في حالة الحرب القائمة في سوريا، بل ربما وجد ترامب التمويل المطلوب من دول عربية لهذه الضربة. لهذا جاءت الضربة بحدود تقليم أضافر وتحديد بعض الحدود، وهي ضربة صاروخية لم تستهدف قلب النظام أو التأثير عليه، أو تغييره أو نصرة الشعب السوري. الضربة الأمريكية الفرنسية البريطانية من خلال أسلوبها وتوقيتها وحجمها، أكدت بشكل غير مباشر على أن استخدام النظام السوري للبراميل المتفجرة والتصفيات الجماعية مسموح به ضد الشعب السوري، بينما الكيميائي وبعض مشتقاته ممنوع. هذه المعادلة غير الأخلاقية تجيز استمرار قتل الشعب السوري.
وفي الخامس عشر من أبريل 2018 بعد يوم من الضربة العسكرية الأمريكية عقد مؤتمر للقمة العربية في الظهران، هذا المؤتمر لم ينجح في التعامل مع المشكلة السورية لا من قريب ولا من بعيد، وفشل في التعامل مع مسيرات العودة الفلسطينية، كما قدم، كعادة القمم العربية خطابا تقليديا يعيد التأكيد على كل ثوابت يعجز عن التعامل معها ورصد الجهود لتحقيقها. هكذا في ظل وضع عربي شديد الاستقطاب والتبعية للغرب، لا حل للازمة السورية، ولا للحروب الأهلية في الإقليم، ولا للأزمات المحيطة. لقد فشلت القمة العربية حتى في مجال الإشارة لأزمة بحجم أزمة قطر أو حرب بحجم حرب اليمن. سوريا بحاجة لتسوية كبرى تعيد اولا للمواطن السوري حقوقه وإنسانيته واستقراره وتساعده على تجاوز جراحه وآلامه، وسوريا بحاجة لتسوية تعالج وجود روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة في سوريا، وهذا لن يقع في المدى المنظور بسبب تداخل القوى وبسبب ضعف الإقليم العربي، وبسبب سيطرة الخارج على الداخل.
خلاصة الأمر انه يوجد على الأرض في سوريا نصف دزينة من المنافسين والمسيطرين والمتحكمين وما النظام إلا لاعب مهم في واقع ممزق ومدمر ساهم في خلقه. يقال إن الحروب الأهلية تستمر في المتوسط 16 عاما. لهذا يمكن الإستنتاج بإن ضعف قدرة النظام على التفاوض مع معارضيه، وضعفه في التعامل مع التغير، وضعفه في ضبط تجاوزات الفئات المحسوبة عليه، وضعفه في التعامل مع القوى الأجنبية الداعمة له أو تلك المعارضة لنظامه، كفيل بأدامة العنف والتوتر لأمد طويل.

٭ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

شفيق ناظم الغبرا

المصدر: القدس العربي