تواجه الأجور في سوريا فجوة متزايدة بين الدخل الشهري ومتطلبات المعيشة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف السلع والخدمات الأساسية. وتكشف بيانات قاعدة «نيمبيو» العالمية لمؤشرات المعيشة عن انخفاض متوسط الرواتب السورية مقارنة بعدد من الدول العربية، ما يسلط الضوء على الصعوبات الاقتصادية التي تواجه الأسر في تأمين احتياجاتها اليومية.
وبحسب البيانات المتداولة عن تصنيف عام 2026، جاءت سوريا في المرتبة الأخيرة عربياً، بمتوسط دخل شهري صافٍ يتراوح بين 80 و100 دولار، بعد اقتطاع الضرائب. ويعكس هذا المستوى من الدخل اتساع الفارق بين الرواتب المحلية والأجور المسجلة في دول عربية أخرى، إذ يبلغ متوسط الراتب في قطر، وفق الأرقام المذكورة، نحو 4094 دولاراً شهرياً، ما يعني أن الفارق بين البلدين يتجاوز أربعين ضعفاً عند مقارنة الراتب القطري بمتوسط دخل سوري يبلغ 100 دولار.
وتشير البيانات نفسها إلى أن متوسط الراتب في سوريا يقل بنحو سبعة أضعاف عن لبنان، وثمانية أضعاف عن الأردن، وفق التقديرات المتداولة. لكن هذه المقارنات تحتاج إلى قراءة دقيقة، لأن اختلاف مستويات الأسعار وتكاليف السكن والخدمات بين البلدان يؤثر في القيمة الفعلية للرواتب، ولا يكفي النظر إلى الدخل بالدولار وحده لتحديد مستوى المعيشة.
وتوفر قاعدة «نيمبيو» بيانات عن تكاليف المعيشة والرواتب والأسعار في مختلف دول العالم، اعتماداً على مدخلات المستخدمين إلى جانب معلومات تجمعها من مصادر أخرى، بينها مواقع المتاجر والمؤسسات الحكومية. وتوضح المنصة أن بيانات الرواتب تمثل الدخل بعد اقتطاع ضريبة الدخل، وأن مستوى موثوقيتها يرتبط بعدد المشاركين وتوافر المعلومات الحديثة.
وتبرز أهمية هذا التحفظ عند تناول الحالة السورية تحديداً. فبيانات المنصة الخاصة بسوريا تشير إلى محدودية المعلومات المتاحة، كما أظهرت مقارنة الأجور مع الأردن، المحدثة في حزيران 2026، متوسط راتب صافياً قدره 55.31 دولاراً في سوريا مقابل 710.91 دولارات في الأردن، استناداً إلى مساهمات 38 شخصاً في البيانات السورية و86 شخصاً في البيانات الأردنية خلال الاثني عشر شهراً السابقة للتحديث.
وهذا الاختلاف بين الأرقام المتداولة وبيانات المقارنة المنشورة يؤكد ضرورة تحديد تاريخ البيانات ومصدرها قبل اعتمادها بوصفها متوسطاً وطنياً نهائياً.
ولا تقتصر المشكلة على انخفاض الأجور، بل تمتد إلى قدرة هذه الأجور على تغطية النفقات الأساسية. فحين يستهلك الغذاء والسكن والنقل والطاقة الجزء الأكبر من دخل الأسرة، تتقلص المساحة المتاحة للإنفاق على التعليم والصحة والاحتياجات الطارئة، ويصبح أي ارتفاع في الأسعار عبئاً إضافياً على ميزانية المنزل.
كما أن متوسط الراتب لا يعكس بالضرورة واقع جميع العاملين، إذ تختلف الدخول باختلاف المهنة والقطاع وسنوات الخبرة والمنطقة الجغرافية، فضلاً عن تفاوت فرص العمل وانتظام دفع الأجور. لذلك، فإن تقييم القدرة الشرائية في سوريا يتطلب الجمع بين بيانات الرواتب وأسعار السلع الأساسية وتكاليف السكن والخدمات، إلى جانب معلومات رسمية حديثة عن الأجور وفرص العمل.
وتبقى الأرقام المتاحة مؤشراً يستدعي الاهتمام بحجم الفجوة بين الدخل والنفقات، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مستوى معيشة جميع السوريين. فالمعيار الأهم ليس مقدار الراتب بالدولار فقط، بل ما يستطيع هذا الراتب تأمينه من احتياجات أساسية، ومدى استقراره وقدرته على مواكبة تغير الأسعار.








