Site icon مركز الصحافة الاجتماعية

الاستاذ سالم بعد أن قتل النظام أبوه وأنهك أمّه السرطان.. كيف يربي ثلاث أخوات عاجزات؟

كرسي عجزة

تيتّم مبكراً فصار من الآباء الصغار بعد وفاة أبيه بحادثة قيّدت “خطأ أثناء العمل”، ولجأت أمّه للتطريز والحياكة لتعيل سالم وثلاث بنات عاجزات.

 

ثغورٌ مفتوحة تنتظر لقمة مغمسة بالقهر والثكل

على الضفّة الأخرى للوطن من سوريا المفيدة كما أطلق عليها رأس النظام السوري، جاء صوته عبر الهاتف مرتجفاً خائفاً، يحشرج بالقهر والدموع، أمّه التي أفنت جسدها لتراه الأب الجديد، أعياها سرطان الدم، قبل أن تكحل عينها برؤيته الاستاذ القدير، فارقت الحياة.

 

ثلاث أخوات في العقد الثالث من العمر، مقعدات لا حول لهنّ ولاقوّة، يحتجن رعاية صحيّة وجسديّة، يخاف ككل السوريين من مآسيه، فالتصريح بالوجع في سوريا، تهمة يعاقب عليها قانون الميلشيات، في النظام السوري ، فقال أنا سالم من هذا الوطن.
ويتابع..

توفي أبي وعمري ثلاث سنوات فقط، أختي الوحيدة الناجية من الإعاقة تصغرني بعامين، وثلاث أخريات يكبرنني بالعمر، ولكن بأجساد هزيلة.

 

الموت الخطأ..

نعم مات أبي، بجريمة قيّدت خطأ في العمل، في عام 1991، وفي منطقة دمّر الجديدة، بمحافظة دمشق، دمّروا عائلتنا وقتلوه، قتلوه كلّه، قتلوا أمل أمي بمعالجة بناتها، قتلوا فرحتي باحتضانه، قتلوا الفرح في عيوني، قتلوه كلّه.

لا أعرف كم كان سيسرق المهندس المسؤول وحاشيته، هل يساوي أبي طن إسمنت أسود، أم أنّه الظلم الأسود الطاغي في نظام الطغاة.

 

أبي كان مساعد مهندس، مدير ورشة في الإسكان العسكري، رفض أن يغضّ الطرف عن سرقة في المواد كي لا تموت عائلات بريئة تحت سقف الوطن، فمت أنا بموت أبي، ماتت عائلتنا وذنبنا الأخلاق.

 

بموت أبي، صرت أباً صغيراً، هكذا كانت تقول أمّي لأختي التي تصغرني، عند سؤالها عن أب تنام في أحضانه، ويشتري أميرة تدللها، دائماً ما كانت الدموع تطلّ من نوافذ عيونها، اسألها لم تبكين ماما فتجيب لا ، لا ..لا أبكي، إنها الغبرة المتطايرة من خيوط التطريز، لا أعلم لماذا كل مرة بعد هذا السؤال، تمضي نصف ساعة جاثية في مطبخنا ، هل تفكر في طعام ؟!

الموت البطيء..أمي لم يقتلها السرطان، قتلها القهر..

عانت أمي من فقدان الشهيّة، ونقص في الوزن، في مشفى حماة الوطني، حيث قال الأطباء “جرثومة في المعدة”، اشتريت أغلب الدواء لعدم توفره في المشفى، لحين طلبوا خزعة الدم.

الموت الأخير…

لم أستطع حتى البكاء، كانت دهشتي أكبر، ومصابي لا يوصف، قال طبيب الدم ، سرطان.
في مشفى البيروني بدمشق، كحال جميع المرضى، لا دواء، استدنت مبالغ كبيرة في أربعة أشهر، وصلت لثماني ملايين ليرة، ماتت أمّي يوم مات أبي يفدي أبناء الوطن، الوطن الذي قتل أمّي أيضاً لعدم توفر الدواء.
رثاء العزاء

شارد العينين والذهن ، عاقد الحاجبين، ليس على الجبين اللجين، إنما على تراكم القهر والدين، في خيمة العزاء التي استأجرها صديقي، قدموا لي التعازي بأمّي، حين كنت أبكي أبي، وأرثي العدل واإانسان في هذا الوطن، في ثلاث غرفٍ طينيّة صرت أبا وأما ومعلّما، يحاولون القيام بواجبات ثلاث بنات عاجزات.

 

المؤنسات الغاليات

بعد انتهاء العزاء، غادرت زوجة عمّي الوحيد بيتنا إلى دمشق، عمّاتي إلى حماه المدينة، خالاتي في بيت أزواجهن، جدّتي لأمي أنهكتها السنون، جدّتي لأبي، اشتاقت لابنها فلحقته منذ سنين، وبراتب مئة وخمسين ألف ليرة سورية، “ثلاثون دولارا”، يجب أن أعيل نفسي، وثلاث مقعدات.

الدوام في المدرسة صباحاً كي لا ينقطع راتبي، أعود ظهرا لأفتح الأبواب على مؤنساتي، ألمح السعادة في وجوههن البائسات، هذا ما أبقاني على قيد الحياة، إلى لحظة حديثي هذا معك، أعتني بنظافتهنّ، أعدّ لهنّ الغداء، وبعد أن أنظّف البيت، يجب أن استقبل أبناء الضباط في الجيش، والميسورين ماديّاً، في درس خصوصي.

أعلّم الطلاب فيه حركات الإعراب والبناء، أنا الذي محلّي من الإعراب ميت بلا كفن، أنا الذي أبني أحلامي بفتح جراح ذاكرتي، لأضمّ من رحلوا، وأستكين للصمت.

قصّة صحفيّة/ عادل الأحمد

Exit mobile version