وجبات الإفطار الرمضانية في مخيمات النزوح ومعاناة الأمهات في إعدادها في ظل ظروف معيشية صعبة

0 194

موقد من الطين، وبعض العيدان الملتقطة من هنا وهناك، وعددٌ من أكياس ” النايلون” وقِدْرٌ صغير اسودَّت جوانبه من الدخان الكثيف المتصاعد من الموقد، ونساء مُنكفآت على ما تيسّر من مواد لتحضيرها لعائلاتهن، إنّه مشهدٌ يومي متكرر قبيل الإفطار في مخيمات النزوح.
المواقد الطينية بديل عن أفران الغاز ووسائل الطهي التي يفتقدها كثير من الناس في المخيمات، يقوم الأهالي بصنعها من حجارة وطين بطريقة معينة بحيث يكون فيها فتحة لإدخال أعواد الحطب، وإحراج الرماد بعد الانتهاء من طهي الطعام، وفتحة في الأعلى لوضع القدر عليها.
أم أحمد “اسم مستعار” امرأة في العقد الرابع من العمر، تجلسُ القُرْفَصاءَ قُبالةَ الموقد الطِّينيِّ الذي بنته على طرف تلك الخيمة التي صارعت رياح الشتاء، وأمطاره وثلوجه حتى وصلت إلى الصيف وهي في النّزع الأخير.
تتناول بيديها حزمة من الأعواد التي جمعها صغارها من هنا وهناك، تضعهما تحت القدر الذي اتّشح بالسواد بسبب كثافة الدخان، تحاول إشعال النار لتعدّ طعام الإفطار لعائلتها، يتصاعد الدخان فيغطّي وجنتيها اللتين غابت فيهما ملامح الحياة، ويتخطّاهما إلى عينيها لتسيل منهما حبّات اللؤلؤ التي امتزجت بلونه الأسود.
تشتعل النار تحت قدر الحساء، ترقبه أم أحمد بعينيها بشغف حتى ينضج قبيل أذان المغرب. فوق كومة من الحجارة، وعلى مقربة منها، يجلس ابنها الصغير الجائع، يختلط صوت تغريد عصافير معدته مع صوت طقطقة العيدان المشتعلة تحت القدر، ولسان حاله يقول:
“أمي .. فقط قليلا من الحساء.. أمي إني جائع.. لا أطيق الانتظار حتى ينضج”
تنظر إليه أمّه ولكنها بالكاد تستطيع أن تراه بسبب حرقة الدخان في عينيها، ثم تسكب له في طبق كان بالقرب منها قليلاً من الحساء الذي لم ينضج بعد؛ فيسارع صغيرها إلى تناوله بملعقة تحريك الطعام الكبيرة وكأنه صنفٌ من أطايب الطعام، في حين ينتظر باقي العائلة هذا الطبق الشهي “حساء العدس” ليزين مائدة إفطارهم التي تكاد تخلو من غيره، في حين أنه قد يكون من المقبلات على الموائد الرمضانية خارج مخيمات النزوح.

وفي طرف الخيمة المجاورة، يستمر مسلسل معاناة إعداد طعام الإفطار، فتلمح موقدا آخر لسعاد “اسم مستعار” وعلبة زيت للقلي، وحبّات من البطاطا التي قطّعتها ووضعتها في المقلاة، وبين الحين والآخر تنفخ على النار كي لا تنطفئ، ما يزيد معاناتها معاناة وعطشها عطشاً، بسبب لهيب النار المشتعلة والزيت الذي يغلي، والجوّ الحار، ناهيك عن عملية النفخ وما تحمله لها من تعب.

الجارةُ في الخيمة المجاورة ليست بأفضل حال منهن، فقد جلست الجلسة ذاتها، تقابل موقدها الطيني المتفسّخ بفعل حرارة النار وحرارة الجو، يلتفّ حولها أطفال صغار كَزُغْبِ القَطا، يتضوّرون جوعا، وينتظرون نضج طعامهم في القدر الذي غطته أمّهم لينضج أسرع، وكيلا يشاهدوا ما فيه فيزدادوا جوعا.
مشهد يومي يتكرر قبيل الإفطار في كثير من مخيمات النزوح، وما إن يحين أذان المغرب حتى يلتمّ شمل العوائل حول موائد الإفطار، بيد أنها موائد تختلف عن كثير من تلك التي كانوا يجلسون حولها قبل الحرب، وتختلف أيضا عن الموائد العامرة بكل ما لذّ وطاب من أصناف الطعام والحلويات والعصائر.
جميلٌ أنْ نشعر بأولئك المعذَّبين الذين جافتهم الحياة، وأذاقتهم مرارة التشرّد، وأيضا مرارة الحرمان.

ظلال عبود

المركز الصحفي السوري
عين على الواقع

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.