البراميل المتفجّرة أرغمت طفلةً على ارتداء القناع.. وقتلت والدها.. لكنّها لم تستطع أن تقتل الأمل والتفاؤل والرّضا

0 407

في يومٍ صيفيٍّ حار، الأولاد يتراكضون في الحديقة، يروحون جيئة وذهابا، أصواتهم تعلو وتعلو، والبسمة بادية على وجوههم التي احمرّت من اللعب في هذا الجوّ الحار، وراحت قطرات العرق تتراقص فوق الجبين، والضحكات يملأ المكانَ صداها.

هل تستطيع الفروع الأمنية الحجز على #عقارات_المطلوبين؟؟

من بينهم تطلُّ تلك الفتاة، ترتدي قناعا منع ابتسامتها البريئة من الظّهور للعيان، ولكنّه لم يستطع أنّ يمنعها من اللعب والمرح مع أترابها، تتأرجح تارة، وتتزحلق أخرى، وتركض هنا وهناك في أرجاء الحديقة.

لم يمنعها ذاك التهجير من اللعب، مع أنّها ترتدي قناعا يزيد اللهيب لهيبا.

على إحدى الكراسي الموجودة في الحديقة المترامية الأطراف، تجلس امرأة، تضع يدها على خدّها، تنظر إلى تلك الطفلة المقنّعة بابتسامة وحُبّ، تراقبها أينما ذهبت وتمعن النّظر فيها طويلا دون أن يرفّ لها جفن، وكأنّها لا تريد أن تمضي ثانية واحدة دون أن تراها فيها وهي على هذه الحال من الفرح والاندفاع والحماس، على الرّغم من الوضع الذي هي فيه.

تدافعت في عقلي أسئلة حول تلك المرأة، واهتمامها بهذه الطفلة دون غيرها، وأنا على هذه الحال، وإذ بالطفلة تأتي مسرعة نحوها، ترتمي بين ذراعيها، ثمّ تهمس في أذنها قليلا قبل أن تتركها وتعود للعب من جديد.

جلست أرقبها بحيرة، تناسيت كل الأطفال من حولي، وكأنّ الحديقة خلت إلا من تلك الطفلة، ورحت أقول في نفسي: “كيف تلعب بهذا الحماس.. وكيف تأقلمت مع هذه الحياة.. الجو حار. ومع ذلك لا ترفع القناع عن وجهها الصغير؟”

اقتربت قليلا من المرأة، وسألتها:
مَنْ هذه الطفلة؟
فأجابت بنفس راضية:
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على عطاياه وأقداره، إنّها ابنتي.

تجاذبنا أطراف الحديث قليلا، ثم بدأت تحكي لي قصّتها، تقول:
“كنّا نجلس في بيتنا في أمان الله، فجأة جاءت طائرةٌ للنظام وأفرغت حمولتها فوقنا.. زوجي مات في أرضه، وابنتي كانت تجلس قرب المدفأة، فقلبت عليها وانسكب فوقها ” دابو المازوت” واحترقت ابنتي، وتشوّه وجهها بالكامل”.

استُشْهِدَ الأب، وتشوّهت الطفلة، وأصبحت الزوجة وحيدة، تربي أطفالها، وترعى شؤونهم بعد أن فقدت سندها في هذه الحياة.

بين حين وآخر تأتي هذه المرأة بطفلتها إلى تركيا للعلاج، تمضي هذه الفترة في دار الجرحى ريثما تحصل ابنتها على إبر السليكون والطبابة اللازمة في المشفى، ثم ترجع إلى سوريا إلى أن يحين موعد دخولها إلى تركيا لاستكمال العلاج.
اللافت للنظر هو حال الرضا التي تعيشها هذه الأم وتلك الطفلة، على الرغم من المأساة التي تعيشها هذه الأسرة بعد فقدهم الأب والدار، فضلا عن التشوّه الذي حلّ بالطفلة الصغيرة، والألم الذي ذاقته ومازالت؛ نتيجة الحروق الكثيرة التي أكلت جسدها الغضّ الطري.

دمّر طيران نظام الأسد وحليفه الروسي الكثير من بيوت المدنيين ودفن تحت أنقاضها الكثير والكثير من أحلام الطفولة، وشتّتَ العديد من الأسر وشرّدها، ولكنّه لم يستطع أن يقتل فيهم الأمل، والرّضا بالقضاء والقدر.
ظلال عبود
المركز الصحفي السوري
عين على الواقع

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.