الانطوائيون.. قدرات كامنة تبحث عن فرصة في عالم صاخب

أحمد دعدوش-الجزيرة نت

ربما لو استوقفْنا أحد الانطوائيين لنسأله كيف يصنف نفسه على سلم الانفتاح الاجتماعي، فسيحاول لاشعوريا أن ينفي عن نفسه “تهمة” الانطوائية، فالثقافة العامة تعطي الأولوية للمنفتحين في فرص الدراسة والعمل والنجاح، مع أن الإحصاءات تقدر أن ثلث إلى نصف الأميركيين انطوائيون، والعلم يؤكد أن نمط شخصياتهم ليس طبيعيا فحسب بل يحمل الكثير من عوامل القوة والتميز.

عندما اكتشفت المحامية الأميركية سوزان كين هذه الحقائق -وهي انطوائية بامتياز- قررت اعتزال مهنتها الناجحة في نيويورك، والتفرغ لتوعية الناس بـ “قوة الانطوائيين” بقية حياتها، حتى تصدّر مؤلفها “الهدوء.. قوة الانطوائيين في عالم لا يكف عن الكلام” قائمة الكتب الأكثر مبيعات بحسب صحيفة نيويورك تايمز، كما سجلت محاضرتها “مجتمع الأفكار” على منصة “تيد” أكثر من 21 مليون مشاهدة حتى الآن، فضلا عن ملايين أخرى في موقع يوتيوب.

تقدم هذه المؤلفة الانطوائية بنفسها نموذجا مميزا لنجاح الانطوائيين ومثابرتهم، فالكتاب الذي جاءت نسخته العربية بحوالي 380 صفحة -الصادرة عن دار الأهلية بعمّان عام 2016- ثمرة سبع سنوات من البحث الدؤوب، ولعل نظرة سريعة على الهوامش التي احتلت أكثر من أربعين صفحة تكفي لتقدير الجهد الذي بذلته المؤلفة في قراءة أحدث الدراسات وإجراء المقابلات.

أثبتت الدراسات أن المكاتب المفتوحة تقلل من الإنتاجية وتزيد من الشعور بالإجهاد والتشتت والعدائية بين الموظفين (غيتي)

الكوكب بحاجة للانطوائيين
يستهل الكتاب باقتباس عن ألين شون يقول إن الجنس البشري الذي يكون فيه كل شخص هو الجنرال جورج باتون (من قادة الجيش الأميركي بالحرب العالمية الثانية) لن ينجح، فالكوكب بحاجة إلى رياضيين وفلاسفة ورسامين وعلماء، إنه بحاجة إلى أصحاب قلوب دافئة وأصحاب قلوب قاسية، وإلى أشخاص لامبالين وأشخاص ضعفاء.

ثم تبدأ المقدمة بسرد قصة المناضلة الأميركية السوداء روزا باركس التي رفضت منح مقعدها بالحافلة لرجل أبيض عام 1955، فأطلق موقفها البسيط شرارة واحدة من أهم احتجاجات القرن العشرين، أثمرت انتزاع حقوق السود بالمساواة، لنفاجأ في النهاية بأن باركس كانت انطوائية للغاية، وأنها عنونت سيرتها الذاتية بـ “قوة الهدوء” وأنها خططت لموقفها هذا عدة أشهر كي يؤتي ثماره دون أن تنفعل، ولتكسب قضيتها في المحاكم بقوة هدوئها وحكمتها فقط.

ثم تفاجئنا المؤلفة بأن قائمة الانطوائيين المبدعين تشمل أيضا كلا من: العلماء إسحق نيوتن وتشارلز داروين وألبرت أينشتاين، الموسيقار فريدريك شوبان، الروائي جورج أورويل، المخرج السينمائي ستيفن سبيلبرغ، لاري بيدج أحد مؤسسي شركة غوغل، مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس، السيدة الأولى السابقة إليانور روزفلت التي تعد من أشهر النساء في تاريخ أميركا، الزعيم الهندي الراحل مهاتما غاندي.

وتبرهن المؤلفة على أن الكثير من الانطوائيين شغلوا مناصب قيادية وألهموا العالم عبر تبنيهم “الانبساطية المزيفة” وتقول إن الكثير من القرارات الكارثية في عالم الأعمال -والتي أدى بعضها إلى أزمات الكساد- يعود إلى ميل الشخصيات المنفتحة للمغامرة والمقامرة، وهو أمر يُستبعد حدوثه لو سُمح للانطوائيين بأخذ فرصهم الكاملة.

إذن، الانطوائية ليست مرضا ولا عيبا اجتماعيا، وهي نمط طبيعي من أنماط الشخصية، وليست كالخجل الذي يُعرّف بالخوف من الرفض الاجتماعي أو الإذلال، أما الانطوائية فهي تفضيل للبيئة التي لا تكون مفرطة النشاط.

ويعد عالم النفس كارل يونغ من السباقين إلى التعريف بالانطوائية بكتابه “الأنماط النفسية” (عام 1921) حيث ميز بوضوح بين نمطين رئيسين هما الانطوائي والانبساطي (المنفتح) فالأول ينجذب إلى عالم الأفكار والمشاعر الداخلية ويركز على المعنى الذي ينشئه من الأحداث، ويميل إلى شحن طاقته عندما يختلي بنفسه، وهو يعمل بشكل أبطأ ولكن بتروّ وإتقان أكبر، ويحب التركيز على مهمة واحدة كل مرة، ويكون محصنا نسبيا من إغراءات الثروة والشهرة. بينما يميل الانبساطي إلى النقيض في كل ما سبق.

الزعيم الهندي غاندي كان انطوائيا وخجولا 

سيادة الانفتاح
تتساءل المؤلفة: كيف أصبح الانفتاح الاجتماعي المثل الأعلى في الثقافة الأميركية؟ وتعود في قراءتها التاريخية إلى مطلع القرن العشرين عندما وظف شاب من عائلة ريفية فقيرة يدعى دايل كارنيغي مهاراته الخطابية في جذب اهتمام مندوبي المبيعات، وأنشأ في غضون سنوات قليلة ثورة ثقافية عارمة تحت مسمى “المساعدة الذاتية” -والتي باتت تدعى اليوم “التحفيز والتنمية البشرية” ليلهث وراءه رجال الأعمال والباحثون عن فرص العمل في مجتمع يحث الخطى بسرعة نحو ريادة العالم في مجالي الصناعة والخدمات.

وبذكائها الحاد ترصد صاحبة الكتاب ملامح التغير الثقافي الذي بات هو السائد عالميا بفعل العولمة، فصارت كبار الجامعات تخصص مقاعدها للمنفتحين فقط، والمدارس ترص مقاعدها على أساس “التعلم الجماعي” والمؤسسات الكبرى تصمم بيئات العمل على هيئة مكاتب مفتوحة دون جدران ولا عوازل، الأمر الذي تثبت الدراسات تأثيره السلبي على الإنتاجية، فضلا عما يسببه من تعطيل لقدرات الانطوائيين الذين يشكلون نصف المجتمع.

وحتى في الجانب الديني، تبدي المؤلفة دهشتها من سيادة النمط الانبساطي على رجال الكنيسة، وتشرح من خلال مقابلات عديدة كيف ربطت الثقافة البروتستانتية الإيمان بالانفتاح، مع أن الأنبياء والقديسين -حسب قولها- كانوا يستمدون رسالتهم من تجارب العزلة، ولم تتسم أنشطتهم الدعوية بالخطاب المسرحي، كما لم تتصف سيرهم الذاتية بالنشاط المفرط.

وعبر استعراضها لعشرات الدراسات النفسية والطبية والاجتماعية، تبرهن المؤلفة على أن الإفراط في اعتماد النمط الانبساطي التعاوني في التعليم والعمل، وجلسات العصف الذهني، لا تؤدي فقط إلى إقصاء الانطوائيين، بل تقتل مواهبهم وقدراتهم الإبداعية بالرغم من حاجة المجتمع إليها.

المصدر : الجزيرة

Leave A Reply

Your email address will not be published.