الشتاء والبرميل…هاجس أم

0 119

أقمشة تستر ثغرات الجدران المهدمة ونفحات الهواء الباردة تعصف وسط المنزل المعتم، أجساد صغيرة تقطن هناك حيث أطلّت فتاة صغيرة السن من فتحة الجدار القماشية فلمحت عيناها تلمع وكأنها تناديني.

شاهد.. كيف يقتل الأخ قلب أخيه، بسرقة أرضه، وزجِّ أخيه الآخر بالسجن

جرّني فضولي لرؤيتها، طرقت الباب ففتحت لي لتستقبلني بابتسامة الرضى ولم أبرح مكاني حتى هرعت تحضر لي كوب القهوة رغم صغر سنها.

حدّثتني وهي تنظر إلى الأرض حتى أني بالكاد أرى وجهها ” عمري الآن 9 سنوات ينادوني عيوشة “، نزحت مع أمي وأختي وأبي العاجز من مدينة سراقب بريف إدلب إلى مدينة إدلب في “بيوت العضم” كما ترين.

ويذكر أن بيوت العضم في مدينة إدلب تلك التي لم تجهّز ولم يكتمل بناؤها، كانت مشاريع لإيواء النازحين بعد أن عملت المنظمات في الشمال السوري على تحسينها نوعاً ما.
أخذت أجوب بنظري أرجاء المنزل فكم من تصدع هنا وتشقق هناك أكملت “عائشة ” ورفعت رأسها نحوي وأشارت بيدها إلى عينها مع ابتسامة قهر ارتسمت على شفتيها ” أخجل أن يرى أحدٌ عيناي فدائماً أتغيب عن مدرستي حتى لا يراني أحد ويعايرني بهما “.

وتكمل أم عائشة الحديث: ” أثناء القصف على مدينتي كانت عائشة صغيرة جداً لا تعي من الأمر شيئاً، وفجأة نزل برميل متفجر على منزلنا فشاهدت الطفلة رعبنا وصراخنا، ومن شدة خوفها فقدت بصرها لأيام لنتبين فيما بعد أنها أصيبت ” بانحراف النظر” بشكل تام.

والجدير بالذكر أنّ انحراف النظر لا يُصنّف على أنّه مرض قائم بذاته، وإنّما مشكلة تُسبب اضطرابًا في طبيعة النّظر، ويُصنف انحراف النظر على أنّه أحد مشاكل العين الانكسارية، ويُقصد بها تلك الاضطرابات التي تُسبب فقدان العين قدرتها على تحقيق انكسار الضوء على الوجه المطلوب، ولأنّ انحراف النظر يُسبب هذه المشكلة فقد صنّف ضمن المشاكل الانكسارية، ويُعدّ قصر النظر ومدّ النظر من هذه المشاكل أيضًا.

تضم أم عائشة صغيراتها بين ذراعيها وتقول ” رغم أن علاجها ليس بالأمر المستحيل لكن إطعامها هي وأختها أولى وأهم من العلاج حالياً، فكم من ليال تمر علينا والجوع يأكل أحشاءنا، لكن ليس باليد حيلة فزوجي عاجز طريح الفراش وليس لنا معيل “.

بدأت أم عائشة البكاء لتختلط كلماتها بالدموع: “والآن أتاني همّ الشتاء والتدفئة همٌّ فائض فوق همومنا، إنه لأمر محزن ومؤلم أن أرى قرة عيني ينخر عظامهم البرد ولا أقوى على فعل شيء، مرت علينا ليال قاسية البرودة ولم نستطع تركيب مدفأة فأحضرت تنكة حديدية ووضعت بها أحذية وقطع ثياب قديمة وأشعلتها ريثما يتسلل بعض الدفء إلى أجسادنا”.

أشعر بالحسرة على حياة الصغار فليس لهم ذنب للمعاناة بهذه الظروف الصعبة، حتى أنّ أصغر أحلامهم استحالت إلى الحسرة.

سهير إسماعيل

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.