في القرن الحادي والعشرين.. أطفال سوريون يتعلّمون في “الكتاتيب”

0 91

بوابة سوريا _ محمد العلي

يتباهى العالم بالثورة الرقمية المفرطة بعلمه ومعرفته، ومن لا يجيد لغة الحاسوب يُعد جاهلاً، أما في سوريا، وبين ثنايا الآلام والمواجع، طوى الفصل الدراسي الأول أيامه ومضى مغادراً طلاب الشمال السوري، وبذات الوقت لم يزر بعضهم في مخيمات النزوح والتجمعات العشوائية المنشرة في محافظة إدلب إطلاقاً.

يقدر قاطنوا المخيمات حوالي 700 ألف نسمة منهم 60% من الأطفال ممن هم في سن التعليم، ولا إحصائية دقيقة لنسب التسرب، بيد أنه ومن خلال تسليط الضوء على عينات من المخيمات يتبين أنه في بعضها تصل نسبة التسرب إلى 100%، كما هو الحال في مخيم القصر شرقي مدينة معرة النعمان جنوبي إدلب.

عدنان مسؤول المخيم يؤكد في حديثه لبوابة سوريا، وجود 115 طفل تتراوح أعمارهم بين 6 – 17 سنة، جميعهم لم يتلقوا طيلة الفصل الدراسي الأول أي تعليم، وسط غياب دور مديرية التربية والتعليم في إدلب.

أطفال مخيم القصر جلهم من نازحي ريف حماة الشرقي، نزحوا وأهاليهم منذ قرابة العام، لم يتلقوا أي تعليم منذ العام الماضي.

غياب المتعلمين بين قاطني المخيم كان أهم الأسباب لمنع فتح خيمة تعليمية، بجهود تطوعية، ما ينذر بانتشار الجهل بشكل كبير، ويضيف عدنان أقرب مدرسة تبعد عن المخيم حوالي 3 كيلو متر في تلمنس أو الغدفة، تواصلنا مع المجمعات التربوية والمنظمات الداعمة للقطاع التربوي دون أي نتيجة.

حسن طالب صف ثامن، يقول منذ أكثر من عامين لم أجلس في مقعد الدراسة، وبدأت أنسى شيئاً فشيئاً، القراءة والكتابة، لا أستطيع الذهاب إلى المدرسة كونها تبعد عني مسافة مشي نصف ساعة، وليس عندي كتب او دفاتر، أحلم أن أعود إلى قرية ربدة في الريف الشرقي وأرى مدرستي وبيت أهلي.

يردف، ليست أنا فقط من حرم من التعليم أيضاً أخوتي الصغار حسين كان في الصف الثالث، وأختي سمية كانت قبل ان ننزح صف أول لكنها الآن لا تعرف القراءة والكتابة، نمضيها باللعب، وبعض الأحيان نريد ان نلعب لعبة المدرس والطلاب لكن أغلب أولاد المخيم لم يعرفوا المدارس ولا كيف هو شكل الأستاذ.

المعلم حمدو محمد الحسن، نازح في مخيم عشوائي قرب بلدة الدير الغربي جنوبي إدلب، من أبناء ريف حماه الشمالي الشرقي، يقول: نحن نصنف حاليا في المحرر الشرقي اي الريف الشرقي، وأحمل شهادة في علم الأحياء اختصاص (أحياء دقيقة) تولد 1988م.

بدأت بالتدريس منذ أن كنت طالباً جامعياً بتدريس مختلف شرائح الحلقة الأولى والثانية بالتعليم الأساسي على زمن النظام وذلك أعوام 2009/حتى2012

بعدها اضطررننا لترك قرانا نتيجة استبداد وممارسات النظام المجحفة بحق المواطنين في عام 2013 قمت بتدريس الطلاب ضمن خيمتي ولكن ظروف الحياة لم تسمح لي بإكمال المشوار عندها اضطررت لترك تدريس ابناء النازحين والعمل من أجل تحصيل لقمه العيش.

بعد تلك الحقبة الزمنية الطويلة لتاريخ هذه اللحظة ونتيجة انقطاع الطلاب عن الدراسة وتفشي ظاهره الجهل أحسست أنه من الواجب أن أتحرك ولو بإمكانيات ضعيفة مني لإنقاذ ما يقارب الـ 60 طالب وطالبة، في ظل غياب الاهتمام بهؤلاء الطلاب من قبل مديرية التربية في حماة وإدلب، بما أننا نازحون في إدلب النتيجة واحدة وهي عدم استدراك وضع الطلاب، عندها قمت بتدريس هؤلاء ضمن خيمتي الخاصة هذه الخيمة تتضمن مأكلي ومشربي حيث قسمت الطلاب إلى فوجين:

الفوج الأول للصف الأول.

الفوج الثاني يتضمن الصف الثاني والثالث والرابع

بالنسبة للصف الأول والثاني أدرّس الأحرف بشكل رئيسي والأعداد، والصف التجميعي أدرّس القراءة ودروس في القرآن والعمليات الحسابية الأربع، وكأنما عاد الزمان بنا إلى عصر تعليم الكتاتيب، ومنذ فترة زمنية قصيرة سمع بعملي فاعل خير قام بإرسال خيمتين، قمت بفرز الطلاب على هاتين الخيمتين.

ولعدم وجود سبورة، اضطر للكتابة على جلد من النايلون، ولا أحد يشاركني تدريس الفوجين على مدار 5 ساعات متواصلة من خيمة إلى أخرى.

نعم كسرت حاجز الجهل الذي خيم لمدة سبع سنوات، نتيجة النزوح المتكرر، وغياب الكتب المدرسية، سعادة لا توصف عندما تنقذ طفلاً من عتمة الجهل، إلى نور العلم، حالياً طلاب الصف الأول أصبحوا يكتبون بعضاً من الحروف وبلغ تحصيلهم نسبة 50%، بالنسبة للصف التجميعي بلغت نسبه الاستيعاب لديهم مايقارب65%.

سيدرا طفلة عمرها 9 سنوات، تدرس في الخيمة عند الأستاذ حمدو باتت تجيد القراءة وبعض العمليات الحسابية، تقول أتمنى أن أصبح معلمة عندما أكبر، وأساعد الأستاذ في تعليم أولاد المخيم، وكانا بات في مخيلتها المستقبل نزوح وخيم.

ليلى بكداش مديرة مدرسة مخيم الوفاء في ريف جسر الغور غربي إدلب، تضم المدرسة 395 طالب وطالبة، تضم 16 خيمة صفية، ويبلغ الكادر التدريسي والإداري 24 عامل كلهم مكفولين بالرواتب من أحد المنظمات الداعمة للقطاع التربوي، تؤكد توفر الكتب المدرسية إلى حد ما، ودعم مستلزمات التدفئة من مديرية التربية والتعليم بإدلب، ولا تخفي المعاناة التي مروا بها في السنوات الماضية من دون دعم ونقص الاحتياجات اللوجستية، تقول هذا العام يعتبر من أفضل سنوات التعليم في المخيم، حيث لا خوف من ترك أحد المدرسين نتيجة غياب الدعم، على العكس الإقبال والالتزام سر نجاحنا، على أمل ان نقضي على الجهل ونشعل شمعة الحرية والعلم.

عائشة الخطيب عامل في أحد مراكز الدعم النفسي للأطفال في مخيمات أطمه، تبين حجم الفروق الاجتماعية بين الأطفال ممن يرتادون المدارس ومن هم خارجها، لدينا أنشطة متنوعة منها ترفيهية، ما يتطلب الانضباط وتنفيذ التوجيهات والانتباه والأصغاء من هنا نبدأ بفرز الأطفال المتعلمين عن الأطفال المتسربين

وتخشى من استمرار عشوائية التعليم في المخيمات والتجمعات العشوائية، ما يمهد لظهور الجهل وتبعاته من ارتكاب الجرائم والانحلال الأخلاقي، واضطرابات السلوك الناجم عن الفراغ وعدم المعرفة بما هو جيد وما هو سيء

مدير الدائرة الإعلامية في مديرية التربية والتعليم مصطفى حاج علي، يؤكد تفاقم الواقع التعليمي في ظل نقص الدعم المقدم من الجهات المانحة، وعدم قدرة المديرية على تغطية الاحتياجات مع وجود كثافة سكانية عالية، مع عمليات التهجير القسري وحركات النزوح المستمرة.

ويوضح بالأرقام عدد المدارس في محافظة إدلب 1549 مدرسة، منها 84 مدرسة مدمرة بشكل كلي، 171 مدرسة مدمرة بشكل جزئي، و111 مدرسة تحت سيطرة قوات النظام في ريفا المحافظة الجنوبي والشرقي، وأن اغلب قاطني هذه القرى نازحون، في وجود أكثر من 125 نقطة تعليمية في المخيمات والتجمعات العشوائية للنازحين في محافظة إدلب.

العامل الآن من مدارس مديرية التربية والتعليم بإدلب تقريبا 1300 مدرسة، وتقوم التربية بالتكفل بمدارس الحلقة الأولى والثانية بالترميمات الصغيرة ” أبواب – نوافذ – سبورات” إضافة لمواد التدفئة ولوازمها ولوازم الاسعافات الاولية فيها ضمن مشروع المنح الصغيرة لكن يبقى الوضع دون المأمول منه.

ويعب على المديرية تغطيت كافة التجمعات العشوائية لعدة أسباب، عدم الاستقرار الدائم لهذه التجمعات، وقلة الأعداد فيها وتفاوت الفئات العمرية، ومع كل الصعوبات تسعى المديرية بالتنسيق مع الجهات المانحة والداعمة لتغطية كل ما تستطيع لنشر التعليم، لكن الظروف والتحديات كبيرة.

بين حاجة مديرية التربية والتعليم الحرة في إدلب إلى 31588 مقعد مدرسي، و8144 مدافئ، و1926 سبورة خشبية، و2084 سبورة بيضاء نوع فيبر، و168 جهاز اسقاط و51 جهز عرض، و754 حاسوب مكتبي ومحمول، وسبب هذا النقص تحويل قوات النظام في وقت سابق أغلب المدارس نقاط عسكرية وتخريب الوسائل التعليمية وحرق خشب المقاعد.

ويبلغ عدد المعلمين الكلي 22627، منهم 8039 مكفولين برواتب من مديرية التربية والتعليم، وأكثر من ضعفهم يعمل بشكل تطوعي أمنت لمعظمهم المديرية رواتب جزئية، يضاف إليهم 344 معلم من مهجري الغوطة في ريف دمشق، ويوجد نقص في الكوادر حوالي 4000 مدرس ومدرسة.

مؤكداً، العجز الواضح في تقديم الدعم للتعليم في المخيمات، بسبب عدم الاستقرار الميداني والقصف، وعزوف الجهات الداعمة عن تقديم الرواتب بشكل كامل لمدارس المخيمات، مع وجود أكثر من 50 مدرسة مدعومة من جهات ومنظمات تعمل بالتنسيق والإشراف مع المديرية.

ويضيف الطلاب المهجرين والنازحين من الريف الشرقي للمحافظة زاد من الاعداد داخل المخيمات، وارتفاع نسب التسرب وقد تصل إلى أكثر من 75%، في المخيمات التي لا تتلقى أي دعم تعليمي.

رغم وجود الكثير من المانحين والمنظمات التي تضع يدها بيد التربية لنجاح العملية التعليمية إلا أن الحاجة كبيرة.

*ناشط إعلامي سوري مقيم في إدلب

 

نقلا عن بوابة سوريا

Leave A Reply

Your email address will not be published.