معركة الثوابت الثورية والتوافه الوطنية

0 213

من أوجه الصراع بين الثورة والنظام المسارات التفاوضية، التي انبثقت عن جنيف1 وما تلاها من مكملات الطبخة الدولية، فكانت صقور الثورة في قمة عنفوانها و التزامها وكانت سداً منيعا ً أمام أي انهيار أو اختراق لقيم الثورة وثوابتها, مما أربك النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، الذين صعّدوا من حملاتهم العسكرية، وإتباع سياسة الأرض المحروقة لدفع الفصائل الثورية للدخول في حظيرة المفاوضات و قد نجحوا بذلك عبر مسار أستانا الذي أفضى إلى قبول الفصائل بالحل السلمي و التسليم بنبذ الخيار العسكري، مما دفع بالروس للاستفادة من هذا الموقف عبر تقديمه إلى المجتمع الدولي كمستند ودليل وحجة ملزمة على الفصائل, توجب عليهم الالتزام بمقتضيات الحل السياسي والذي استجاب لها عبر إدخال ممثلي الفصائل في الهياكل واللجان المنبثقة عن مسار العملية التفاوضية و الذي أُوكِل لروسيا متابعته من خلال تفويضها بإجراء الهدن والمصالحات و خفض التصعيد باعتبارها مدخلا لوقف إطلاق النار الشامل المنصوص عنه في مخرجات جنيف 1 والقرارين 2254 و 2118 و البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة و قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة .

ولما نجحت روسيا في هذا الاختراق، دفعها هذا النجاح وتغاضي المجتمع الدولي عن انفرادها بالحل فبادرت إلى عقد مؤتمر سوتشي الذي أطلقت عليه ” مؤتمر الشعوب في سوريا ” والذي كان حضور النظام فيه الحضور الوحيد بعد المعاملة الحقيرة التي عومل بها وفد المعارضة ونجحت روسيا للمرة الثانية في اختراق خارطة الحل السياسي من خلال فرض مؤتمر سوتشي، بديلا للمؤتمر الوطني العام الذي ورد في مقررات خارطة الطريق الأممية للانتقال السياسي.

وبعد هذين النجاحين، كان لروسيا الضربة القاضية للمعارضة، حيث وجهتها لهم في مؤتمر الرياض 2 والذي افضى إلى دخول المنصات الموالية لروسيا والمتماهية مع النظام السوري، بموقفها من الثورة وأطاح بصقور الثورة من خلال إبعادهم بألاعيب انتخابات الهيئة العليا للمفاوضات، وضغط الدول الفاعلة التي أتت من خلالها جوقة متماهية و منبطحة للإملاءات الروسية، بل أصبحت مدافعة عن المقاربة الروسية للحل في سوريا التي تقوم على عدم البحث ومناقشة مصير بشار الأسد و عودة المناطق المحررة إلى سيطرة النظام و محاربة الفصائل الرافضة لهذه المقاربة ومن ثم دخول النظام والمعارضة في عملية مفاوضات مباشرة تفضي إلى تقاسم أو شراكة في السلطة “.

وتكريساً لذلك، فقد حاولت الهيئة العليا للمفاوضات إزاحة الائتلاف من الواجهة و تجيير الاعتراف ” التنفيذي ” الدولي الذي يتمتع به إليها، ولكنها لم تتمكن، فكان قرار تشكيل اللجنة الدستورية أول ردّ فعلي، لهذا التوجه والتي أصبحت مثار اهتمام المجتمع الدولي و محط أنظاره يصبّ جل جهوده لإنجاحها لكنه لم ولن ينجح لأن روسيا والنظام وإيران لن تقبل بنجاحها بتحقيق أي اختراق دستوري يمكن أن يؤثر على مركز النظام الدستوري .

إن المدخل الوحيد لروسيا و النظام وإيران في تحقيق أكبر اختراق للثورة هو دفع الائتلاف إلى اعتبار نفسه بديلا عن هيئة الحكم الانتقالي من خلال خلق تصوّر لديه بالقبول الروسي والإيراني له كطرف مقبول يمكن أن يتم التعامل معه ومن خلال تصوير عصيان النظام عن القبول بهيئة الحكم الانتقالي وإمكانية قبوله بالإئتلاف، بديلا عنها إذا ما استجاب لشروطه والتي صدّرها إلى المجتمع الدولي من خلال اللجنة الدستورية في جلستها الحالية من خلال ما أسماه مناقشة ” الثوابت الوطنية ” وهي رفع العقوبات وعودة اللاجئين وإدانة والمطالبة برحيل القوات الأجنبية واعتبارها قوات إحتلال ” رافضاً البحث بملف المعتقلين والمفقودين ورافضا ملف تحقيق البيئة الآمنة والمستقرة لعودة اللاجئين، ورافضاً لأي إصلاح دستوري، فأمام تضحيات شعبنا و قيم وثوابت الثورة كل النظام وما ينتجه هو من التفاهة بمكان لا يليق لحرٍ مناقشة وتضييع الوقت في سماعها أو مناقشتها .

إن قرار الإئتلاف بتشكيل مفوضية عليا للإنتخابات يأتي في سياق وحيد لا يمكن تصوّر غيره ألا وهو سياق محاولة الإئتلاف فرض نفسه كهيئة حكم انتقالي من خلال إتخاذ القرارات التي هي بالأصل من صلاحية هيئة الحكم الانتقالي, وعلى ما يبدو أن التركيبة الحالية للإئتلاف ” قيادة وأعضاء ” تنحو هذا المنحى لتجاوز عقبة هيئة الحكم الانتقالي التي تقف أمامهم و أمام النظام كونه لا يجوز لأعضاء الإئتلاف أن يكونوا أعضاء فيها وكذلك وجوب حل الإئتلاف بمجرد تشكيلها , كما هي عقبة أمام بشار الأسد وأركان نظامه الذين لا يحق لهم المشاركة في الهيئة لأنهم مجرمي حرب .

إن المعركة اليوم هي معركة بين الثوابت الثورية و بين التوافه الوطنية التي يحاول النظام وحلفائه تمريرها عبر عمليات التفاوض والتي لا يمكن تمريرها على قوى الثورة والحاضنة الثورية بأي حال من الأحوال و قد رأينا ردة الفعل العنيفة لهذه القوى على هذه التوجهات والتي أسفرت عن المطالبة بإسقاط الائتلاف و محاسبة قيادته وأعضائه.

إن الانتصار لثوابت الثورة أمر حتمي وواجب ثوري وأخلاقي لحماية الأحرار و دعم الثوار لاستعادة القرار الثوري والوطني ورفع الوصاية الأجنبية عن الشعب والثورة, و في التصدي لهذا السيل من الاختراقات المدمرة لقيم الثورة لصالح بقاء النظام وإعادة تأهيله و إنتاج حكومات مشتركة مع قوى وتكتلات حُسبت على الثورة زورا وبهتانا و شخصيات فرّطت بالثوابت والمبادئ التي ثار لأجلها هذا الشعب وقدّم ما قدّم من تضحيات عظيمة.

3/12/2020/
المحامي ؛ عبد الناصر حوشان

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.