في دمشق احتفال «بالطربوش» كرمز تقليدي مهدد بالانقراض

تجمع العشرات من أبناء حي القنوات وسط دمشق القديمة، بزيــــهم التقليدي المكوّن من سراويل وسترات قماشية وأحزمة عريضة على الخصر وطرابيش حمراء على الرؤوس، ليبدأوا بعد جولة صغيرة في المنطقة احتفالاً خاصاً بهم في أحد المنازل العريقة داخل الحي.
إنه «عيد الطربوش»، وهو تقليد دمشقي أُطلق في منطقة القنوات منذ ثلاثة أعوام للاحتفاء بصناعة سورية آخذة بالانقراض، وهي صناعة الطرابيش، تلك القبعات الحمراء الطويلة التي كان استخدامها شائعاً في سوريا وغيرها من بلدان المشرق والمغرب في العقود الماضية، واليوم وقعت كغيرها من التقاليد القديمة ضحية التطور الثقافي والاجتماعي، وأيضاً ضحية الحرب التي تعيشها سوريا منذ ثماني سنوات.
وعلى مدار ساعتين تقريباً، استمر احتفال «الطربوش» داخل المنزل وفي الأزقة المجاورة، حيث حرص المحتفلون على إحياء بعض العادات السورية، التي يعتقدون بأنها لم تعد تحظى بأي اهتمام يُذكر ومنها، الحكواتي والشعر العربي والرقصات القديمة، ولم يخفوا خلال أحاديثهم مع «القدس العربي» الحنين لأيام ماضية كان للحياة فيها شكل وطعم ولون آخر، أكثر بساطة وفي الوقت ذاته أشد حميمية وفق تعبيرهم.

عن الطربوش كجزء من الزي التقليدي

يعود تقليد ارتداء الطربوش على الرأس في سوريا إلى أيام الحكم العثماني، وتختلف الآراء والروايات حول مكان وتاريخ نشأة هذا التقليد، فبعضها يحيله إلى بلدان المغرب العربي، وتحديداً مدينة فاس المغربية، التي تأثرت بوجوده في مملكة الأندلس المجاورة، وأحد أدلة ذلك تسميته باللغة الإنكليزية بكلمة Fez؛ ومن المغرب، انتقل التقليد وفق هذه الرواية إلى العديد من دول الإمبراطورية العثمانية. ورواية أخرى ترجع أصل الطربوش إلى تقاليد عثمانية كتطور لأشكال أخرى من أغطية الرأس التي كان يرتديها الناس في مراحل مختلفة من الحكم العثماني.
فيكل الأحوال، تتفق الروايات بمعظمها على أن السلطان العثماني محمود الثاني هو من أقرّ ارتداء الطربوش كجزء من الزي الرسمي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، لينتشر في معظم بلدان الإمبراطورية العثمانية، ويتحول إلى تقليد فيها لسنوات طويلة. ويُحكى أن طريقة ارتداء الطربوش كانت تدل على مزاج صاحبه وحالته النفسية، وكذلك على أهمية الشخص المقابل له. فإن كان الطربوش مائلاً للخلف، يعني ذلك أن مزاج صاحبه معتدل، وإن كان مائلاً لأحد الجوانب قد يدل على رغبة صاحبه بالسخرية ممن يقابله. كما يختلف شكل وطول ولون الطربوش من بلد لآخر، فالسوري مثلاً أقصر وأفتح لوناً من الفلسطيني.
إلا أن هذا التقليد بدأ وخلال القرن العشرين بالانحسار تباعاً من كافة البلدان التي كان منتشراً فيها، كجزء لا يتجزأ من الزي الرسمي، ولم يبقَ منه، سواء في سوريا أو غيرها، سوى بعض الذكريات التي يحملها من اعتادوا ارتداءه، أو أتقنوا تصنيعه.
«في قديم الأيام كان أجدادنا يتغنّون بأن حاسر الرأس لا تُقبل له شهادة»، يقول هيثم طباخة وهو صاحب فكرة احتفال عيد الطربوش خلال لقائه مع «القدس العربي»، ويستكمل شارحاً هدفه من هذه المناسبة: «منذ صغري أحب كل ما له علاقة بالتراث السوري والدمشقي، ومع تغيّر نمط الحياة وأيضاً ما سببته الحرب من خسارات كبيرة لكافة مكوّنات تراثنا، قررت الاحتفاء بالطربوش بالذات لما له من قيمة معنوية وتاريخية، ولافتتاني به كجزء من أزيائنا التقليدية القديمة».

مع تراجع استخدام الطربوش في الحياة اليومية، انخفض عدد تلك الورشات، حيث بات شراء الطرابيش الجديدة مقتصراً على السياح، وعلى بعض المطاعم والفنادق القديمة التي تستخدم الطرابيش كجزء من الزينة.

يتجوّل طباخة في داخل منزله الدمشقي المكوّن من طابقين، والمليء بمئات التحف الشرقية القديمة، التي جمعها على مدار سنوات حياته الست والستين. يحفظ مكان وتاريخ كل قطعة عن ظهر قلب، ويستذكر كيف تغيرت الحياة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: «أعي تماماً كمّ التغيرات التي أصابت مجتمعنا السوري في العقود الماضية. أحزن على انهيار العملة وفقدانها لقيمتها، وأشعر بأسف أكبر على عادات اختفت واندثرت معها قيم مجتمعية لم تعد موجودة اليوم». إلى جانب طباخة جلس أحد وجهاء الحي وله من العمر ستة وسبعون عاماً، وهو يرتدي أيضاً زيّه التقليدي الدمشقي، بما فيه الطربوش الأحمر ويحمل بيده مسبحة طويلة صفراء اللون. بعينين لامعتين وصوت أجش تحدث نعيم رمضان لـ»القدس العربي» عن ذكرياته في خمسينيات وستينيات القرن الفائت، التي اعتبرها «من أجمل الأيام في سوريا، حيث كانت تسود قيم المحبة والأخوّة»، وتمنّى فعلاً لو يعود به الزمن لتلك الحقبة، حين كانت سوريا مثالاً يُحتذى به كبلد حضاري.

صناعة الطربوش ستندثر عما قريب

خلال القرن الماضي، كانت ورشات صناعة الطرابيش التقليدية تملأ أحياء دمشق القديمة، وكذلك العديد من المدن السورية، وعلى رأسها حلب شمال البلاد. ويصنع الطربوش الأصلي باستخدام الجوخ النمساوي أو التشيكي، وله إضافات منها الجلدة الداخلية والخيوط السوداء، أو «الشراشيب» التي تتعلق عليه، كما يمكن أن يصنع من مواد أقل جودة مثل الكرتون أو القش المغلّف بالمخمل. وتمر صناعة الطربوش بعدة مراحل، حيث يقص الجوخ أو الكرتون باستخدام قوالب محددة حسب القياس المطلوب، وتوضع له بطانة داخلية ثم تُقص الأطراف الزائدة عن الحاجة بعد أن تجف المواد المستخدمة للصق. وفي النهاية تعلق الطرة أو الشراشيب التي تزين طرف الطربوش وتعتبر جزءاً أساسياً منه.
ومع تراجع استخدام الطربوش في الحياة اليومية، انخفض عدد تلك الورشات، حيث بات شراء الطرابيش الجديدة مقتصراً على السياح، وعلى بعض المطاعم والفنادق القديمة التي تستخدم الطرابيش كجزء من الزينة، خاصة خلال شهر رمضان، وكذلك شركات إنتاج المسلسلات التي تحاكي البيئة السورية القديمة، إضافة لذلك، يستمر رجال الدين وفرق الإنشاد والفرق الفلكلورية بارتداء الطرابيش مع الزي التقليدي الخاص بهم، بذلك، تقلّص عدد الورشات في دمشق قبل الحرب لثلاث أو أربع ورشات فقط تصنع الطرابيش الأصلية. «هي مهنة مهددة حقاً بالانقراض»، يقول عبدالله حلاق وهو من آخر مصنعي الطرابيش الأصلية في دمشق، خلال لقاء مع «القدس العربي» أثناء احتفالية «عيد الطربوش».
وعن أسباب ذلك يشرح الرجل الخمسيني بالقول: «يبلغ سعر الطربوش الأصلي أكثر من مئة ألف ليرة سورية (مئتي دولار). ومع التوقف شبه الكلي لحركة السياحة في البلاد خلال سنوات الحرب، وانخفاض الطلب عليه، ليقتصر على طربوش أو طربوشين كل بضعة أشهر، اضطرت الورشات المصنعة للتوجه لأعمال أخرى، ولم يعد هناك من يرغب بتعلّم هذه الحرفة التي لا تدر أي عائد مادي على الإطلاق».
ويتحسّر حلاق لما آلت إليه حال هذه المهنة ككثير من المهن التقليدية السورية التي طالتها نيران الحرب، فلم يعد هناك من يهتم بإتقانها أو بشراء منتجاتها. «يمكن بسهولة العثور على الطرابيش التجارية في الأسواق، التي لا يتجاوز سعرها بضعة دولارات أمريكية. أما الطرابيش الأصلية فلا مكان لها، وإن لم تلقَ أي دعم رسمي جدّي، فإن صناعتها آيلة للاندثار لا محالة».

نقلا عن القدس العربي

Leave A Reply

Your email address will not be published.