سعي روسي إلى فرض تسوية في سوريا بوساطة إسرائيلية

 

رانيا مصطفى -صحيفة العرب

يتنافس الروس والأميركيون على صداقة نتانياهو، ويراهنون على فوزه في الانتخابات الإسرائيلية التي ستقام بعد يومين. ففلاديمير بوتين ساعد نتانياهو على استعادة رفات الجندي الإسرائيلي باومل، المفقود منذ 1982، وذلك بعد أيام من اعتراف دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل.

وإن بدا مشهد تقديم الهدايا لنتانياهو من الطرفين الأميركي والروسي تنافسا على التقارب من إسرائيل، فإن مصالح الأطراف الثلاثة في سوريا لا تتعارض، بل تلتقي في ملفات عديدة شائكة وعالقة، بانتظار تقارب روسي أميركي، يبدو أنه سيتحقق بمساع إسرائيلية، للحصول على القبول الأميركي، في ما يتعلق بتمرير الحل السياسي الروسي، وفق مسار سوتشي المعلن مطلع 2017، والتخلي عن المسار الأممي المتمثل بمقررات جنيف1، والقرار الأممي 2254.

تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، والذي كان مطلبا إسرائيليا وأميركيا، بات اليوم بجلاء مطلبا روسيا أيضا، في ظل التنافس الروسي – الإيراني على السيطرة على أجنحة النظام العسكرية والسياسية والاقتصادية. فقد تلمّس الإسرائيليون لحظة الغضب الروسي من تقارب النظام مع إيران، بعد زيارة الأسد إلى طهران، وعقْد اتفاقيّات اقتصادية تعطي إيران نفوذا في البحر المتوسط، الأمر الذي استفزّ روسيا، خاصة أن تلك الزيارة قوّضت المساعي الروسية لإعادة النظام السوري إلى الحضن العربي، ثم الاعتراف الأوروبي ببقائه، للحصول على تمويل لإعادة الإعمار.

بعد سيطرة النظام السوري على 60 بالمئة من مساحة سوريا، ومع الانتهاء من القضاء على تنظيم داعش شرق الفرات، والإعلان عن نية أميركية للانسحاب، وإن لم يتّضح مداها الزمني وتفاصيلها، ومع التمسك باتفاق سوتشي بخصوص إدلب، رغم التلكؤ في استكمال بنوده، وانتهاكه من قبل النظام والروس أنفسهم، بعد كل ما سبق، تبدو روسيا عاجزة عن فرض التسوية السياسية التي ارتأتها في مؤتمر سوتشي للحوار الوطني، أي الحل من بوابة تشكيل اللجنة الدستورية، وإعداد دستور يقرّه النظام؛ والسبب هو العراقيل الأميركية المتمثلة بشرط تحجيم إيران في سوريا، وشرط العودة إلى القرارات الدولية، والمضي بالتغيير السياسي، إضافة إلى العقوبات الأميركية على النظام، وعلى من يدعمه.

الحقيقة أن لا مصالح بعيدة المدى لواشنطن في سوريا، ضمن استراتيجيتها بالانسحاب من المنطقة؛ وهي تدخلت، على رأس التحالف الدولي لمحاربة داعش، ولأنها لا تريد أن تنفلت الأمور في المنطقة أكثر. فالنظام دمّر سوريا وقسّمها جغرافيا وديموغرافيا، لمواجهة الثورة الشعبية والبقاء في الحكم، ثم استعان بالاحتلال الروسي، بعد الإيراني، وكل ذلك كان بموافقة أميركية، وتحوّلت سوريا إلى دولة ضعيفة، كما العراق، الأمر الذي يتوافق مع الإرادة الأميركية، لكنّه تحقق دون عناء منها.

التشدد الأميركي تجاه النظام السوري ليس بدوافع إنسانية، بعد ارتكابه المجازر؛ فلو كان الأمر كذلك، لاتخذت واشنطن خطوات جدّية لمنع حصول المقتلة السورية من أصلها، بل كانت الولايات المتحدة راضية عن قمع النظام السوري للثورة الشعبية؛ لكن بعد أن أتم النظام هذه المهمة، تتشدد واشنطن في موقفها منه، للضغط على موسكو التي وضعت كل رهاناتها على بقائه، وحتى يكون للولايات المتحدة رأي حاسم في كيفية ترتيب الوضع السوري، وإن كانت ستنسحب منه في النهاية.

أعلنت إسرائيل، منذ 2011، على لسان مسؤوليها، موقفها المؤيد للنظام السوري ضد الثورة السورية، وتبادل الطرفان تصريحات عن أن “أمن إسرائيل من أمن سوريا”؛ واليوم يقول الإسرائيليون بصراحة إنّهم يدعمون بقاء النظام السوري، الذي أمّن الحدود منذ اتفاق فض الاشتباك في 1974، وحتى اليوم. وبالتالي النظام السوري، رغم ارتباك إعلامه “الممانع”، يرسل عبر الروس رسائل إيجابية لإسرائيل، من قبيل تسليم رفات الجندي الإسرائيلي وأغراضه، وفي 2016 سلّم بوتين نتانياهو الدبابة التي أقلّت الجندي ورفاقه، والتي كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قد أهداها إلى الاتحاد السوفييتي.

إسرائيل مهتمة بالوضع السوري، وزاد قلقها بعد التدخّل إيران وميليشياتها الداعمة للنظام السوري، وبناء قواعد عسكرية لها على كامل الأراضي السوري يمكن أن تهدد أمن إسرائيل، ومؤخرا يجري الحديث عن صواريخ حزب الله عالية الدقة، كل ذلك دفع نتانياهو إلى زيارة موسكو للمرة الثالثة عشرة منذ 2015، وتقوية صداقته مع بوتين، والتنسيق المتبادل في ما يتعلق بحرية الحركة في الأجواء السورية، ومنع النظام من تشغيل منظومتي الدفاع الجوي أس- 300. فيما بادل بوتين نتانياهو الدعم، خاصة المعنوي بخصوص انتخاباته المقبلة؛ كما عبّر بوتين عن استعداده لمناقشة خطة نتانياهو في سوريا، والتي تم الحديث عن نقاشها مع الجانب الأميركي.

وتميل إسرائيل إلى الحلول التفتيتية في سوريا، وقد تدعم، كحلّ وسط، خيارات اللامركزية، باعتبار أن سوريا واقعة تحت هيمنة العديد من مراكز النفوذ الخارجية، وفق رؤية مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، وهو أهم مراكز التفكير في إسرائيل.

اقترح نتانياهو على بوتين صفقة تقوم على التزام إسرائيل بتجنّب القيام بعمليات عسكرية في عمق سوريا مقابل تعهد روسيا بمنع إيران من مواصلة بناء قوة عسكرية هناك.

وضع بوتين كل رهاناته على بقاء النظام السوري، وبعد زيارة نتانياهو الأخيرة إلى موسكو، وما نتج عنها من تبادل إطراءات وأفكار ودعم ومصالح، تبدو روسيا أكثر ثقة في قدرتها على فرض رؤيتها للحل السوري؛ فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيزور روسيا الاثنين المقبل، وقد يحصل تقدم في ملفات إدلب، والمضي في صفقة أس- 400، للضغط على واشنطن في ما يتعلق بالمنطقة الأمنية، وفي 25 أبريل الحالي ستعقد محادثات أستانة 12، والتي تأمل روسيا أن يتم إقرار اللجنة الدستورية فيها.

الموقف الإسرائيلي يتفق مع النظام السوري، الذي يريد البقاء في الحكم بأي ثمن، ويتفق مع الرؤية الروسية للحل السوري، بالإبقاء على نظام الأسد. وهنا قد يحسم الأسد خياراته بالتخلي عن الحليف الإيراني، مقابل حليف إسرائيلي “غير معلن”، عبر الوسيط الروسي، حتى لو ظلت تصريحاته تصفه بالعدو؛ فهو العدوّ – الحليف الأكثر فعالية وأثرا في القرار الأميركي، وفي التقبل الدولي لبقاء النظام السوري، من الحليف الإيراني الذي بات مستفزا لكل الأطراف، بما فيها الطرف العربي.

Leave A Reply

Your email address will not be published.