أن تكون أفريقيّا في روما وروميّا في أفريقيا

يستدعي الفيلم التسجيلي السنغالي “مهاجرون” (60 دقيقة) من إنتاج العام 2018 لمخرجه عبدالله فال مقالا لهيثم الزبيدي نشر في “العرب” بتاريخ 3 فبراير2019، بعنوان “مهاجر ابن مهاجر أم مواطن ابن مهاجر” لعقد مقارنة تفرض نفسها بحثا في تجارب شخصيات الفيلم.

ويشدّد الزبيدي على مسألة التأقلم مع الواقع الجديد، في مسرد تاريخي لتبيان الفارق بين أوضاع الأجيال المهاجرة من العالم العربي، إن كانت الأجيال من الستينات والسبعينات قد اختارت الهجرة الطوعيّة وحسمت أمرها بما تراه مناسبا لها ولجيل الأبناء، فإنّ جيل الثمانينات من المهاجرين العرب شكّل مرحلة فاصلة بين المتأقلمين والنافرين، لتطفو الهجنة في اللغة والسلوك لدى الأبناء بين الشرق والغرب.

ويصل المأزق إلى ذروته مع جيل التسعينات وما بعدها، كما يرى الزبيدي؛ إذ حملت الهجرة الكثير من الإكراه، وتصرّف المهاجرون بواقع أنهم مطرودون من بلدانهم أو مهجّرون، إنّما بغية كل مهاجر أو مهجّر لأي جيل انتسب، كما يقول الكاتب، هي البحث عن حياة تحفظ أمنه وكرامته.

على النقيض من ذلك، تؤكّد تجارب الشخصيات السنغاليّة المهاجرة في الفيلم التسجيلي خسارة الكرامة والأمن، في معرض سؤال المخرج عن ثمن الهجرة، ويشير في بداية فيلمه إلى مشهد عاينه في مطار ديغول في فرنسا حرّك بحثه، وهو رفض شاب سنغالي ترحيله ومقاومته الشرطة، فتساءل: لم لا يريد هذا الشاب العودة إلى موطنه؟

يقول إنّ هناك حوالي مليون مهاجر سنغالي، والكثير منهم وصل بشكل سرّي، على الرغم من أنهم يعيشون في أوروبا منذ سنوات، إلاّ أنه تتمّ مطاردتهم وترحيلهم، ويجول المخرج بعدسته بين فرنسا والسنغال ليتابع أوضاع مهاجرين بقوا في البلد الأوروبي، وآخرين عادوا ليحكوا تجاربهم القاسية في رحلتي الذهاب والإياب.

سنوات من التشرد

حلم مضلل بدد الكرامة والهوية
حلم مضلل بدد الكرامة والهوية

عشر سنوات من التشرّد والتخفّي والخوف من المطاردة والترحيل، يعانيها الكثير من المهاجرين للحصول على أوراق تمنحهم شرعيّة الإقامة والعمل في البلد البديل، غير أنّ باستطاعة المرء أن يؤسّس عملا في وطنه ويطوّر ذاته في زمن مماثل، وهو ليس بالمدّة القصيرة للاستهانة به، مع تسجيل الحفاظ على كرامته في وطنه، كما يعبّر أحد المهاجرين العائدين عن الوهم الذي عاشه، والحلم المضلل بأنه سيحصد ثروة، موضّحا أسباب اندفاعه باتّجاه الهجرة في أنّها لا ترجع إلى فقره؛ فقد اكتشف أنه ليس فقيرا، إنما الفضول هو الذي جرفه نحو المجهول.

لم يعد الحال كما كان في السابق، فالواقع الحالي يختلف بالنسبة إلى الشبّان الذين يرون نماذج ناجحة من مواطنيهم، يعيشون حياة كريمة، سواء من عاد منهم، أم من بقي في بلاد المهجر.

ويحكي موسى، أحد العائدين، عن تجربته الناجحة في صيد السمك، فلديه منزل وقارب وعمل خاص به، وله حياته، إنّما هي حياة منقوصة، يحكي بحرقة، فهو لم يعد كما كان قبل مغادرته، وعودته من هجرة خائبة.

بين جيلي الآباء والأبناء ضاعت الهوية
بين جيلي الآباء والأبناء ضاعت الهوية

يعيش في شبه عزلة، ولا يستطيع الاندماج مع محيطه من جديد، بعد رحيل من رحل من أبناء جيله، وصعود جيل الأبناء، وبعد تغيّرات طرأت على شخصيته، الأمر الذي يحيلنا إلى شقّ آخر من مفاعيل الهجرة، عربيّة كانت أم سنغاليّة، يتحدّد في قضية إشكالية عميقة تُطرح في مقال الزبيدي، كما في الفيلم التسجيلي، ألا وهي قضيّة “الهوية”.

هذه اللفظة-المفهوم وصفها الرّوائي اللبناني-الفرنسي أمين معلوف بأنّها “مضلّلة”، معبّرا عن ارتيابه من الكلمات، فأكثرها شفافية غالبا ما يكون أكثرها خيانة، ولعلّ وصفه لحالته الخاصّة في كتابه “الهويّات القاتلة” ينطبق بعض الشيء، على حالة موسى السنغالي وعلى كل من وسّع فضاءه في اختباره أمكنة مختلفة، فغدا ذا شخصيّة معقّدة ومركّبة تنطوي على تصدّعات منسيّة وتشعّبات مفاجئة تجعل صاحبها يبدو على مفترق بين بلدين ومجموعة تقاليد.

موسى وأمثاله من شخصيات الفيلم، نماذج حيّة تشبه “ليون الأفريقي” وابنه، في رواية أمين معلوف، حيث يقول ليون، في سرد ذاتي، مخاطبا ابنه في الرواية التي تحمل اسمه “لقد كنت في روما ‘ابن الأفريقي’، وسوف تكون في أفريقيا ‘ابن الرومي’”.

جزء من ثلاثيّة

فيلم “المهاجرون” جزء من ثلاثيّة يعمل المخرج عبدالله فال عليها، وإن كان محرّك بحثه مشهد الترحيل القسري في مطار ديغول، فإنّ الشخص المحوري الذي لم يظهر في الفيلم، ودارت الأحداث حوله بالإجمال هو تشاكي، إذ توفّي قبل البدء بتصوير الفيلم، فجاءت وفاته مفعمة بالعواطف والألغاز التي يحاول فال، في فيلمه، فهمها من خلال القصص المشابهة لقصّته. هكذا، جاء التركيز على كاميل ابنة تشاكي المقيمة في فرنسا والتي تبحث عن أخت لها في السنغال، تثيره رؤية المخرج في تسليط الضوء على معاناة جيل الأبناء للمهاجرين في الوطن الأم والوطن البديل.

لا رسالة تعليميّة تطغى على فنية العمل السينمائي، إنّما هي رغبة في تسريب الوعي إلى أبناء الوطن من خلال طرح سؤال عن ثمن الهجرة غير المشروعة على وجه الخصوص في خسارة الكرامة والهوية، وضياع عشر سنوات من عمر المهاجر، وتشتت الأبناء في بلاد المهجر والوطن على حد سواء.

تصور لشخصيات عالقة في دائرة النفي، تعيش في بينيّة سرابيّة: لحظة الحلم الأولى المحمّلة بآمال كبيرة، ولحظة السّقوط والخذلان حيث تنهار كلّ قدرة على الاستمرار.

ثمّة أوجه تشابه بين أوضاع المهاجرين في الفيلم السنغالي ومعطيات الهجرة العربية، حيث يختتم هيثم الزبيدي مقاله بالقول إنّ “ثمة مفترقا لأولادنا خصوصا من ولد منهم في الغرب، في أن يكونوا مهاجرين أبناء مهاجرين أو مواطنين أبناء مهاجرين”.

وفي إشارته إلى أنّ الهجرة حقيقة تاريخية، وأنّ الحركة البشرية القديمة كانت تقوم على الاستقرار النفسي وتأسيس مجتمعات جديدة بقيم مختلفة قد تجمع الأصول والمستجدات، يطرح غير سؤال عمّا إذا كانت أدوات التأسيس تلك ما زالت قائمة في ظلّ ظروف الهجرة في العصر الحديث.

ولعلّ ما جاء من تعريف للهويّة وتحوّلاتها نتيجة الهجرة في كتابات الروائي الهندي- البريطاني سلمان رشدي يضيء مرامي المقال، إذ يعرّف الكاتب الكائن الإنساني بهويّته المكوّنة من ثلاثة عناصر مركزيّة، هي: اللغة، والمكان، والمعايير الاجتماعيّة. عندما يهاجر إلى مكان آخر، يخسر فجأة  هذه العناصر التي تعرّفه، ويُعتبر بحكم الميت، ولكي يستعيد إنسانيته ينبغي له أن يتعلّم لغة مهجره ومعاييره الاجتماعيّة الغريبة عليه.

كما يتناول الغربة، ويلتقط حالة الضّياع الشبيهة بالأحلام التي يمرّ بها المهاجرون، “إذا رغبت أن تولد من جديد، فلا بدّ لك أولا أن تموت”، مقولة من إحدى رواياته تحيل تماما إلى ضرورة التأقلم ومستلزماته.

وحظي فيلم “مهاجرون” بإعجاب جمهور مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته الثامنة التي انعقدت في الفترة الممتدة بين 15 و21 مارس الماضي، حيث شارك في مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة.

نقلا عن صحيفة العرب

Leave A Reply

Your email address will not be published.