كشف جديد عن حضارة سبقت الإنكا بأميركا اللاتينية

فكرت المهدي

حكمت حضارة الإنكا الساحل الغربي لأميركا الجنوبية منذ مئات السنين، سيطرت خلالها على الأراضي الشاسعة الممتدة من كولوميبا إلى تشيلي. وتعرف الإنكا بأنها إمبراطورية غامضة كانت تعتبر أكثر المجتمعات تطورا في الأميركتين قبل وصول كولومبوس.

لكن الدراسات الحديثة كانت قد تمكنت من الكشف عن وجود مجتمع أكثر غموضا من الإنكا كان يقطن منطقة جبال الإنديز. وقد أطلق على تلك الإمبراطورية القديمة التي يلفّها الغموض اسم “تيواناكو”، ويرجح أن عدد سكانها قد بلغ في ذروته ما يقدر بـ10 إلى 20 ألف شخص.

وحديثا أعلن عمل بحثي مشترك بين مركز أكسفورد للآثار البحرية بجامعة أكسفورد، وقسم الأنثروبولوجيا في جامعة ولاية بنسلفانيا، ومعهد الدراسات المتقدمة للثقافة والبيئة في جامعة جنوب فلوريدا، عن اكتشاف جديد يسهم في حل لغز إمبراطورية الشمس الغامضة. عرض الفريق نتائج عمله في ورقة بحثية نشرت في مجلة “بي ناس” التابعة للأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأميركية، بتاريخ 1 أبريل/نيسان 2019.

تيواناكو يسبق الإنكا
وقد قام الفريق بمهمة غوص احترافية في شعاب كوا بالقرب من جزيرة الشمس في بحيرة تيتيكاكا في بوليفيا، وتمكّن الباحثون خلالها من العثور على أدلة مغمورة عن عطايا كانت قد قدمت للآلهة الخارقة للطبيعة أثناء مراسم طقوس دينية ما.

الأمر الذي يكشف النقاب عن وجود دين ما مغرق في القدم في ذلك الجزء من العالم. وقد صرح عالم الأنثروبولوجيا خوسيه كابريلز للموقع الإخباري لجامعة ولاية بنسلفانيا بأنه “غالبًا ما يربط الناس جزيرة الشمس بالإنكا، لأنها كانت مكانًا مهما للحج، ولأنهم تركوا وراءهم العديد من المباني والعروض الاحتفالية في هذه الجزيرة وحولها”. ويضيف “أظهرت أبحاثنا أن شعب حضارة تيواناكو، التي ازدهرت في بحيرة تيتيكاكا في الفترة ما بين 500 و1100م، كان أول شعب يقدم أشياء ذات قيمة للآلهة الدينية في المنطقة”.

احتفالات في بيرو تخليدا لحضارة الإنكا (الجزيرة)

عطايا في طقوس دينية
تعود قصة البحث إلى عام 2013، حيث توجه كابريليس وفريقه إلى بحيرة تيتيكاكا في زيارة بحثية استغرقت 19 يوما، استخدموا فيها آليات التصوير الصوتي (السونار) والتصوير ثلاثي الأبعاد تحت الماء، وذلك لمسح الشعاب المرجانية ورسم خرائط لها. وقد كشف تجريف الرواسب في البحيرة عن محارق بخور على شكل فهود، إضافة إلى وجود آثار من الفحم على تلك العطايا المكتشفة، وعدد من الحلي الذهبية والصدف والأحجار.

ويُعتقد أن الفهد كان رمزا دينيا مهما لتيواناكو، ويشير رسم الوجه بالأشعة على ميداليتين ذهبيتين إلى أن العطايا كانت تقدم بشكل صريح إلى آلهتهم الدينية التي سميت بـ”فيراكوتشا”.

ويرى الباحثون أن هذه المكتشفات المغمورة تحت الماء، التي يرجع تاريخها إلى فترة زمنية ما بين القرنين الثامن والعاشر الميلادي، لم توضع صدفة في البحيرة، بل على العكس يبدو أنها دفنت هناك عن عمد.

قرابين اللاما للآلهة “فيراكوتشا”
يقول كابريليس “يشير وجود المراسي بالقرب من العطايا إلى أن السلطات الحاكمة آنذاك قد أودعت تلك العطايا أثناء طقوس دينية أقيمت على متن القوارب”.

وقد وجد الباحثون أيضا دليلاً على وجود عظام لأسماك وبرمائيات وطيور، ويعتقد الفريق بأنه من المحتمل أن تترسب بشكل طبيعي ضمن هذا النظام البيئي المغمور. إلا أنهم وجدوا عظاما مختلفة عن غيرها تعود إلى أربعة من حيوانات اللاما اليافعة، التي يرجح أنها قُتلت في ذلك المكان أو بالقرب منه، ثم دفنت في البحر كذبيحة في تلك الطقوس الدينية القديمة.

وقد كتب الباحثون في ورقتهم “تعكس الطقوس الدينية في كوا تفاعلا معقدا يقوم به علية القوم في البحيرة. كما أنها تدلل على الاعتقاد بوجود القوى الخارقة آنذاك، حيث تركز الطقوس على إبراز كل من وجه الإله الممثل بالأشعة وآثار الدخان، وقرابين اللاما اليافعة، والبذل الواضح للعطايا”.

ويعتقد الباحثون أن هذه الإيماءات الرمزية تشكّل بمجملها حجر الأساس لمجتمع معقد ناشئ، يرجح أنه كان يتوسع ويسعى إلى التعاون مع مجموعات أخرى في منطقة الأنديز وخارجها. وقد تكون جهود شعب الـ”تيواناكو” قد آتت ثمارها لمدة زمنية قصيرة يرجح أنها امتدت إلى 500 عام، ثم تسلمت بعدها حضارة الإنكا زمام الأمور هناك.

نقلاً عن: الجزيرة

Leave A Reply

Your email address will not be published.