أحمد خالد توفيق.. “العرّاب” الذي ألهم الشباب كيف يقرؤون

علاء مصباح (الجزيرة)

قبل عام من اليوم انتشر خبر وفاة الأديب المصري أحمد خالد توفيق على مواقع التواصل الاجتماعي، مفجرا عاصفة من الحزن والصدمة بين جمهوره الواسع من الشباب، لدرجة أثارت جدلا كبيرا في الإعلام المصري بين من لم يعرفوا أنه حقا بكل هذه الشعبية ومن لم يتابعوه من قبل.

فالأديب الذي توفي عن عمر يناهز السادسة والخمسين من عمره في الثاني من أبريل/نيسان 2018، لم يكن مجرد كاتب تخصّص في تأليف قصص الجيب للشباب، وبدأت قصصه تلقى رواجا كبيرا في مصر والعالم العربي منذ التسعينيات، بل كان مثالا للشباب وأطلق عليه محبّوه لقب “العرّاب”.

وفي الذكرى الأولى لوفاته، تصدر وسم يحمل اسمه مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، حيث نشر محبوه كلماته وصوره، وناقش بعضهم أبرز أفكاره ومواقفه.

جلجل🇵🇱@gilgle14

“وداعاً أيها الغريب.. كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة! عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيراً”
الذكرى الأولى لرحيل العرّاب.. د. أحمد خالد توفيق

مشاهدة تغريدات جلجل🇵🇱 الأخرى

مُغَــــــازِي@KMughazi

لا تزال كلماته الذهبية تعبر عني .. لا تزال تصف دواخلي التي قد أغفل حتى أنا عنها .. لا يزال يأخذ عقلي في رحلات ما وراء الطبيعة رغم فراقه مداد قلمه و سطور أوراقه .. رحم الله د

مشاهدة تغريدات مُغَــــــازِي الأخرى

Hanaa Egiziano@HanaaEgiziano1

الله يرحمك ويغفر لك ويرحم ابويا وكل ميت … حضرتك يا دكتور شخصيه لم ولن يأتي مثلها رحمك الله في كل وقت وكل حين … ورحم امواتنا جميعا

مشاهدة تغريدات Hanaa Egiziano الأخرى

أدب الرعب
عاش توفيق أغلب سنين عمره في مدينة طنطا (شمال القاهرة) مسقط رأسه التي ولد فيها يوم 10 يونيو/حزيران 1962، ولم يفارقها سوى مدة قصيرة عمل فيها في إحدى الدول العربية. تخرج في كلية الطب في جامعة طنطا عام 1985، وعمل بها أستاذا جامعيا وحصل منها على الدكتوراه في طب المناطق الحارة عام 1997.

ورغم محاولاته الأدبية في القصة القصيرة والشعر منذ شبابه، فإن القراء لم يعرفوه إلا كاتبا لقصص الجيب مع نشر أولى قصصه عام 1993.

اختار توفيق أدب الرعب في بداية مسيرته الاحترافية، لأنه كما يقول “شديد الجاذبية، ولأنني كنت أعشقه في طفولتي وصباي، تمنيت أن يكون هناك المزيد منه لذا قررت أن أكتبه بنفسي!”.

كما ظل توفيق مرتبطا بقرائه من جيل الثمانينيات والتسعينيات حتى وفاته، ارتبط القراء كذلك ببطل سلسلة قصصه الشهيرة “ما وراء الطبيعة” الدكتور رفعت إسماعيل أستاذ أمراض الدم، الباحث عن المتاعب والمغامرات والمعتل الصحة دائما والمهتم بالأحداث الخارقة للطبيعة، والذي يحيا وحيدا.

ويرى الكثيرون أن شخصية “رفعت إسماعيل” هي الأقرب إلى شخصية توفيق، بسخريته الدائمة وتشاؤمه الدائم وحبّه للوحدة وابتعاده عن المناسبات الاجتماعية، وكذلك شغفه بالطب وممارسته لمهنة الأستاذ الجامعي.

نقيض البطل
انتمت أغلب شخصيات توفيق إلى مدرسة “نقيض البطل”، أي البطل العادي الذي لا يتميز بمواصفات البطولة المعتادة مثل الوسامة أو القوة البدنية.

ومثل رفعت إسماعيل، كانت شخصية عبير عبد الرحمن بطلة سلسلة الروايات “فانتازيا” من مدرسة “نقيض البطل” نفسها، حيث تأخذنا عبير في رحلات جامحة عبر جهاز حاسوب فريد تدخل به عوالم من خيالها تتنوع بين التاريخ والأدب وتخوض قصصا ومعارك قرأت عنها من قبل.

يحكي توفيق عن اختياره لأبطال عاديين لا يتميزون بصفات خارقة “ببساطة لأنني أريد أن أصدق أن واحدًا مثلي لا يجيد قيادة الطائرات، ولا لعب التايكوندو يمكن أن ينجح، وأريد أن يصدق القارئ هذا الأمر أيضا”.

وفي سلسلة “سافاري” قدم حكايات الطبيب الشاب علاء عبد العظيم الذي يعمل في وحدة طبية دولية اسمها “سافاري” في قلب أفريقيا، يواجه خلال مغامراته المرض محاولا “أن يظل حيا”، وكان علاء هو البطل الوحيد الذي تميز بالوسامة والشجاعة.

تيمات مختلفة
ابتدع العراب طرقا جديدة للسرد في القصة العربية، فقدم الرواية التفاعلية التي تقدم اختيارات لقارئها ليكتب القصة، كما شارك أدباء شباب كتابة قصصهم مثل مجموعته “قوس قزح”، وأبدع في الحكايات المتعددة الرواة، وقدم كتابا شبابا للساحة الأدبية.

كتب أيضا قصصا مصورة وقصصا للمواقع الإلكترونية فقط، كما قدم قصصا مسلسلة في مجلة الشباب. وصدرت مجموعات قصصية لتوفيق ضمت قصص رعب مثل الهول وحظك اليوم والآن نفتح الصندوق وغيرها.

ورغم الانتقادات التى وجهت لتوفيق أنه يستهدف شريحة معينة من القراء تهتم بأدب المغامرات، فإنه بدا راضيا عما يقدمه، ودافع عن نفسه بأنه مثل مدرس الابتدائي، الذي يظل مع تلاميذه ويوجههم لنوع الدراسة اللاحقة ولا يتركهم. ويشرح وجهة نظره قائلا “حاولت في كتاباتي أن أنتقل لشريحة أعلى في مستوى الكتابة، إلى جانب أنني دائما أسعى لفتح سكك جديدة للقراءة”.

ولم يتوقف توفيق عند عوالمه الخاصة، بل قدم للمكتبة العربية عشرات الأعمال المترجمة لأهم الأدباء العالميين في سلسلة “روايات عالمية للجيب”، فترجم للقراء أهم قصص مارك توين وستيفن كينج وإدجار ألان بو وغيرهم، بالإضافة إلى ترجمته رواية “نادي القتال” للكاتب تشاك بولانيك.

من يوتوبيا إلى شآبيب
لعل أشهر ما تركه توفيق من رصيد هو روايته “يوتوبيا” التي يعتز هو شخصيا بها كثيرا وصدرت عام 2008، مقدما لأول مرة رواية كبيرة الحجم، ومقدما جرعة لم يعرفها قراؤه من قبل من الجنس والسياسة.

تتحدث الرواية عن مصر عام 2023، حيث عزل الأغنياء أنفسهم في الساحل الشمالي تحت حراسة جنود الماينز الأميركيين، وحيث ينطلق الفتيان الأثرياء في رحلات لهو لصيد الفقراء خارج أسوار مدينتهم، بينما تفتقر مدن الفقراء لأبسط الخدمات الأساسية، وقد عمت البطالة وتحوّل العمران لخراب، وكأنها نبوءة توفيق الفريدة لمستقبل قاتم لمصر، وهو ما ربطه البعض بالعاصمة الإدارية الجديدة التي يتم تشديدها حاليا ويقولون إنها ستكون عاصمة الأغنياء فقط.

وبعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، قدم توفيق روايته الثانية “السنجة” عام 2012، ثم “إيكاروس” عام 2015، التي فازت بجائزة أفضل كاتب عربي في معرض الشارقة للكتاب، ثم روايته “في ممر الفئران” عام 2016، وآخر رواياته “شآبيب” عام 2018.

السياسة في عالم العراب
من لم يعرف العراب أديبا، عرف من خلال مقالاته الصحفية التي لاقت رواجا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي عقب ثورة يناير، أوضح فيها العراب آراءه المختلفة في الفن والسياسة والأدب والحياة، وجذب جمهورا كبيرا لم يقرأ حكايات رفعت إسماعيل أو عبير عبد الرحمن.

وبينما كانت الرموز تتساقط واحدا تلو الآخر في عهد ما بعد ثورة يناير، ظل العراب الأقرب من كبار الأدباء والمثقفين لجمهوره من الشباب، منتصرا لآرائه الخاصة التي لم تتغير مع تغير الأنظمة السياسية كما حدث لعشرات غيره من المثقفين.

يقول توفيق عن شباب يناير “الكل استغل الشباب وركبوه، قام بثورة عظيمة شجاعة ثم خرج منها ليجد نفسه مسجونا أو متهمًا بأنه رقيع، بينما نعم آخرون بالحكم والقوة، هكذا يفكر 90% من الشباب الذين أعرفهم في الهجرة، وبعضهم يشعر بمرارة قاتلة وبعضهم ازداد لا مبالاة، وأعتقد أن بعضهم صار متطرفًا بعنف، لا أعتقد أن نفسية الشباب ستعود سوية لهذا الجيل على الأقل”.

اتخذ توفيق موقفا جريئا في الذكرى الثالثة لمذبحة فض اعتصام رابعة العدوية، حين قرر الاعتذار عن كتابة مقاله حدادا على ضحايا المذبحة، قائلا “بعد ثلاثة أعوام لم يتم أي تحقيق جاد لمحاسبة من قتلهم، يظل الصمت أفضل وأبلغ”.

جعل الشباب يقرؤون
بأزمة قلبية مفاجئة غيّب الموت العراب بعد صراع لسنوات مع مرض قلبه. وذات يوم كتب “هناك عبارة يقولها ر. ل. شتاين: أريد أن أكتب على قبري جعل الأطفالَ يقرؤون، أما أنا فأريد أن يُكتب على قبري جعل الشباب يقرأ”، وهي الوصية التي حققها قراؤه فعلا وكتبوا على قبره في مدينة طنطا لافتة كبيرة بعنوان “جعل الشباب يقرؤو .

نقلاً عن: الجزيرة

Leave A Reply

Your email address will not be published.