قصص أطباء عرب هبوا لمواجهة وباء كورونا في تركيا

بعضهم أصيب بالفيروس

0 857

عربي21- صلاح الدين كمال

ترصد “عربي21” قصصا ونماذج لأطباء عرب هبوا لمكافحة الفيروس خلال عملهم في المستشفيات التركية، وتقييمهم لهذه التجربة الفريدة من حياتهم المهنية، التي واكبت لأول مرة فيروسا قاتلا وغامضا.

 

وتستضيف تركيا أكثر من 5 ملايين أجنبي من مختلف دول العالم، ودوما تصرح السلطات أن عددا من اللاجئين إليها هم من “الفارين من الظلم الذي يرون في البلاد ملاذا آمنا لهم”.

 

ومن بين اللاجئين في تركيا 3.6 ملايين سوري يخضعون للحماية المؤقتة، ومئات الآلاف من دول مختلفة تشهد بلدانهم صراعات وحروبا وأوضاعا مأساوية.

 

وعلى صعيد كورونا، سجلت تركيا نحو 151 ألفا و615 إصابة، بينهم 4 آلاف و199 وفاة، وتعافي 112 ألفا و895 حالة.

 

الطبيب “الشمّاع”

 

ووفق ما رصدته “عربي21” فإن الأطباء العرب كانوا “جنبا إلى جنب” مع الأطباء الأتراك في مواجهة وباء كورونا المستجد، ومنهم من أصيب وتوفي بالمرض.

 

ففي 16 نيسان/أبريل الماضي، توفي الطبيب السوري محمد الشمّاع، الأخصائي في أمراض الداخلية، نتيجة إصابته بفيروس كورونا الذي كان يعمل على مكافحته.

 

وخضع الشمّاع للمعالجة في أحد مشافي إسطنبول، لـ 15 يوما، إلا أنه توفي لاحقا عقب صراعه مع الفيروس.

أطباء أصيبوا بكورونا

ومن بين الأطباء العرب الذين أصيبوا بفيروس “كورونا” وقابلتهم “عربي21″، الطبيب الأردني خالد عبيد، والذي يقيم في تركيا منذ 10 سنوات، ويعمل حاليا  في تخصص جراحة الكلى والمسالك البولية في جامعة أنقرة بمستشفى ابن سينا.

 

ومع تزايد الحالات المصابة بكورونا في المستشفى، كان “عبيد” ضمن الفريق الطبي العامل بمكافحة المرض مع أطباء آخرين من جنسيات مختلفة، تحت إشراف لجنة خاصة يرأسها أطباء الأمراض المعدية بالمستشفى.

ويوضح أنه بعد أسبوع من عمله في قسم مرضى كورونا، بدأت تظهر عليه أعراض خفيفة من المرض، إلا أن فحوصاته الأولية لكورونا كانت سلبية، ما جعله يصنف هذه الأعراض ضمن “هاجس كان يسود الأطباء خشية الإصابة بالمرض بمجرد ظهور أي أعراض تتصل به”.

وبعد يومين تضاعفت أعراض الإصابة لدى “عبيد” إلى ضيق بالتنفس وآلام في الصدر، ما استوجب معها نقله إلى الطوارئ ثم إدخاله كمريض كورونا في القسم الذي كان يعمل به.

ويقول: “تلقيت رعاية طبية جيدة، كبقية مرضى كورونا، حيث يقدم الأطباء كل ما بوسعهم للتخفيف من آلام المرض، ما جعلني أتعافى خلال 6 أيام”.

 

وغادر “عبيد” قسم مرضى الكورونا ليمكث أسبوعين في الحجر الصحي المنزلي، وبعد انتهاء الأعراض والتأكد من أن فحوصاته لكورونا سلبية، عاد إلى عمله في قسم جراحة الكلى والمسالك البولية، الأسبوع الماضي.

ويصف تجربته بالقول: “كانت صعبة، خصوصا مع الغربة، والسكن وحيدا، ونظرا لأن المرض جديد ويؤدي للوفاة..”.

 

و”لكن بعدما خضت التجربة وبعد اليوم الأول ومع مساعدة الأصدقاء في العمل والحياة، الذين قدموا لي الدعم والمساندة، تجاوزت المرحلة بسلام”.

 

وكذلك أصيب الطبيب الفلسطيني (من قطاع غزة) المتخصص بأمراض الكلى والباطنة، محمود سليم، بعدوى فيروس كورونا، خلال عمله بمستشفى “أتاتورك” الحكومي بولاية زونغولدك، جراء مخالطته لمريض فشل كلوي لم تظهر عليه أعراض مرض كورونا في البداية.

وقال: “بعد ما تم اكتشاف المريض تم فحص جميع المرضى والعاملين في 18 آذار/مارس، وفي أوائل شهر نيسان/أبريل بدأت تظهر علي آلام في العضلات والزكام، وكان هناك التهاب رئوي خفيف، وثبتت إصابتي، وخضعت لبروتوكول العلاج المعتمد في تركيا، وتحسنت بشكل كبير”.

وأشار إلى أنه مع تزايد الحالات تحول المستشفى بشكل كامل لعلاج مرضى كورونا، كان يتوجب على أي متخصص أن يتعامل مع هؤلاء المرضى.

وعن رحلته مع المرض وكذلك مداواة المرضى، يوضح أن تزايد أعداد الإصابات أدى إلى “إرهاق العاملين”، خاصة مع استمرار العمل في الفترات الأولى لساعات مرتدين اللباس الخاص والعيون المغلقة والكمامات.

ومما لا ينساه “سليم” خلال هذه الفترة، أن المرضى كان يميزون بين الأطباء بأصواتهم وعيونهم، نظرا لأنهم متشابهون في لباسهم، والذي لا يكاد تظهر بسببه ملامحهم.

وكانت تعتري “سليم” المخاوف عند المرور بعيادة مرضى كورونا، حيث تزداد فرصة الإصابة بالمرض وهو لا يعلم.

ويشير إلى أن نحو 11 طبيبا عربيا في تركيا أصيبوا وتعافوا من المرض. ولم يتسن لـ”عربي21″ التأكد من صحة الرقم من الجهات الرسمية.

آثار اجتماعية

من جانبه، يلمح الطبيب السوري حمزة الجواش، والذي عمل في قسم الإسعاف والطوارئ بمستشفى سليمان القانوني بإسطنبول، إلى أن المخاطر التي رافقت عمله مع مرضى كورونا انتقلت لتؤثر على العلاقات الاجتماعية.

وقال: “أكبر المخاوف التي كانت تسيطر علي هي أثناء عودتي للبيت، كنت أخشى أن أنقل العدوى إلى أهلي وأنا لا أدري”.

وتخرج الجواش من كلية طب جراح باشا في جامعة إسطنبول العام الماضي، حيث استأنف دراسته العلمية بأروقة الجامعة، بعدما اضطر لمغادرة سوريا خلال سنة تخرجه من كلية الطب عام 2012، مدفوعا بالخوف من الاعتقال من قبل النظام، بالتزامن مع اندلاع الثورة السورية.

 

 

أما الطبيب الفلسطيني (من مدينة طولكرم)، أسامة أبو زينة، ونظرا لتخصصه في أمراض الرئة والالتهاب التنفسي، كان من أوائل المجابهين لفيروس كورونا في تركيا.

ويقول: “نحن موجودون في تركيا، ونعمل هنا، وهذا جزء من واجبنا، أن نواجه هذا الفيروس، إلى جانب الأطباء الأتراك”.

 

ومنذ بداية الإعلان عن المرض في الصين، أخذ أبو زينة بمتابعة التقارير الطبية القادمة من هناك، من أجل التعرف على المرض الجديد، ويقول: “كان هناك تخوف من المرض، نظرا لارتفاع نسبة الوفيات وسرعة الإصابة به”.

وصاحب ذلك “تساؤلات مرهقة”، بالنسبة للطبيب أبو زينة، حول إمكانية إصابته بالمرض أو نقله إلى ذويه.

وأدت مخاوف نقل المرض بأبو زينة إلى أن يقرر مع زوجته (التي تعمل طبيبة في المدينة الطبية بأنقرة)، أن يقررا مفارقة ابنتهما التي تبلغ من العمر سنة ونصف، ويضعانها مع جدتها في منزل منفصل عنهما.

وعن ذلك يقول: “مرت أيام ولم نكن نر ابنتنا وجدتها إلا عن طريق الشباك والتليفون، كانت فترة مزعجة”.

ونبه إلى أن تزايد الحالات المصابة بالفيروس، قادهما إلى “التعود وقلل الخوف لديهما من المرض المجهول”، خاصة مع تعافي معظم الحالات المصابة، ما جعله وزوجته يخففان من الانعزال عن ابنتهما.

ويوضح أن الحالات المتزايدة استدعت مشاركة كافة العاملين في المجال الصحي من كافة التخصصات الطبية للتعامل مع المرضى، وذلك في مكان عمله بمستشفى “ليف” بأنقرة.

خطة محكمة

وعن تجربته في التعامل مع فيروس كورونا بمستشفى “ميدسن” بإسطنبول يقول الطبيب الفلسطيني أحمد القهوجي: “فجأة تحولت المستشفى التي أعمل بها إلى مستشفى يتعامل مع الوباء”، في إشارة إلى تزايد الحالات بالمدينة.

 

وقال: “تم استدعائي من قسم العاجل إلى اجتماع اللجنة الطبية وتم توزيع المهام، في الحقيقة كان كل شيء منظما ومرسوما ضمن خطة عمل جيدة، حيث تم تقسيم المستشفى إلى أربعة مستويات لعلاج المرضى مقسمة إلى (فرز الحالات، إجراء الفحوصات، وأقسام مبيت المرضى، وأقسام العناية المركزة للحالات الحرجة)”.

ويوضح أن المستشفيات التركية التزمت في العلاج ببروتوكول وزارة الصحة التركية والذي يصدر عن اللجنة العلمية في الوزارة.

وعمل الطبيب القهوجي في المستوى الثالث، وأعرب أن التجربة الجديدة صاحبها “قلق كبير من التعامل مع مرض لا يملك الكثير من المعلومات عنه، وأنه اعتمد على الأخبار والمعلومات القادمة من الدول الأخرى بما فيها من مبالغات أو حقائق منقوصة”.

وتابع: “سرعان ما اختفت الرهبة واندمجت في العمل، وأصبحت أزاول عملي في القسم بأريحية أكثر”.

وكون القهوجي الطبيب الوحيد العربي في مستشفى “ميدسين”، طُلب منه متابعة المرضى العرب المصابين بالمرض بالإضافة للمرضى الأتراك الذين تابعهم في قسمه، والذي ضم نحو 35 مريضا.

ويقول: “كان العمل مرهقا ومتعبا جسديا وعقليا بصورة لم أتوقعها”.

 

ويوضح أن “المناعة الذاتية” كانت أهم “سلاح” لمقاومة المرض، لذلك كان يجب علينا تقويتها لدى المرضى بتوفير الراحة النفسية لهم مع التغذية السليمة المتوازنة والحصول على أوقات كافية من الراحة.

ويتحدث، شاعرا بالرضا والراحة: “تابعت مع يقارب 15 مريضا عربيا، كلهم خرجوا من المستشفى بسلام..”.

ويقول: “تلقيت من مرضاي رسائل الشكر والتقدير والتي وصلت إلى عائلتي في غزة، والذين كنت أخفي عنهم طبيعة عملي، حتى لا يجتمع عليهم قلق الغربة والمرض”.

ويحكي عن فترة علاجه لطبيب فلسطيني أصيب بالفيروس ومكث 18 يوما بالقسم وهو بحالة صعبة، قائلا: “كنا نتبادل أطراف الحديث في الكثير من المواضيع كالوطن والغربة والتخصص الطبي والأوضاع في غزة وحال الأطباء والناس هناك، ربما كنت أسعى للتخفيف عنه أو للتخفيف عن نفسي”.

 

ويُجمع الأطباء الذين قابلتهم “عربي21” على أنهم لم يواجهوا أي نقص في العلاجات والمعدات الطبية اللازمة لمكافحة فيروس كورونا.

 

وبمناسبة الحديث عن الأطباء العرب في تركيا، توجه صحيفة “عربي21” التحية لكافة الطواقم والكوادر الطبية في أنحاء العالم، خاصة أولئك العاملين على علاج فيروس كورونا.

 

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.