حياة أشبه الموت “عودة اللاجئين السوريين من لبنان والأردن”

0 133

أكتوبر/تشرين الأول 20, 2021  بيان صحفي

سوريا: اللاجئون العائدون يواجهون انتهاكات جسيمة

سوريا بلد الموت، بلد الاختطاف. كل من يعود إليها سيخسر أمواله أو حياته.

– سلام (26 عاما)، من الجيزة، درعا

واجه اللاجئون السوريون الذين عادوا من لبنان والأردن بشكل طوعي بين 2017 و2021 انتهاكات حقوقية جسيمة واضطهادا من الحكومة السورية والميليشيات التابعة لها، مثل التعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، والاختفاء القسري. أغلب من قابلتهم “هيومن رايتس ووتش” ناضلوا أيضا من أجل البقاء على قيد الحياة والحصول على احتياجاتهم الأساسية في بلد أنهكه النزاع والدمار الواسع.

بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية، أصبح السوريون يُشكلون أكبر عدد من اللاجئين في العالم، حيث ينتشرون في أكثر من 127 دولة، ويوجد العدد الأكبر منهم في تركيا، بينما يستضيف لبنان والأردن أعلى نسبة لاجئين مقارنة بعدد السكان. استقبل لبنان والأردن اللاجئين في البداية بحدود مفتوحة لتسهيل تدفق أعداد كبيرة منهم، لكن مع تزايد الأعداد، تبنى لبنان مجموعة من الاجراءات القسرية والمسيئة، شملت حظر التجول التمييزي، وعمليات الإخلاء، والاعتقال، وغيرها من القيود القانونية المفروضة على الإقامة، والحصول على عمل، والتعليم. في خضمّ الانهيار الاقتصادي الكارثي في لبنان، الذي تفاقم بسبب جائحة “كورونا”، صار أكثر من 90⁒ من اللاجئين السوريين يعيشون في فقر مدقع، ويعتمدون على الاقتراض والديون المتزايدة للبقاء على قيد الحياة. أما في الأردن، فـ 2⁒ فقط من أسر اللاجئين تستطيع تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية. رغم هذه الأرقام الصارخة، لا تزال نداءات المساعدة الإنسانية تواجه نقصا حادا في التمويل في كل أنحاء المنطقة. في 2020، تمّ توفير 52⁒ فقط من المبلغ الذي طلبته وكالات “الأمم المتحدة” في أهم خمس دول مستضيفة للاجئين، وهي تركيا، ولبنان، والأردن، والعراق، ومصر. حصل لبنان على 57⁒ والأردن على 47⁒ فقط من التمويل المطلوب في 2020.

رغم تزايد مستويات الضعف في لبنان والأردن، لم تشهد أعداد اللاجئين العائدين إلى سوريا بشكل طوعي ارتفاعا كبيرا. لا تزال السلامة والأمن في سوريا في طليعة المخاوف بالنسبة إلى اللاجئين عند اتخاذ قرار العودة إلى ديارهم. وحتى الذين يقررون العودة هم غالبا يفعلون ذلك تحت ضغط شديد. في لبنان، تستمر الحكومة في اتباع سياسات تهدف إلى إجبار اللاجئين السوريين على المغادرة، في وقت صار فيه من الصعب جدا على اللاجئين توفير معظم الضرورات الأساسية بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة والتضخم الكبير. في الأردن، تسبب الانكماش الاقتصادي وتدابير الإغلاق الصارمة في تقويض سُبل عيش آلاف اللاجئين السوريين. اللاجئون الذين يقررون العودة إلى سوريا، ليس لديهم في الغالب سوى معلومات محدودة عن الأوضاع داخل البلاد.

Click to expand Image

تحصل الإعادة القسرية – عودة اللاجئين إلى أماكن تكون فيها حياتهم وسلامتهم الجسدية وحريتهم مهددة – ليس فقط عندما يتم رفض أو طرد لاجئ بشكل مباشر، وإنما أيضا عندما يكون الضغط غير المباشر شديدا لدرجة أنه يدفع الناس إلى الاعتقاد بعدم وجود أي بدائل أخرى غير العودة إلى بلد يواجهون فيه خطرا كبيرا بالتعرض إلى الأذى.

رغم أن بعض أجزاء سوريا لم تشهد أي أعمال عدائية منذ 2018، إلا أن سوريا مازالت بلدا غير آمن. تؤكد وكالة الأمم المتحدة المعنية بتوفير الحماية الدولية والمساعدات الإنسانية للاجئين – “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” (مفوضية اللاجئين) – أن سوريا بلد غير آمن، وأنها لن تُسهّل عمليات العودة الجماعية إليه في غياب شروط الحماية الأساسية. لكنها ذكرت أنها ستساعد اللاجئين الأفراد الذين يقررون العودة طواعية. ذكّر قرار برلماني صادر عن “الاتحاد الأوروبي” في مارس/آذار 2021 الدول الأعضاء بأنّ سوريا ليست آمنة لعودة اللاجئين.

هذا التقرير الذي يستند إلى 65 مقابلة مع لاجئين سوريين عادوا إلى بلادهم من الأردن ولبنان، أو مع أقارب لهم، يبيّن لماذا سوريا غير آمنة للعودة، ويوثق الانتهاكات الخطيرة والواقع الاقتصادي القاسي الذي يواجهونه عند العودة، ويشرح لماذا بعضهم يقرّر العودة رغم هذه الصعوبات. وجد التقرير أنّ العائدين يواجهون الكثير من الانتهاكات نفسها التي دفعتهم إلى الفرار من سوريا، ومنها الاضطهاد والاعتداءات، مثل الاعتقال التعسفي، والاحتجاز غير القانوني، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القضاء، والاختطاف، وتفشي الرشوة والابتزاز على يد أجهزة الأمن السورية والميليشيات التابعة للحكومة. يبحث التقرير أيضا في الممارسات التي تُسمى “التدقيق الأمني” و”اتفاقات المصالحة” – التي كثيرا ما تستخدمها الحكومة السورية للتدقيق في شؤون العائدين والأشخاص الذين يعبرون نقاط التفتيش في سوريا – ويبيّن كيف أن هاتين العمليتين لا تحميان الأفراد من استهداف أجهزة الأمن الحكومية. كما ينظر التقرير في انتهاكات حقوق الملكية وغيرها من الصعوبات الاقتصادية التي جعلت العودة الدائمة مستحيلة بالنسبة للكثيرين.

اللاجئون الذين عادوا ولم يواجهوا تهديدات لحياتهم أو سلامتهم الجسدية يعيشون في خوف من استهداف الحكومة للمدنيين الذين تعتقد أنهم ينتمون إلى المعارضة، أو هم يتعاطفون معها، أو أعربوا عن معارضتهم لها [للحكومة]. أكدت مقابلات هيومن رايتس ووتش مع اللاجئين العائدين الفكرة التي عبّر عنها خبير بارز في شؤون سوريا بأن “كل من يعود تقريبا سيتعرض إلى شكل من أشكال الاستجواب، سواء أثناء تناول كوب شاي مع الأجهزة الأمنية أو أثناء جلسة تعذيب كاملة، فهم يريدون معرفة الأسباب التي دفعت الناس إلى المغادرة”. تشير تقديرات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إلى أنّ حوالي 150 ألف شخص تعرضوا إلى الاعتقال التعسفي والاحتجاز، وحوالي 15 ألفا لقوا حتفهم بسبب التعذيب بين مارس/آذار 2011 ومارس/آذار 2021، أغلبهم على يد قوات الحكومة السورية.

كما تعرّض الاقتصاد والبنية التحتية في سوريا إلى الدمار بسبب عشر سنوات من النزاع والعقوبات. يقدّر “البنك الدولي” تراجع الاقتصاد السوري بأكثر من 60⁒ منذ 2010. انهارت الليرة السورية، حيث كان يتم تداولها في أكتوبر/تشرين الأول 2021 بـ 3,460 ليرة للدولار الواحد،[1] مقارنة بـ 50 ليرة للدولار الواحد قبل الحرب، مما أدى إلى ارتفاع معدّل التضخم في سعر المواد الاستهلاكية بنسبة 6,820⁒. بحسب “برنامج الأغذية العالمي”، 12.4 مليون سوري على الأقل كانوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي حتى فبراير/شباط 2021، بزيادة مقلقة قدّرت بـ3.1 مليون في عام واحد. تقدّر “منظمة الصحة العالمية” أيضا أن أكثر من نصف السكان في حاجة ماسة إلى مساعدات صحية، وأنّ نصف مليون طفل يعانون من سوء التغذية. أما الأشخاص ذوو الإعاقة – عادة ما يشكلون 25⁒ من سكان البلاد – فصاروا أكثر عرضة للفقر. أغلب العائدين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش واجهوا صعوبات اقتصادية شديدة، ولم يتمكنوا من تحمل تكلفة المواد الغذائية الأساسية بسبب تضخم الليرة السورية وانعدام فرص كسب الرزق على نطاق واسع. أغلبهم أيضا وجدوا منازلهم مدمرة كليا أو جزئيا، ولم يتمكنوا من تحمّل تكاليف تجديدها. لم تقدّم لهم الحكومة السورية أي مساعدات لترميم منازلهم.

رغم هذه الانتهاكات المستمرة والأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتردية في سوريا، تواصل دول من المنطقة وخارجها الترويج لسردية عمليات العودة بعد النزاع. ارتكبت الدنمارك سابقة خطيرة من داخل الاتحاد الأوروبي من خلال إلغاء وضع “الحماية المؤقتة” للأشخاص القادمين من دمشق أو ريف دمشق. حرمت الدنمارك هؤلاء الأشخاص من الحماية المؤقتة، وبالتالي من حقهم في الإقامة بشكل قانوني هناك، وأجبرتهم على العيش في مراكز العودة أو الرجوع إلى سوريا “طوعا”.

في لبنان، اتبعت السلطات سياسات عودة عدوانية، حيث عمدت إلى إصدار مراسيم وتشريعات جديدة بشكل منتظم لجعل حياة اللاجئين السوريين صعبة، والضغط عليهم ليغادروا. أجبرت السلطات اللاجئين السوريين على تفكيك مساكنهم الخرسانية، وفرضت عليهم حظر تجول، وطردتهم من بعض البلديات، وعرقلت تجديد تصاريح إقامتهم، ورحّلت بإجراءات موجزة اللاجئين الذي تعتبر أنهم دخلوا لبنان بطريقة غير شرعية بعد أبريل/نيسان 2019.

رغم أنّ الأردن لم يدفع بشكل علني في اتجاه عمليات ترحيل منظمة على نطاق واسع، إلا أنه نفذ على مدى سنوات من النزوح المتزايد سياسات من قبيل الترحيل بإجراءات موجزة، والحرمان من التوظيف في قطاعات عمل واسعة. ومع أن الأردن لا يفرض حظرا رسميا على دخول اللاجئين السوريين مجددا إليه، إلا أن اللاجئين قالوا بالإجماع لـ هيومن رايتس ووتش إن حرس الحدود الأردنيين أعلموهم أنهم لا يستطيعون العودة إلى الأردن مجددا لمدة تراوحت بين ثلاث وخمس سنوات. هذا الأمر يحرم العائدين من حق التماس اللجوء إذا ما واجهوا الاضطهاد مجددا في سوريا.

توصي هيومن رايتس ووتش بالوقف الفوري لجميع عمليات الإعادة القسرية للسوريين والفلسطينيين المقيمين بشكل اعتيادي في سوريا من جميع البلدان إلى جميع المناطق السورية. رغم أنّ الأدلة تشير إلى أنّ الأعمال العدائية التي كانت منتشرة على نطاق واسع ومستمرة ربما تراجعت في السنوات الأخيرة، إلا أنّ الوضع لا يزال متقلبا، وفترات الاستقرار النسبي لا تٌلبّي الشروط الأساسية لعودة آمنة وكريمة ودائمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحكومة التي ارتكبت جرائم ضدّ الإنسانية، واضطهدت من عارضها، وتسببت في هروب الملايين، هي نفسها مازالت في السلطة. تستمر الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، وكثيرا ما يواجه اللاجئون الذين يعودون نفس الاضطهاد الذي أجبرهم على الفرار.

في غياب شبكات المعلومات الموثوقة التي يستطيع اللاجئون السوريون بالاستناد إليها اتخاذ قرارات عودة مستنيرة، ومع عدم تمتع وكالات الإغاثة الإنسانية بالوصول الكافي، وبالتالي عدم قدرتها على مراقبة العودة الطوعية وإعادة الاندماج في سوريا، تدعو هيومن رايتس ووتش كل الدول المستضيفة للاجئين السوريين إلى تبني الموقف الذي يعتبر سوريا غير آمنة للعودة. يتعين على الحكومات الدولية المانحة استخدام نفوذها في مواجهة الممارسات مثل الترحيل بإجراءات موجزة، والعودة القسرية إلى سوريا، والتي ترقى إلى خرق التزامات عدم الإعادة القسرية.

يتعين على الحكومات الدولية المانحة أيضا المساعدة في تبني هذا الموقف، وتمويل برامج المساعدات الإنسانية بشكل كامل، وخاصة داخل لبنان والأردن ودول الجوار الأخرى.

من جهتهما، يتعين على لبنان والأردن رفع جميع القيود المفروضة على دخول اللاجئين السوريين مجددا إلى أراضيهما في حال لم يتمكنوا من الاستقرار في سوريا أو لم يحظوا بحماية الحكومة السورية. على لبنان إلغاء قرار “المجلس الأعلى للدفاع” الصادر في مايو/أيار 2019 والذي نصّ على الترحيل الفوري لجميع اللاجئين السوريين الذين دخلوا البلاد مجددا بطريقة غير نظامية بعد أبريل/نيسان 2019. على الأردن الكف عن فرض منع دخول اللاجئين السوريين مجددا بشكل تعسفي، وتوضيح أنه يمكنهم العودة إلى الأردن، وكيفية القيام بذلك. يتعين على الدنمارك إلغاء قراره برفع الحماية المؤقتة عن اللاجئين القادمين من دمشق وريف دمشق، وعلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عدم سنّ تشريعات مماثلة.

 

لمزيد من المحتوى

أكتوبر/تشرين الأول 20, 2021  بيان صحفي

سوريا: اللاجئون العائدون يواجهون انتهاكات جسيمة

معاناة للبقاء على قيد الحياة وسط الخراب وتدمير الممتلكات

منهجية التقرير

يستند هذا التقرير إلى مقابلات مع 30 لاجئا سوريا عادوا من الأردن إلى سوريا، و24 آخرين عادوا من لبنان، بين 2017 و2021. كما أجريت مقابلات مع تسعة أقارب للاجئين سوريين عادوا إلى بلادهم في نفس الفترة، اثنان منهم كانا يعيشان في لبنان، وسبعة في الأردن. إضافة إلى ذلك، أجريت مقابلتان مع لاجئين يخططون للعودة من الأردن إلى سوريا. 27 ممن أجريت معهم مقابلات كانوا نساء. جميع المقابلات تمت بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2021.

أجرت هيومن رايتس ووتش المقابلات مع اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا عبر الهاتف، والمقابلات مع اللاجئين العائدين من لبنان إلى سوريا، وعادوا بعدها إلى لبنان، عبر الهاتف أو بشكل مباشر بعد عودتهم إلى لبنان. المناطق السورية التي عاد إليها اللاجؤون تشمل دمشق وريف دمشق، بما في ذلك الغوطة الشرقية، وحماه، ومحافظة درعا، ومدينة حمص.

قابلت هيومن رايتس ووتش أيضا ثلاثة محامين من سوريا، والأردن، ولبنان، وأربعة باحثين وخبراء في الشأن السوري، وكذلك منظمات غير حكومية، ووكالات أممية وإنسانية في الأردن ولبنان.

أجريت المقابلات في أماكن خاصة، إما على انفراد أو بحضور أفراد من العائلة، مع ضمان السريّة. أعلمت الباحثة جميع من قابلتهم بالهدف من المقابلات وطبيعتها الطوعية، وبالكيفية التي ستستخدم بها هيومن رايتس ووتش المعلومات. كما أعلمتهم جميعا بأنه يمكنهم رفض الإجابة عن أي أسئلة وإنهاء المقابلة متى يشاؤون، وأنهم لن يتلقوا أي أجر أو خدمات أو منافع شخصية أخرى لقاء المقابلات. جميع المقابلات التي أجريت مع لاجئين من داخل سوريا تمت في درعا. تمت تغطية تكاليف التنقل من داخل درعا إلى مكان آمن لإجراء المقابلات بحدّ أقصى قدره عشرة دولارات. استعانت الباحثة بمترجم فوريّ للغة العربية.

راجعت هيومن رايتس ووتش أيضا تقارير متعلقة بعودة اللاجئين السوريين، وحلّلت القوانين والمراسيم والأنظمة ومذكرات التفاهم الوطنية والدولية ذات الصلة.

لضمان السرية، استُخدِمت أسماء مستعارة لجميع السوريين الذين أجريت معهم مقابلات.

راسلت هيومن رايتس ووتش “المديرية العامة للأمن العام” اللبنانية، ووزارات الداخلية والتخطيط والخارجية الأردنية، ووزارة الخارجية السورية ووزارة الداخلية السورية.

ردت المديرية العامة للأمن العام اللبنانية على رسالة هيومن رايتس ووتش في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وتمت إضافة هذه الرسالة في الملحق 1 في نهاية هذا التقرير.

 

 

الخلفية

النزاع السوري

الانتفاضة السلمية التي انطلقت في 2011 ضدّ الحكومة في سوريا، ذات السجل السيء في مجال حقوق الإنسان، تحوّلت بعد ذلك إلى نزاع مسلّح. وعلى امتداد العقد التالي، تسبب هذا النزاع في مقتل مئات آلاف الأشخاص وتهجير ملايين الآخرين. ارتكبت أطراف النزاع السوري، لا سيما الحكومة السورية، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي – تراوحت بين الاعتقال التعسفي، والتعذيب، ومصادرة الأملاك، والغارات العشوائية، واستخدام الأسلحة المحظورة. حصلت بعض هذه الانتهاكات كجزء من هجمات واسعة ومنهجية على السكان المدنيين، وبالتالي شكلت جرائم ضدّ الإنسانية.[2]

في 2018، تغيّر مشهد النزاع جذريا، حيث استعادت الحكومة السورية، بدعم من حليفها الروسي، سيطرتها على أغلب الأراضي التي كانت خاضعة للجماعات المسلّحة المناهضة للحكومة. عبر استخدام تكتيكات بلغت في بعض الأحيان مستوى جرائم الحرب، والعديد منها بلغت مستوى الجرائم ضدّ الإنسانية، عزّز التحالف العسكري السوري-الروسي سيطرة الحكومة في معظم المناطق من خلال ما يُسمى باتفاقات “المصالحة” المحليّة، التي تسببت في إجلاء جماعي للمدنيين، وكذلك أعضاء الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة.[3]

عند كتابة هذا التقرير، بقيت فقط أجزاء في شمال شرق وشمال غرب سوريا تحت سيطرة أطراف غير حكومية.

رغم التراجع الكبير في الأعمال العدائية، مازال المدنيون السوريون يواجهون مجموعة من التحديات. تواصل الحكومة السورية انتهاك حقوق مواطنيها بينما دمّرت الأعمال العدائية معظم البُنى التحتية للبلاد، بما في ذلك التدمير الجزئي أو الكلّي لثلثي المرافق الطبية والتعليمية، و27⁒ من مساكن البلاد، وفقا لدراسة لـ”البنك الدولي” في 2017 شملت ثماني محافظات.[4]

دخل الاقتصاد السوري مرحلة من السقوط الحر في معظم 2020، مع انخفاض غير مسبوق للعملة الوطنية، وفرض مزيد من العقوبات الدولية، وأزمات دول الجوار، وبخاصة لبنان، حيث كانت الشركات السورية تعتمد على المصارف اللبنانية، لكن لم يعد بوسعها ذلك منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019، لما فرضت هذه المصارف ضوابط على رأس المال أثناء الأزمة الاقتصادية اللبنانية.[5] بالنسبة إلى عامة السوريين، تُرجم ذلك إلى عجز عن شراء الغذاء، والأدوية الأساسية، وغيرها من الضروريات الحيوية. حتى كتابة هذا التقرير، وبحسب “برنامج الأغذية العالمي”، فإن أكثر من 12.4 مليون سوري صاروا يواجهون انعدام الأمن الغذائي، وأكثر من 80⁒ من السوريين يعيشون تحت خطّ الفقر.[6]

أزمة اللاجئين السوريين

بعد حرب أهلية استمرت عقدا من الزمن، مازال اللاجئون السوريون يشكلون أكبر عدد من اللاجئين في العالم وفقا لمفوضية شؤون اللاجئين،[7] حيث يصلون إلى حوالي 25⁒ من مجموع اللاجئين عالميا. طلب اللاجئون السوريون اللجوء في 217 دولة، لكن الدول المجاورة لسوريا مازالت تستضيف أغلبهم، فهم منتشرون في تركيا، ولبنان، والأردن، والعراق، ومصر.[8] تستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين السوريين، لكن لبنان والأردن فيهما أكبر نسبة لاجئين مقارنة بعدد السكان على المستوى العالمي. بحسب أرقام حديثة لمفوضية اللاجئين، يستضيف لبنان حوالي 900 ألف لاجئ سوري، وتقدّر الحكومة أن 500 ألف آخرين يعيشون في البلاد بشكل غير رسمي.[9] يستضيف الأردن أكثر من 650 ألف لاجئ سوري مسجّل.[10] رحّب كلا البلدين في البداية باللاجئين السوريين، واعتمدا بشكل أساسي سياسة الحدود المفتوحة (باستثناء اللاجئين الفلسطينيين الهاربين من سوريا) من 2011 إلى 2014. لكن بعد ذلك، تبنى كلا البلدين بشكل تدريجي سياسات أكثر تقييدا.[11]

لبنان

التركيبة الطائفية للدولة اللبنانية والحساسية المرتبطة بالتوازنات الديمغرافية الطائفية، وتحالفات بعض الأحزاب السياسية اللبنانية مع السلطات السورية، ومعاملة السلطات اللبنانية التمييزية المستمرة للاجئين الفلسطينيين كلها عوامل أثرت على نظرة السلطات اللبنانية للاجئين السوريين ومعاملتهم. يستضيف لبنان بالفعل مجموعة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، يتراوح عددهم بين 174 ألفا (بحسب “لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني”) و480 ألفا (بحسب مفوضية شؤون اللاجئين/”الأنروا”)، يعيشون في لبنان منذ أكثر من 70 عاما، ويواجهون قيودا تؤثر على حقوقهم الأساسية.[12] يُعامل لبنان اللاجئين السوريين كـ”ضيوف”، مما يحرمهم كثيرا من الحق في الإقامة القانونية ويقيّد بشدّة حصولهم على عمل.[13] يكافح اللاجئون السوريون للحصول على مستوى جيّد من التعليم والرعاية الصحية، وغالبا ما يعيشون في مساكن غير آمنة وغير رسمية وغير متصلة بشبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي الأساسية. لم يسمح لبنان بفتح مخيمات لاجئين رسمية في البلاد.[14] وفقا لنتائج آخر تقرير “تقييم لجوانب الضعف لدى اللاجئين السوريين في لبنان” لسنة 2020، 20⁒ فقط من اللاجئين السوريين لديهم إقامة قانونية، مما يجعل غالبية اللاجئين عرضة للمضايقة والاعتقال والاحتجاز، لا سيما في نقاط التفتيش.[15]

يرفض لبنان الاعتراف بالسوريين كلاجئين، ويستخدم كلمات عامة، مثل “النازحين” بدلا من “اللاجئين”. ولبنان ليس طرفا في “اتفاقية اللاجئين” لعام 1951 ولا يتبنى سياسة موحدة أو مركزية تجاه اللاجئين السوريين، ولذلك تتمتع البلديات والسلطات المحلية بحريّة اعتماد سياسات واستراتيجيات مختلفة. بالمحصّلة، صارت توجد مجموعة من اللوائح القسرية والممارسات الخاصة التي صُمّمت لضمان عدم اندماج اللاجئين السوريين، ودفعهم إلى الاعتقاد بأنه ليس أمامهم أي خيار سوى العودة إلى سوريا. هذه المقاربة القسرية اشتدت في السنوات الأخيرة، واشتد معها خطاب قادة الحكومة والشخصيات السياسية بشأن العودة.[16]

يتعرّض اللاجئون إلى مداهمات تعسفية، وقرارات حظر تجول خاصة، ونقاط تفتيش تنطبق عليهم فقط، والاعتقال والاحتجاز لعدم حيازة إقامة قانونية.[17] في أبريل/نيسان 2018، وثقت هيومن رايتس ووتش كيف عمدت بعض البلديات إلى إجلاء آلاف اللاجئين السوريين من منازلهم قسرا، وطردتهم من مناطقها.[18]

في مايو/أيار 2019، اعتمد المجلس الأعلى للدفاع، أعلى هيئة تنسيق أمني في لبنان، سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى زيادة الضغط على اللاجئين السوريين من أجل العودة، منها الهدم القسري لمنازل اللاجئين، وقمع السوريين الذين يعملون دون تصاريح.[19] في صيف 2019، أجبر الجيش اللبناني اللاجئين السوريين الذين يعيشون في مساكن شبه دائمة على أراض زراعية على تفكيك الجدران الخرسانية والسقوف الصلبة لمساكنهم واستبدالها بمواد أقل صلابة، أو مواجهة هدمها.[20] هذا التفكيك القسري قلّص كثيرا من قدرة المساكن على تحمل الظروف المناخية القاسية، لا سيما في منطقة عرسال، حيث يكون الشتاء والصيف شديدين.

استجابة لبنان لجائحة كورونا عرّضت أيضا اللاجئين للخطر. في أبريل/نيسان 2020، وجدت هيومن رايتس ووتش أن 21 بلدية لبنانية على الأقل قد فرضت قيودا تمييزية على اللاجئين السوريين، لم تُطبقها على المواطنين اللبنانيين، في إطار جهودها الرامية للسيطرة على تفشي الوباء، ما تسبب في انتهاك حقوق السوريين وتقويض استجابة البلاد في مجال الصحة العامة.[21]

رغم استمرار الحكومة اللبنانية في الالتزام علنا بمبدأ عدم الإعادة القسرية، إلا أنها عمدت إلى ترحيل آلاف السوريين في السنوات الأخيرة. في مايو/أيار 2019، أعلن المجلس الأعلى للدفاع أنه سيتم ترحيل جميع السوريين الذين دخلوا لبنان بشكل غير نظامي بعد 24 أبريل/نيسان 2019 وتسليمهم مباشرة إلى السلطات السورية.[22] في رسالة إلى هيومن رايتس ووتش، قالت المديرية العامة للأمن العام إنها “أعادت” 6,345 سوريا بين 25 أبريل/نيسان 2019 و19 سبتمبر/أيلول 2021 في إطار تنفيذ قرار المجلس الأعلى للدفاع. وثقت هيومن رايتس ووتش اعتقال ثلاثة سوريين على الأقل ممن رُحّلوا من لبنان في سوريا.[23]

في الآونة الأخيرة، كثف القادة اللبنانيون من خطابهم المناوئ للاجئين والذي يروّج للعودة.[24] في يوليو/تموز 2020، أصدرت الحكومة “خطة عودة” جديدة أعلنت فيها أنّ أجزاء من سوريا صارت آمنة، وأن اللاجئين يجب أن يعودوا.[25] حضر لبنان مؤتمرا مثيرا للجدل مدعوم من روسيا حول عودة اللاجئين أقيم في دمشق في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وكانت مفوضية اللاجئين وبلدان الاتحاد الأوروبي قد رفضوا حضوره، واصفين إياه بأنه “سابق لأوانه”.[26]

في العامين الماضيين، عانى لبنان من أزمات متعددة، منها انفجار ضخم في مرفأ بيروت، وانهيار اقتصادي مصحوب بتضخم كبير، وتصاعد عدم الاستقرار السياسي، وجائحة كورونا.[27] أدى فساد السلطات اللبنانية وتقاعسها عن التعامل مع هذه الأزمات إلى تدهور كبير في الحقوق.[28] كما تسببت الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا في الحد كثيرا من قدرة المستشفيات على توفير رعاية منقذة للحياة. صار انقطاع الكهرباء شائعا، وقد يستمرّ 22 ساعة في اليوم أحيانا. هذا الواقع غير الآمن بشكل متزايد أثر بشدّة على اللاجئين السوريين، حيث بات 89⁒ منهم يعيشون في فقر مدقع، ويعتمدون على خطوط الائتمان واقتراض المال والغذاء من أجل البقاء على قيد الحياة.[29]

لبنان ليس طرفا في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، لكن حظر الإعادة القسرية، أي إعادة اللاجئين بأي طريقة كانت إلى أماكن تكون فيها حياتهم أو حريتهم مهددة، أصبح قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي التي ينبغي أن يلتزم بها لبنان. تقول مفوضية اللاجئين إن الإعادة القسرية لا تحصل فقط عندما تطرد حكومة ما لاجئا بشكل مباشر، بل أيضا عندما يُمارس عليه ضغط كبير بطريقة غير مباشرة لدفعه إلى الاعتقاد بأنه ليس أمامه خيارات أخرى سوى العودة إلى بلد يواجه فيه خطرا كبيرا بالتعرض للأذى.[30]

الأردن

مثل لبنان، لم يصادق الأردن على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، لكن في 1998، أبرم مذكرة تفاهم مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ألغت القيود الجغرافية والزمنية على حماية اللاجئين، وحمتهم من الإعادة القسرية.[31] ومثل لبنان أيضا، فتح الأردن حدوده أمام اللاجئين السوريين في 2011 مع بعض الاستثناءات، لكن بعد منتصف 2013 بدأت السلطات الأردنية في تقييد تدفق اللاجئين السوريين إلى البلاد عبر إغلاق المعابر الحدودية غير الرسمية قرب المراكز السكانية، وإجبارهم على العبور من أماكن أبعد في الصحراء الشرقية.[32] أدى هجوم انتحاري على موقع للجيش الأردني في الركبان – قالت تقارير إنه من تنفيذ “الدولة الإسلامية” المُعلنة من طرف واحد – إلى إغلاق المعبر هناك، وهو آخر معبر حدودي مفتوح قرب الحدود مع العراق.[33]

رغم أنه يجب الإشادة بالأردن لتبنيه نهجا نظاميا أكثر تجاه اللاجئين السوريين مقارنة بأغلب جيرانه، شمل نقل جميع اللاجئين السوريين الوافدين إلى المعابر الحدودية إلى مخيمات للاجئين حيث يمكنهم التسجيل لدى مفوضية اللاجئين والحصول على شهادة طالب لجوء، فإن سياسته القائمة على استبعاد فئات معينة من اللاجئين كانت مخالفة لالتزامه بعدم الإعادة القسرية، حيث منع الأردن دخول أربع فئات شديدة الضعف: الفلسطينيون الذين يعيشون في سوريا؛ وجميع الرجال غير المتزوجين في سن التجنيد؛ واللاجئون العراقيون الذين يعيشون في سوريا؛ وجميع الأشخاص الذين لا يحملون وثائق، رغم القصف المنتشر في سوريا والذي تسبب ليس فقط في تدمير المنازل والممتلكات، وإنما الوثائق أيضا.[34]

لمغادرة مخيّمات اللاجئين، اعتمد الأردن برنامج كفالة يستطيع من خلاله الأقارب الأردنيون “التكفل” بلاجئ سوري.[35] في البداية اعتُمدت هذه السياسة بطريقة ليّنة نسبيا، وحتى من لم يكن لديهم كفيل كان بإمكانهم العيش خارج المخيمات والحصول على الخدمات. لكن في 2015، ألغت الحكومة برنامج الكفالة واعتمدت “نظام التحقق المدني” التي فرضت على كل اللاجئين السوريين تسجيل معطياتهم البيومترية من أجل الحصول على بطاقة خدمات بيومترية جديدة. تمّ توفير هذه البطاقات لجميع السوريين الذين غادرو المخيمات دون “كفالة” قانونية قبل 14 يوليو/تموز 2014، لكن كان من شبه المستحيل الحصول عليها بالنسبة لعشرات آلاف السوريين الذين غادروا المخيمات بعد هذا التاريخ.[36] ونتيجة لذلك، لم يتمكن السوريون الذين غادروا المخيمات بشكل غير رسمي بعد ذلك التاريخ من الحصول على الوثائق المطلوبة للحصول على المساعدات الإنسانية، والرعاية الطبية المدعومة، وإلحاق أطفالهم بالمدارس.[37] في 2017، مددت السلطات الأردنية الموعد النهائي حتى 8 مارس/آذار 2015، مما سمح لآلاف السوريين الإضافيين بالحصول على بطاقات الخدمة. في 2016، وثقت هيومن رايتس ووتش كيف “أوقفت قوات الأمن الأردنية ونقلت قسرا لمخيمات اللاجئين [منذ يوليو/تموز 2014 ]، لاجئين ليست لديهم شهادات طالب لجوء صادرة عن مفوضية اللاجئين، أو بطاقات خدمة صادرة عن وزارة الداخلية”.[38]

مع أن السلطات الأردنية واصلت تنفيذ “عقد الأردن” لسنة 2016 بين الحكومة الأردنية والدول المانحة، والذي يهدف إلى تحسين سُبل عيش اللاجئين السوريين من خلال منحهم فرص عمل قانونية جديدة وتحسين قطاع التعليم، فإنّ معظم المهن (بما في ذلك الطب، والتعليم، والهندسة) ظلّت مغلقة أمام غير الأردنيين، والكثير من السوريين استمرّوا في العمل في القطاع غير الرسمي دون حماية عمالية.[39]

هناك أدلة حديثة تشير إلى أن وضع توظيف اللاجئين السوريين كان أفضل في بداية 2020 مقارنة بـ 2016.[40] مع ذلك، فقد الكثير من السوريين وظائفهم، وتعرض آخرون لتخفيضات في رواتبهم خلال جائحة كورونا. أدّت آثار الوباء في الأردن إلى تراجع التقدم المحرز في السنوات السابقة، فصارت مؤشرات بعض القطاعات، مثل الأمن الغذائي، تعادل الآن مؤشرات 2014.[41] وفقا لـ ” الخطة الإقليمية للاجئين وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات” الخاصة بمفوضية اللاجئين فإنّ “2⁒ فقط من أسر اللاجئين تستطيع تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية دون أي استراتيجيات تكيّف سلبية، والتي تشمل تقليص الوجبات الغذائية، وإخراج الأطفال من المدرسة، والزواج المبكر، وإرسال أفراد من الأسرة للتسول”.[42]

 

قرار العودة إلى سوريا

أسباب عودة اللاجئين

رغم الظروف القسرية للاجئين في لبنان، وارتفاع تكلفة المعيشة للاجئين في الأردن، فإنّ بيانات تتعلق بمراقبة الحماية ونوايا العودة جمعتها منظمات إنسانية غير حكومية ومفوضية اللاجئين تُظهِر باستمرار أن اللاجئين في مصر والعراق والأردن ولبنان يعتبرون السلامة والأمن في بلادهم كأهم سبب يمنعهم من العودة.

عاد ما لا يقلّ عن 282,283 لاجئا سوريا من مصر والعراق والأردن ولبنان وتركيا بطرق منظمة ذاتيا (ما يُسمى “العودة التلقائية”) بين 2016 ومايو/أيار 2021.[43] قدّم الأشخاص الذي أجريت معهم مقابلات من لبنان والأردن أسبابا مختلفة لاتخاذ قرار العودة إلى سوريا، منها عدم وجود فرص لكسب الرزق، خاصة أثناء جائحة كورونا، وصعوبة الحصول على رعاية صحية في لبنان والأردن، والرغبة في استعادة أراضيهم ومنازلهم في سوريا، والاعتقاد بأنّ الوضع الأمني قد تحسّن في المنطقة التي سيعودون إليها.

في مارس/آذار 2021، وجد “الاستطلاع الإقليمي السادس حول تصورات اللاجئين السوريين ورغبتهم بالعودة إلى سوريا”، الذي أجرته مفوضية اللاجئين، أن ما يقارب 90⁒ من اللاجئين الذين شملهم الاستطلاع لم يتمكنوا من تلبية حاجاتهم الأساسية في البلدان المضيفة. قال لاجئون ممن عادوا إلى سوريا لـ هيومن رايتس ووتش إنّ التدهور الاقتصادي في لبنان والأردن ساهم في اتخاذهم قرار المغادرة. أدى نقص فرص العمل في كلا البلدين، الذي تفاقم بسبب جائحة كورونا، إلى تعميق وضعهم الاقتصادي الهش، ودفع بالكثيرين منهم إلى العودة إلى سوريا. تأثر اللاجئون في لبنان، وهم أصلا مهمشون اقتصاديا، بالعواقب الكارثية لوباء كورونا على الاقتصاد.[44] في الأردن أيضا، وصف أشخاص ممن أجريت معهم مقابلات كيف تسببت عمليات الإغلاق في تقويض قدرتهم على كسب العيش.

وصف عدنان (36 عاما)، من نافعة بدرعا، كيف أثرت جائحة كورونا على قراره بالعودة:

كانت الحياة في الأردن جيدة. كان بإمكاني العمل بسهولة… كنت أعمل وتمكنت من إرسال المال إلى عائلتي… ثم جاءت كورونا. تعددت قرارات الإغلاق، ولم يكن لدي ما يكفي من الطعام والمساعدات لعائلتي. تحدثت مع والديّ وقلت إني أرغب في العودة، فشجعتني العائلة على ذلك. تصريح عملي [في الأردن] يسمح لي فقط بالعمل كحلاق، ولم يكن بإمكاني القيام بهذا العمل في ذلك الوقت.[45]

وصف ياسر (32 عاما)، من حمص، كيف أثر عجزه عن الاستمرار في دفع الإيجار في لبنان على قراره بالعودة إلى سوريا:

قررنا المغادرة لأننا كنا نعيش في المخيمات [غير الرسمية] في بر إلياس… و[صاحب العقار] يريد الإيجار بالدولار. لم نتمكن من تحمل تكلفة ذلك، لذا قررنا الرحيل. كنت أرغب في أن يلتحق أطفالي بالمدرسة، وأرغب في تسجيلهم [في سوريا] والعيش في منزلي مجددا.[46]

قال العديد من اللاجئين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم كانوا يرغبون في العودة لاستعادة منازلهم والعيش على أرضهم مجددا، وهي رغبة يدعمها حق العودة.[47] قالت غادة (43 عاما)، من الغوطة الشرقية: “كنا نرغب في استعادة منزلنا، لأن الناس قالوا لنا إن الوضع صار آمنا هناك. كنا نرغب في المحاولة واسترجاع أرضنا”.[48]

قال آخرون إنهم لم يستطيعوا تحمّل تكاليف الرعاية الصحية التي يحتاجونها في لبنان والأردن، وعادوا على أمل الحصول على رعاية صحية أرخص في سوريا. تدعم مفوضية اللاجئين تكاليف الرعاية الطبية الأساسية للاجئين السوريين في لبنان والأردن، لكنها نادرا ما تغطي تكاليف الرعاية التلطيفية أو الأمراض المزمنة.[49] قالت ليلى (65 عاما)، من حماة، وكانت قد رجعت إلى لبنان في 2019 بعد أن عادت إلى سوريا:

عدنا في ذلك الوقت إلى سوريا لأنه… كان من الصعب جدا الحصول على كل الأشياء التي نحتاجها في لبنان: كنا نحتاج إلى رعاية طبية، والدواء [في لبنان] باهظ الثمن… لم أستطع تحمل تكلفة الحصول على منزل منفصل هنا في لبنان، وابني لم يتمكن من إيجاد عمل، والمنزل كان صغيرا جدا. لم أكن أرغب في أن أكون عبئا على ابني وزوجته.[50]

توصّلت الأبحاث بشكل متكرر إلى أنّ اللاجئين السوريين يعيشون في ظروف محفوفة بالمخاطر، ويواجهون عقبات في الحصول على رعاية صحية مناسبة، وأحيانا يعجزون عن توفير تكاليف الرعاية التي يحتاجونها.[51] هذا يعتبر تقاعسا من الدول المضيفة عن حماية حق اللاجئين في الحصول على أعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه. يتسبب تقاعس الدول المضيفة عن ضمان حصول اللاجئين على خدمات الرعاية الصحية التي يحق لهم الحصول عليها إلى تفاقم وضعهم الصحي. عندما يتسبب التمييز، وعوامل أخرى مثل الخوف من التكاليف الباهظ، إلى عرقلة الرعاية، بما في ذلك الاختبارات المتعلقة بفيروس كورونا وعلاجه والوقاية منه، يتأخر اللاجئون والمهاجرون في طلب التشخيص والعلاج حتى يتطور المرض؛ وعندما يشتد بهم الحال تصير الرعاية أكثر تكلفة والعلاج أقل فعالية. وكما هو موثق في الحالات الواردة في هذا التقرير، قد يُحفّزهم ذلك على العودة إلى سوريا، رغم أنهم قد لا يكونون آمنين هناك.

قد يواجه المواطنون والمقيمون الدائمون الذين يعتمدون على أنظمة الصحة العامة في لبنان والأردن مشاكل مماثلة في الحصول على رعاية صحية. العديد منهم يواجهون قيودا تتعلق بالموارد والقدرات في الرعاية التي يقدمها القطاع العام، وانتظارا لفترات مطولة، ونقصا في الأدوية الأساسية. أما اللاجئون، فيواجهون انتهاكات معينة بالإضافة إلى الاخفاقات المنهجية التي تؤثر على جميع المرضى، ما يتسبب في تعميق التهميش الذي يعيشونه بالفعل.

أوضحت ميساء (76 عاما)، من ريف دمشق، أيضا كيف أقنعتها الظروف المعيشية في لبنان بالعودة إلى سوريا:

كان الوضع سيئا جدا في لبنان، ولم يتمكن زوجي من إيجاد عمل. إيجار البيت كان في حدود 200 دولار في الشهر، أي 300 ألف ليرة في ذلك الوقت. كان ثمن الإيجار مرتفعا، ولم يكن لدينا أثاث، ولم نتمكن من توفير ثمن الدواء، ولذلك أقنعني زوجي بالعودة إلى سوريا.[52]

قرر حسن (61 عاما)، من حمص ويخضع لغسيل الكلى، مغادرة لبنان لما صارت زوجته غير قادرة على كسب المال لمساعدته بعد أن رفض الأمن العام منحها إقامة قانونية، رغم أنهما كانا في السابق مكفولين من مواطن لبناني لعدة سنوات:

في 2018، وافق الأمن العام على منحي إقامة قانونية، لكن زوجتي مُنعت من ذلك. ذهبنا إلى الأمن العام للاستفسار فقالوا لنا إن كفيلنا مدين ويواجه مشاكل قانونية. طلبوا من زوجتي تغيير الكفيل، لكن الأمر سيستغرق شهرين. أخبرونا أنه يتعين عليها مغادرة البلد والدخول مجددا… ولما مرضتُ وصرت عاجزا عن العمل واضطرت زوجتي إلى التوقف عن العمل لمساعدتي… قررنا العودة إلى سوريا.[53]

لا تزال مفوضية اللاجئين متمسكة بموقفها المتمثل في أن العودة إلى سوريا ليست آمنة، ولا تسهلها ولا تشجع عليها.[54] في فبراير/شباط 2018، وضعت المفوضية الشروط اللازمة لعودة اللاجئين:

تقديــم الحكومــة/الأطــراف الفاعلــة المســيطرة علــى مناطــق العــودة ضمانــات حقيقيــة بـأن العائدين لن يواجهوا التحرّش، أو التمييز، أو الاحتجاز التعسفي، أو التهديد الجسدي، أو الملاحقة القضائية بسبب أنّ العائدين ينحدرون مـن منطقـة كانـت، فـي السـابق أو حاليـا خاضعة لسيطرة، بحكم الأمر الواقع، لطرف آخر من النزاع، أو بسـبب مغـادرة سـوريا بشـكل غيـر قانونـي؛ أو تقديـم طلـب لجـوء سياسـي للخـارج؛ أو على أساس أي خاصية من خصائص التنوع (فردية أو عائلية).[55]

في مارس/آذار 2021، حثت مفوضية اللاجئين الدول المضيفة على المحافظة على حق اللجوء بالنسبة للاجئين السوريين، وقالت إنها:

تعتبر أن التغييرات في الظروف الموضوعية في سوريا، بما في ذلك التحسينات الأمنية النسبية في أجزاء من الأرض، ليست ذات طابع أساسي مستقر ودائم من أجل تبرير وقف وضع اللاجئ على أساس المادة 1ج(5) من اتفاقية 1951.[56]

تشير استطلاعات مفوضية اللاجئين إلى أن أغلب اللاجئين السوريين مازالوا يأملون في العودة إلى سوريا يوما ما، حتى وإن لم يكن ذلك على المدى القريب.[57] رغم أن البيانات المتعلقة بنوايا اللاجئين حاليا تُظهر أن معظمهم يعتزمون البقاء في لبنان أو الأردن في المستقبل المنظور، إلا أن هذا القرار يرجع في المقام الأول إلى عوائق العودة الموجودة حاليا في سوريا، وليس إلى أنهم لا يرغبون في العودة إلى هناك.[58]

معلومات مضللة عن الأوضاع في سوريا

المعلومات المضللة عن واقع الحياة داخل سوريا أثرت على قرار العودة لدى الكثير من اللاجئين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش. في 2018، بدأ الأمن العام اللبناني، الجهاز المسؤول عن دخول وخروج الأجانب، تسهيل عودة اللاجئين إلى سوريا. كجزء من هذه العملية، حصل الأمن العام على “تصريح أمني” من السلطات السورية لأي لاجئ يرغب في التسجيل في حركة عودة اللاجئين. اعتقد ياسر (32 عاما)، من حمص، أن هذا سيضمن سلامته عند عودته إلى سوريا. قال: “تلقيت وعودا من الأمن العام اللبناني بعدم التعرض للأذى من أي كان عند عودتي إلى سوريا. أخبروني أنه تم إجراء تدقيق أمني، وأن عودتي ستكون آمنة”. لكن ياسر اعتُقل من قبل “شعبة الأمن السياسي” في سوريا بعد يوم واحد من عودته، وأمضى أربعة أشهر في الاحتجاز التعسفي وواجه تعذيبا وحشيا.[59]

قال محام سوري لـ هيومن رايتس ووتش: “لا يمكننا الوثوق في الأجهزة الأمنية اللبنانية أو السورية”، مضيفا أن أجهزة الأمن في كلا البلدين “تتصرف بنفس الطريقة”. قال كذلك إن تنسيق الأمن العام اللبناني بشأن التصاريح الأمنية يجب أن يكون مع “إدارة الهجرة ومراقبة الجوازات”، لكنه [الأمن العام] يقوم بذلك [التصريح الأمني] “مع عدد قليل من أجهزة المخابرات، ليس كلها دائما، فيصدرون تصاريح لأشخاص مطلوبين عن قصد”.[60]

الأشخاص الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش قالوا أيضا إنهم اعتمدوا على معلومات من وسائل إعلام أو من أقارب وأصدقاء عادوا قبلهم، لكن وصفهم للوضع كثيرا ما كان مخالفا للواقع. الحصول على معلومات دقيقة حول الأوضاع داخل سوريا أمر بالغ الصعوبة. قال العائدون لـ هيومن رايتس ووتش إنّه من الصعب للغاية الحصول على معلومات حول مخاطر الأمن والسلامة لأن الأصدقاء والأقارب داخل سوريا لا يريدون الكشف عن معلومات حساسة عبر الهاتف. لذلك يعتمد الناس على التواصل الشفهي ووسائل التواصل الاجتماعي والأخبار التلفزيونية للوصول إلى تقييم غالبا ما يكون غير دقيق. قال العديد من الأشخاص لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يكونوا مستعدين لمستوى الصعوبات الاقتصادية التي واجهوها في سوريا، ولا إلى التدمير الذي لحق منازلهم ومناطقهم.

جهود مراقبة الحماية التي تقوم بها منظمات إنسانية داخل سوريا محدودة للغاية أيضا، فقيود الوصول التي تفرضها الحكومة السورية منعت مفوضية اللاجئين من تنفيذ آلية لمراقبة العودة مثل الآلية التي تعتمدها في أوضاع إنسانية أخرى.[61] فرضت الحكومة أيضا قيودا على أنواع الحماية التي يمكن القيام بها، بما في ذلك نوع الأسئلة التي يمكن للوكالات الإنسانية طرحها على العائدين. كما أنّ الخوف من الرقابة الحكومية وعدم وجود اتصال ثابت بالإنترنت بسبب انقطاع الكهرباء يتسبب في عزوف وعجز العائدين عن الإبلاغ عن حقيقة وضعهم بعد العودة إلى سوريا.

وصف إياد (30 عاما)، وهو عائد إلى ريف دمشق، كيف سارع سوريون آخرون إلى سؤاله عن الحياة داخل سوريا بعد عودته من لبنان:

كنت أنصحهم بعدم العودة، فهم لا يفهمون ما قد يواجهونه. المزيد من الناس باتوا يدركون أن الوضع سيء للغاية في سوريا – وخاصة الوضع الاقتصادي. هم يحصلون على معلوماتهم من عائدين آخرين. بعد أن عدت، زارني العديد من الأشخاص ليسألوا عن رأيي حول موضوع العودة، فنصحتهم جميعا بعدم العودة، وشرحت لهم مدى صعوبة الوضع.[62]

عملية العودة

قال لاجئون لـ هيومن رايتس ووتش إنهم عادوا إلى سوريا باستخدام مسارات رسمية وغير رسمية. يفرض كل من لبنان والأردن قيودا على دخول اللاجئين السوريين مجددا إليهما. هذا الفرض الشامل للقيود على العودة مجددا وحظر دخول العائدين من سوريا ممن لم يتمكنوا من الاستقرار هناك هو بمثابة انتهاك للالتزامات المتعلقة بعدم الإعادة القسرية. نظرا للطبيعة السهلة الاختراق للحدود، عاد أغلب اللاجئين من لبنان إلى سوريا عبر طرق التهريب، بينما عاد كل من أجريت معهم مقابلات من الأردن إلى سوريا عبر الحدود الرسمية بشكل موحّد.

حتى يتمكنوا من العودة رسميا إلى سوريا عن طريق الجو أو البرّ، يتعين على اللاجئين إظهار جواز سفر ساري المفعول، أو وثيقة سفر ((“laissez passer”، أو نموذج تعريف مقبول لدى سلطات الحدود السورية.[63]

لبنان

بشكل عام، هناك ثلاث طرق رسمية يُمكن للاجئين السوريين استخدامها للعودة إلى سوريا: العودة الفردية عبر المعابر الحدودية البرية القانونية أو المطارات؛ وعمليات العودة التي ينظمها الأمن العام؛ وعمليات العودة التي يقوم بها “حزب الله” بالتنسيق مع الأمن العام.[64] أغلب اللاجئين ليس لديهم إقامة قانونية، وبالتالي يلجؤون إلى مسارات غير رسمية.

كما ذكرنا سابقا، يتطلب الخروج القانوني من لبنان وضعا قانونيا يفتقر إليه 80⁒ من اللاجئين الذين تزيد أعمارهم عن 15 عاما.[65] في يوليو/تموز 2018، أصدر الأمن العام مذكرة داخلية حدّدت إجراءات خروج السوريين الذين تجاوزا المدة المسموح بها في تصاريح إقامتهم، بما في ذلك الذين دخلوا البلاد بشكل غير قانوني لأول مرة. في أغلب الحالات، يُطلب من السوريين زيارة مركز للأمن العام، ودفع غرامة و/أو تسوية وضعهم، ولكن قد يصدر ضدهم حظرا على دخول البلاد مجددا.[66] رغم وجود آليات لتسوية الوضع، فإن أغلب اللاجئين الذين تحدثت معهم هيومن رايتس ووتش قالوا إنهم يفضلون استخدام طرق التهريب للخروج من لبنان وتجنب المعابر الحدودية الرسمية لأنه ليس بوسعهم دفع تكاليف الرسوم اللازمة بتسوية وضعهم، أو خوفهم من عناصر الأمن العام نظرا لسوء المعاملة التي يلقاها السوريون من هذا الجهاز، أو تجنب الحصول على ختم “ممنوع الدخول” الذي قد يوضع على جوازاتهم لفترة تتراوح بين عام وخمسة أعوام، ويمنعهم من الدخول مرة أخرى.

في مايو/أيار 2019، قرّر لبنان ترحيل كل من يدخله أو يعود إليه بعد أبريل/نيسان 2019 عبر الطرق غير الرسمية، حتى وإن سبق له الإقامة في لبنان.

الأردن

جميع الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات ممن عادوا من الأردن إلى سوريا فعلوا ذلك بشكل رسمي عبر المعبر الحدودي جابر/نصيب، الذي أعيد فتحه في أكتوبر/تشرين الأول 2018 بعد سيطرة الحكومة السورية على درعا والحدود الجنوبية.[67] زار معظمهم السفارة السورية في عمان قبل العودة إلى سوريا لتحديث وثائقهم، مثل تجديد جوازات السفر، أو الحصول على وثائق سفر، أو تحديث وثائقهم المدنية، مثل شهادات الميلاد والوفاة والزواج. قال كل اللاجئين تقريبا إن حرس الحدود الأردنيين أخبروهم عند مغادرة الأردن بأنه لن يُسمح لهم بالدخول مجددا لمدة خمس سنوات، وأخذوا منهم بصمة القزحية لتسجيل خروجهم من البلاد. بعض اللاجئين ممن لم يُخطروا بحظر العودة ولم تؤخذ منهم بصمات القزحية قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن ذلك يعود إلى أنهم دخلوا الأردن بشكل قانوني، وبالتالي يمكنهم العودة إليه بشكل قانوني.

رغم حظر العودة شبه الموحّد الذي أخطر به الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات في الحدود السورية-الأردنية، قال محام أردني ذو خبرة في الموضوع لـ هيومن رايتس ووتش إنه لا يوجد حظر رسمي أردني يقيّد عودة اللاجئين السوريين إلى سوريا.[68] إلا أن بعض الأشخاص قد يواجهون قيودا عند الحدود إذا كان هناك “سبب متعلق بالأمن” أو مشكلة في الوثائق، مثل الوثائق المدنية المزورة، ما قد يؤدي إلى حظر مؤقت من العودة إلى البلاد.[69] أوضح المحامي أنه لا يوجد قانون أو لوائح أو تعليمات مكتوبة تفرض حظرا عاما على دخول السوريين إلى الأردن، لكن بدلا من ذلك وبحسب الظروف، تستطيع السلطات إصدار بيان تعلن فيه إغلاق الحدود لفترة زمنية معينة.[70]

 

انتهاكات حقوق الإنسان عند العودة

قال لاجئون ممّن عادوا من لبنان والأردن لـ هيومن رايتس ووتش إنّ الحكومة السورية والميليشيات التابعة لها أخضعتهم وأقارب لهم للاعتقال التعسفي، والاحتجاز، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية والمهينة، والاختطاف، والقتل خارج نطاق القضاء بعد عودتهم إلى سوريا. وثقت هيومن رايتس ووتش 21 حالة اعتقال واحتجاز تعسفي، و13 حالة تعذيب، وثلاث عمليات خطف، وخمس عمليات قتل خارج نطاق القضاء، و17 حالة اختفاء قسري، وحالة واحدة لعنف جنسي مزعوم. تحدث 28 من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم ممن عادوا إلى درعا عن العيش في بيئة غير آمنة تتّسم بالاعتقالات في نقاط التفتيش، وعمليات الاختطاف، والابتزاز والرشوة، والاغتيالات، وتفشي الفوضى وانعدام المساءلة.

هذه النتائج تتوافق مع نتائج لمنظمات حقوقية أخرى، وصحفيين، و”لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا” (لجنة التحقيق)، وجميعهم وثقوا الاعتقال التعسفي، والاحتجاز، والتعذيب وسوء المعاملة، والاختفاء القسري، والاعدام بإجراءات موجزة في سوريا. كما وثقت لجنة التحقيق انتهاكات حصلت في سوريا ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانية، مثل الإبادة، والقتل، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والتعذيب، والسجن في سياق الاعتقالات الواسعة والمنهجية.[71] كما وثقت أيضا انتهاكات يبدو أنها ترقى إلى جرائم الحرب، مثل القتل، والمعاملة القاسية، والتعذيب، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والتعدي على الكرامة الشخصية.[72]

بعد عشر سنوات من النزاع، تواصل قوات الأمن السورية ممارسة الاعتقال التعسفي، والإخفاء، وسوء معاملة الناس في كل أنحاء البلاد، بما في ذلك العائدون وسكان المناطق المسترجعة.[73] قالت لجنة التحقيق في تقرير أصدرته في مارس/آذار 2021:

اتسمت الانتهاكات والتجاوزات المرتكبة، ولا سيما من جانب حكومة الجمهورية العربية السورية، باتساقها الشديد، وأبلغت عنها لجنة التحقيق وغيرها من الجهات على نطاق واسع للغاية، بحيث يستحيل الادعاء أنها ارتُكبت دون علم سلاسل القيادات المعنية.[74]

مع مرور الوقت، تبنت الجماعات المسلحة أيضا ممارسات متعلقة بالاحتجاز في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتي كانت شبيهة بشكل لافت لممارسات القوات الحكومية والموالية للحكومة.[75] تم توثيق الاختفاء القسري، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والتعذيب، والمعاملة اللا-إنسانية أو المهينة، والعنف الجنسي، والوفاة رهن الاحتجاز في مرافق تديرها جميع الأطراف في كل أنحاء البلاد.[76]

كانت السلطات السورية تنظر إلى اللاجئين مثل الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش بالريبة بسبب مغادرتهم سوريا، فواجهوا تهديدات وانتهاكات مماثلة بعد عودتهم، منها تهديدات لحياتهم وحريتهم. تظهر الانتهاكات، المبينة بمزيد من التفصيل أدناه، أنه لا يزال هناك تهديد واضح وموثوق بتعرّض العائدين إلى سوريا إلى الاضطهاد.

الاعتقال والاحتجاز التعسفي

لطالما كان الاعتقال والاحتجاز التعسفيين حجر الزاوية في نظام السيطرة القمعية للحكومة السورية منذ ما قبل نزاع 2011، وغالبا ما يؤدي ذلك إلى التعذيب والقتل، حسبما وثقته هيومن رايتس ووتش سابقا.[77] تقدّر “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أنّ حوالي 150 ألف شخص تعرّضوا للاعتقال والاحتجاز التعسفي في سوريا، وحوال 15 ألفا توفوا تحت التعذيب بين مارس/آذار 2011 ويونيو/حزيران 2021، أغلبهم على يد قوات الحكومة السورية.[78] بحسب لجنة التحقيق المستقلة: “تأخذ عمليات التوقيف والاحتجاز التعسفية في سوريا أشكالا كثيرة، وتستهدف في كثير من الأحيان المدنيين الذين يعتبرون إما مؤيدين لأحد أطراف النزاع أو ليس لديهم الولاء الكافي لطرف آخر”.[79] في مارس/آذار 2021، حددت مفوضية اللاجئين قائمة تضمنت 11 فئة من السوريين الذين هم في خطر، ومنهم “الأشخاص المعارضون للحكومة، أو الذين يُنظر إليهم على أنهم كذلك” و”المتهربون من التجنيد والفارون من القوات المسلحة السورية”،[80] ثم استطردت قائلة:

في كل المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، أفادت تقارير أن العائدين كانوا من بين الذين يتعرضون إلى المضايقات، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة، فضلا عن مصادرة الممتلكات، بما في ذلك بسبب رأي الأفراد المتصوّر المناهض للحكومة. الرجال في سنّ التجنيد معرّضون أيضا إلى الاعتقال لغرض التجنيد الإجباري عند العودة.[81]

في فبراير/شباط 2020، علّقت “مجموعة الأزمات الدولية” عن صعوبة التنبؤ بالتهديدات الحالية:

… بالنظر إلى أنّ مفهوم النظام عمّن يشكّل خصما له ليس واضحا دائما – وأكثر خطورة من ذلك – يمكن أن يتغيّر بمرور الوقت، ليس هناك يقين بشأن من يُعتبر آمنا من الاعتقال. في حين أنّ “الخطوط الحمراء” قبل انتفاضة العام 2011 بشأن ما هو مسموح سياسيا كان يُمكن معرفتها بالنسبة لمعظم السوريين، فبعد ثمان سنوات من الصراع هناك القليل جدا يمكن التسليم به.[82]

قال سهيل الغازي، باحث سوري مختص في ديناميكيات العودة: “كل من يعود تقريبا سيتعرض إلى شكل من أشكال الاستجواب، سواء أثناء تناول كوب شاي مع الأجهزة الأمنية أو أثناء جلسة تعذيب كاملة، فهم يريدون معرفة أسباب المغادرة “.[83]

قال 21 شخص ممن أجريت معهم مقابلات أو أقارب لهم لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تعرضوا للاعتقال والاحتجاز التعسفي عند عودتهم من لبنان أو الأردن إلى سوريا. أغلبهم اعتقلوا في نقاط تفتيش خاضعة لمجموعة من الفصائل العسكرية والأجهزة الأمنية، مثل “الفرقة الرابعة المدرعة” (الفرقة الرابعة)، وفرقة النخبة في القوات المسلحة السورية بقيادة ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري؛ والمخابرات العسكرية؛ والجيش؛ والمخابرات الجوية. جميع العائدين من الأردن يستخدمون المعابر الحدودية الرسمية، فيُعتقلون على الفور في طريق عودتهم، في أول نقطة تفتيش بين البلدين في جابر بالأردن ونصيب بسوريا، أو في الطريق من نقطة التفتيش الحدودية إلى منازلهم، وأحيانا بعد الاستقرار مجددا في سوريا، بعد فترات تمتد من أيام إلى أشهر قليلة. كل العائدين من لبنان ممن قابلتهم هيومن رايتس ووتش استخدموا طرق التهريب، باستثناء ثلاثة عادوا في عمليات عودة أشرف عليها الأمن العام، أو في إطار العودة الميسرة المنظمة في يوليو/تموز 2017 عقب اتفاق أبرِم بواسطة جماعة حزب الله الشيعية اللبنانية.[84]

قال الذين أجريت معهم مقابلات لـ هيومن رايتس ووتش إنّ الأشخاص مطالبون بإظهار بطاقات هوياتهم في نقاط التفتيش العديدة الخاضعة للحكومة والتي ترسم حدود الأحياء في كل المناطق الخاضعة لسيطرتها في البلاد. تقع نقاط التفتيش في أغلب مداخل المدن والبلدات وفي الطرق السريعة (الطرق السريعة من وإلى لبنان، ومطار دمشق، والطريق السريعة M5 التي تمتد من الحدود مع الأردن إلى الحدود مع تركيا وتمر عبر درعا، ودمشق، وحمص، وحماة، وحلب). توجد نقاط التفتيش بشكل كبير خاصة في المناطق المسترجعة.[85] قال الذين أجريت معهم مقابلات لـ هيومن رايتس ووتش إن الأفراد الذين يمرّون عبر نقاط التفتيش قد تُطلب منهم بطاقة الهوية الشخصية، وبطاقة المصالحة (لمن هم من المناطق المسترجعة)، والهاتف للتحقق من سجل الاتصالات. قال ناصر (29 عاما)، وهو عائد من إربد بالأردن إلى درعا البلد بسوريا أواخر 2019، إن جميع الطرق المؤدية إلى درعا البلد فيها نقاط تفتيش، “ومن الصعب جدا عبورها”.[86] في صيف 2021، فرضت السلطات السورية حصارا على درعا البلد رُفِع بعد شهرين ونصف، في 9 سبتمبر/أيلول.[87]

قال جواد (49 عاما)، من تلّ شهاب في درعا وكان قد عاد من إربد بالأردن في أغسطس/آب 2020: “هناك نقاط تفتيش في محيط مدخل البلدة بأكمله، ولكن ليس داخلها. تحصل اعتقالات كثيرة في نقاط التفتيش، ويتم فيها فحص الشباب دائما”.[88]

تحدث سلام (26 عاما)، من الجيزة في درعا، عن عودة شقيقه كريم من الأردن في أبريل/نيسان 2020 بسبب قلة فرص العمل في إربد، شمال الأردن قرب الحدود مع سوريا. حصل سلام على تصريح أمني لكريم من مكتب “جهاز الأمن الوطني” في درعا، الذي أخبره أن كريم ليس مطلوبا لأي جهاز أمني حكومي.[89] وبعد شهر من عودته إلى الجيزة، ذهب كريم إلى دمشق حاملا معه بطاقة المصالحة الخاصة به لشراء أشياء يحتاجها لفتح مطعم في مسقط رأسه. اعتُقل على مشارف درعا في نقطة تفتيش منكت الحطب، وفيها فريق مشترك من المخابرات العسكرية والفرقة الرابعة:

تم القبض عليه في نقطة التفتيش هذه لأنه لما كان في الأردن كان يُرسل المال لإعالة أسرته عبر مكتب صرافة في درعا. مدير مكتب الصرافة هذا أصبح عضوا في الفرقة الرابعة لما دخل النظام إلى درعا، وقدّم أسماء جميع الأشخاص الذين أرسلوا أموالا إلى درعا [من الأردن] للفرقة الرابعة. اتُهم أخي بإرسال المال لدعم الإرهاب.[90]

في محاولة يائسة لمعرفة مكان شقيقه، دفع سلام ثمانية آلاف دولار في مارس/آذار 2021 إلى مسؤول رفيع المستوى أبلغه أنّ كريم توفي في الحجز لدى “فرع المخابرات العسكرية 235” في دمشق (المعروف أيضا بـ “فرع فلسطين”).[91]

في سبتمبر/أيلول 2020، عاد عبدول (39 عاما)، وهو من كحيل بدرعا، من الرمثة في الأردن بعد أن سمع أنّ الحرب انتهت في مسقط رأسه، وكان يرغب في رؤية عائلته واسترجاع أرضه.[92] بعد شهر، ذهب إلى دمشق مع صديق، راغبا في رؤية عاصمة بلاده مرة أخرى. لكن في نقطة التفتيش ذاتها في منكت الخشب، اعتُقل واحتُجز من قبل جنود من الفرقة الرابعة بعد أن تحققوا هويته. أخذوه إلى مركز احتجاز تابع للمخابرات العسكرية في السويداء، وهناك تعرض للتعذيب. ثم نُقل بعد ذلك إلى مركز احتجاز في دمشق تابع لـ “الفرع 291” (المخابرات العسكرية)، وهناك تعرض للتعذيب أيضا، وحُرم من الطعام والماء الكافيين، ووُضع في زنزانات مزدحمة وغير صحية، واتُهم بتمويل الإرهاب. أطلق سراحه بعد أربعة أشهر.

بموجب القانون الدولي، يُعتبر الاحتجاز تعسفيا عندما تنتهك سلطة الاحتجاز الحقوق الأساسية للإجراءات القانونية السليمة، بما في ذلك التسريع بعقد جلسة استماع أمام قاض. تنص المادة 11 من “مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن” على ضرورة أن يُمنح المحتجز “فرصة حقيقية للإدلاء بأقواله في أقرب وقت أمام سلطة قضائية أو سلطة أخرى”، مع ضرورة تمتع السلطة القضائية أو السلطة الأخرى بصلاحية مراجعة قرار الاستمرار في الاحتجاز. كما يكون الاحتجاز تعسفيا إذا كان يفتقر إلى أساس واضح في القانون المحلي، أو إذا كان الشخص محتجزا بسبب ممارسته لحق أساسي، مثل الحق في التجمع السلمي.

ملاحظة حول أماكن الاحتجاز

بحسب محتجزين سابقين ممن قابلتهم هيومن رايتس ووتش، لم تقدّم قوات الأمن التي نفذت الاعتقالات أي مبرر قانوني لاعتقالهم ولم تُخبرهم بالمكان الذي نقلتهم إليه. قال الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات لـ هيومن رايتس ووتش إنهم عرفوا مكان احتجازهم من زملائهم المحتجزين.

منذ بداية النزاع السوري، أخضعت أجهزة المخابرات التابعة للحكومة السورية عشرات آلاف الأشخاص للاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني مستخدمة شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز. لا يزال مكان وجود معظمهم مجهولا وغير معترف به من قبل الدولة. تاريخيا، تعمل أجهزة المخابرات السورية بشكل مستقل عن بعضها البعض، ولا توجد حدود واضحة لمجالات اختصاصها.[93] لجهاز المخابرات تاريخ طويل في احتجاز الأشخاص دون مذكرات اعتقال، وحرمان المحتجزين من ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، مثل إتاحة فرصة لإجراء مراجعة قضائية للاحتجاز.

شبكة مراكز الاحتجاز في سوريا خاضعة لأجهزة المخابرات الرئيسية الأربعة، التي تعرف جماعيا باسم المخابرات:

  • شعبة المخابرات العسكرية؛
  • إدارة الأمن السياسي؛
  • إدارة المخابرات العامة؛
  • إدارة المخابرات الجوية.[94]

لكل من هذه الأجهزة الأربعة فروع مركزية في دمشق، وأخرى مناطقية، وعلى مستوى المدينة وفروع محلية في كل أنحاء البلاد. توجد في جميع هذه الفروع تقريبا مرافق احتجاز بأحجام مختلفة. تقع سجون أجهزة المخابرات في أقبية مبانيها. بالإضافة إلى هذه السجون غير الرسمية، توجد أيضا مواقع احتجاز سريّة أخرى، لكن لا توجد أسماء على مبانيها، وليس هناك قاعدة بيانات للسجناء.[95]

الخدمة العسكرية

التهرّب من التجنيد هو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الرجال في سن التجنيد إلى الفرار من سوريا. وهو أيضا أحد الأسباب الرئيسية لعدم تمكنهم من العودة.[96]

رغم أن التهرّب من التجنيد ليس سببا للحصول على وضع لاجئ في حدّ ذاته، إلا أنه يمكن أن يكون أساسا لطلب اللجوء إذا كانت الحكومة تنسب للمتهرب من التجنيد رأيا سياسيا قد يتسبب له في الاضطهاد، أو إذا كان للجيش الذي سيُجبر الشخص المتهرب من الخدمة فيه قد ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضدّ الإنسانية أو انتهاكات منهجية خطيرة أخرى للقانون الإنساني الدولي أو القانون الدولي لحقوق الإنسان، أو إذا كان طالب اللجوء مستنكف ضميريا عن الخدمة العسكرية وليس هناك أي بدائل خاصة بالمستنكفين ضميريا.[97] رغم أنّ سوريا أعلنت بشكل متقطّع العفو عن المتهربين من الخدمة العسكرية لتشجيع العودة، فإنّ العائدين “وجدوا أنفسهم مرة أخرى على قوائم التجنيد في أقلّ من سبعة أيام، بعد أن استغلت الحكومة ثغرة في المرسوم”، بحسب مقال كتبه أحمد عرمان وشذى لطفي في “نشرة الهجرة القسرية”، مما يجعل أحكام العفو بلا معنى.[98]

قال 21 شخصا ممن قابلتهم هيومن رايتس ووتش إنهم مطلوبون للمخابرات العسكرية بسبب الفرار من الخدمة العسكريّة، وقد يواجهون الاعتقال والاحتجاز في أي وقت. تنص المادة 40 من دستور سوريا لسنة 1973 على أن “الجُنديّة إلزامية وتُنظم بقانون”.[99] الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و42 عاما ملزمون بالجنديّة، ويجوز للنساء التجند طوعا.[100]

أوضحت منى (25 عاما)، من السيدة زينب بدمشق، كيف هرب زوجها من الجيش في 2015 وطلبت عائلتها اللجوء في لبنان.[101] لما أصيبت ابنتها بالسرطان ولم تتمكن من توفير تكاليف العملية في لبنان، قررت منى وزوجها العودة إلى سوريا في 2018 في محاولة لإيجاد مستشفى أقل تكلفة:

لا بد أنّ أحدهم أخبر الجيش بعودتنا. في مطلع 2018، جاءت المخابرات العسكرية واعتقلت زوجي. قالوا لنا… إنهم سيأخذونه لأنه فرّ من الجيش في 2015. سُجن لمدة تسعة أشهر في سجن البالونة في حمص. أتمّ المصالحة ووافق على العودة إلى الجيش، فأطلقوا سراحه. ولما خرج، عرفت أنه تعرض للضرب في السجن، لكنه لم يرغب في إخباري بالتفاصيل لأنه كان خائفا. بعد خروجه من السجن، خدم في الجيش، وهو يعود إلينا في إجازات تدوم أياما قليلة. استمرّ هذا الحال لمدة سنة أو سنتين.تعرّض إلى التعذيب في هذه السنوات… ورأينا ذلك على جسده. سألناه عن التعذيب، لكنه أنكر ذلك لأنهم هددوه بعدم الحديث عن تجربته. وعندما سألته عن العلامات الموجودة على جسده، رفض الإجابة. كانت هناك علامات كثيرة على جسده [كدمات]: حمراء وزرقاء… وكانت هناك حروق. كان الجيش يعطيه القليل من الأكل، فنقص وزنه. ولم يكن يُسمح له بالاستحمام أثناء الفترة التي قضاها بالجيش والسجن العسكري، فكان يعاني من القمل والجرب. كان يُسمح له بالذهاب إلى المرحاض مرة واحدة في اليوم.. كل هذا لأنه فرّ من الجيش في وقت سابق.[102]

الإعفاء من الخدمة العسكرية مسموح به لبعض الأفراد، ومنهم الطفل الذكر الوحيد في العائلة، ومن يُعتبر غير لائق لأسباب صحية، ومن يقيم في الخارج ودفع رسوم الإعفاء.[103] يُمكن للطلاب تأجيل التجنيد مؤقتا. تعرّض شادي (31 عاما)، من بصر الحرير بدرعا ولديه إعاقة جسدية، إلى الاعتقال التعسفي والاحتجاز في نقطة تفتيش في طريقه من درعا إلى دمشق للحصول على إعفاء رسمي من الخدمة العسكرية بسبب ساقه المبتورة نتيجة لغارة جوية على مسقط رأسه بصر الحرير بدرعا في أبريل/نيسان 2013، وبعدها لجأ إلى الأردن. بعد سبع سنوات “جيدة نسبيا” في الأردن، عاد شادي إلى سوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 مع عائلته أثناء جائحة كورونا:

اضطررت للذهاب إلى المستشفى العسكري رقم 601 في دمشق. أخذت سيارة أجرة مباشرة إلى دمشق، ومررت بالكثير من نقاط التفتيش. كانت احداها للفرقة الرابعة: حققوا معي وأهانوني، لكنهم في الأخير أفرجوا عني بعد أن دفعت لهم خمسة آلاف ليرة [دولاران أمريكيان].نقطة التفتيش التالية كانت منكت الحطب [التي تديرها كل من المخابرات العسكرية والفرقة الرابعة]. فتشوني وأخضعوني لفحص أمني وأخذوا بطاقة هويتي، وقال لي الضابط إني مطالب بأداء الخدمة العسكرية. أخبرتهم أنني أعلم ذلك، وأنني في طريقي إلى المستشفى العسكري لتسوية وضعي. بدأ يسخر مني قائلا “من أكل رجلك؟” و”أنت إرهابي”. حاولت أن أشرح له، لكنه ضربني. أطلعتهم على الإعفاء [تصريح حصل عليه من مكتب الشعبة العسكرية في درعا] لكنهم تجاهلوه. ركلني ضابطان، واستخدما عكازي لضربي، وأجبراني على الزحف على الأرض في اتجاه سيارتهم واعتقلاني.لما صعدت السيارة، ضربوني وأخذوني عبر طريق السويداء إلى مركز المخابرات العسكرية في كفر سوسة بدمشق… تعرضت للاستجواب بشكل يومي. سألوني أسئلة سخيفة من قبيل ماذا أكلت في الأردن. ظللت أطلب منهم أن يرجعوا لي وثائقي حتى أذهب إلى المستشفى العسكري إذا كانوا لا يريدون شيئا مني. وبعد أسبوع بدأوا يستخدمون الصعق بالكهرباء في جذع ساقي المبتورة.[104]

قال شادي إن التعذيب دام شهرين ونصف، وبعدها أطلقوا سراحه في شارع في كفر سوسة، فعاد إلى درعا بمساعدة غرباء.

التعذيب أثناء الاحتجاز

قال معظم المحتجزين السابقين الذين تمت مقابلتهم لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تعرضوا لإساءات جسدية ونفسية، والتي ترقى على ما يبدو إلى التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة أثناء احتجازهم، كما شهدوا تعذيب آخرين.[105] قال معظم الذين تمت مقابلتهم إنهم تعرضوا لعدة أشكال من التعذيب، من الضرب بقضبان معدنية أو عصي خشبية إلى الصعق بالصدمات الكهربائية، وغالبا ما يصاحبها مستويات متصاعدة من الألم. في بعض الأحيان، أُجبر المعتقلون على البقاء عراة أو بملابسهم الداخلية أثناء تعذيبهم. قال عدة محتجزين سابقين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم شهدوا موت أشخاص من التعذيب أثناء الاحتجاز.

بعد اعتقال عبدول من كحيل في درعا عند نقطة تفتيش منكت الحطب (الموصوفة أعلاه في الصفحة 29)، نُقل إلى مركز احتجاز أمني عسكري في السويداء، حيث قال إنه تعرض للضرب كل يوم على مدار الأسابيع الثلاثة اللاحقة:

في اليوم الأول وضعتُ على – دولاب – بقيت على هذا الحال يومين متتاليين، ليلا ونهارا. بعد ذلك قابلت المحقق. عذبني واستجوبني ثمانية أيام. اتهمني بتمويل الجيش السوري الحرّ والمعارضة.. ليس لدي ما يكفي من المال لشراء الخبز، كيف يمكنني تمويل المعارضة؟

بعد عشرة أيام توقفوا عن استجوابي لكنهم استمروا بضربي. كنت أتعرض للضرب كل يوم ثلاث أو أربع مرات … كنت أتعرض للضرب بالعصي وبظهر أسلحتهم وخراطيم المياه … أجبِرت على التوقيع على وثائق لا أعرف ما هو مكتوب عليها [لأني كنت معصوب العينين].[106]

بعد 21 يوما في السويداء، نُقل عبدول وهو معصوب العينين إلى الفرع 291 في دمشق، حيث اشتد تعذيبه:

كنت مرعوبا. كان المعتقلون كالهياكل العظمية. … تم شبحي.[107] بدأوا بضربي على صدري وكسروا ثلاث عظام في صدري. أغمي علي. في اليوم الثاني لم أتعرض للضرب، لكن في اليوم الثالث أُخذت للتعذيب بالكهرباء. لم يتوقفوا أبدا حتى أغمي علي. علقوني على الحائط وألقوا عليّ الماء. وضعوا مشبكا عليّ وآخر على مصباح. أشعلوا الكهرباء وقالوا إنها لن تتوقف حتى ينفجر المصباح.

استمر هذا الحال عشرة أيام. لم أرتح خلالها أبدا. كنت أستيقظ وأسمع صراخ أشخاص آخرين يتعرضون للتعذيب. لم يُطرح عليّ أي أسئلة، ضايقوني، استفزوني. بدا الأمر كما لو كنا ألعابا لدى عناصر المخابرات العسكرية. سخروا منا فقط. بعد عشرة أيام توقفوا عن تعذيبي. أجبِرتُ على تنظيف الحمامات. استمر هذا الأمر أربعة أشهر. كنت أتعرض للضرب من وقت لآخر بظهر السلاح. كان الوضع فظيعا. لم نكن نأكل كل يوم. كنا نحصل على نصف رغيف خبز كل يومين. لم يُسمح لنا بالشرب حتى من ماء الحمامات عندما كنا نريد ذلك.[108]

ذات يوم في أبريل/نيسان 2021، قال حراس الفرع 291 لعبدول إنه سيُشنق، لكن بدلا من ذلك نقلوه في سيارة إلى سوق الحميدية في دمشق وألقوا به في الشارع:

كان الناس ينظرون إليّ وكأنهم كانوا يعلمون أنني معتقل تم الإفراج عنه للتو. شعر الناس بالأسف عليّ وعرضوا عليّ المساعدة. لم أستطع حتى تذكر اسمي وكنت في حالة صدمة. التقط الناس صورة لي ووضعوها على وسائل التواصل الاجتماعي – لا أعرف أين – حتى تتمكن عائلتي من العثور علي. عثرت عائلتي عليّ وأوصلني الأشخاص الذين ساعدوني إلى درعا. لا أتذكر الكثير عن ذلك اليوم، سوى أنه عندما أشرقت الشمس، كانت معجزة.[109]

يتم تعذيب المعتقلين بشكل دوري لانتزاع الاعترافات أو إجبارهم على التوقيع أو أخذ بصماتهم على تصريحات لا يُسمح لهم بقراءتها.[110] قال العديد ممن قابلناهم لـ هيومن رايتس ووتش إنهم أُعطوا وثائق للتوقيع عليها أثناء استجواباتهم المهينة. وصف ياسر (32 عاما)، والذي عاد إلى سوريا عبر عمليات الإعادة التي نظّمها الأمن العام اللبناني، كيف عّذبه فرع الأمن السياسي في حمص لانتزاع اعتراف منه:

أجبرني رجال الأمن على خلع كل ملابسي وأجبروني على الدخول إلى زنزانة، مساحتها متر بمتر. مكثت داخل هذه الزنزانة ثلاثة أيام. أعرف ذلك لأنهم أحضروا لي الطعام ثلاث مرات، مرة كل يوم. بعد ثلاثة أيام، عُصبت عيناي واقتدت للتحقيق. لم يبدأوا بالأسئلة. قيدوا يدي خلفي وبدأوا بضربي واستخدموا الأسلاك الكهربائية عليّ. كسروا عظم كتفي. كانت يدي منتفخة. لم أستطع تحريكها، استمروا في تقييدي رغم ذلك. تم صعقي بالكهرباء حتى أغمي عليّ. كنت لا أزال عارٍ تماما. رشقوني بالماء لإيقاظي.[111]

قال ياسر إن الاستجوابات بدأت بعد عدة أيام. بدأ المحققون بمحاولة إجباره على الاعتراف بأنه إرهابي. قال: “حاولت في البداية أن أكون صريحا وقلت إنني لا يمكن أن أؤذي أحدا أبدا، وأنني بريء”. قال: “كنت خائفا للغاية، لكن بعد كل التعذيب، وافقت على كل ما اتهموني به. أعطوني الكلمات ثم كررتها. أحضروا لي خمس أوراق لأوقّعها. لم أستطع حتى إلقاء نظرة عليها، ولم أستطع التركيز. وقعت الأوراق فقط”.[112]

أمينة (31 عاما) من القلمون في سوريا، عادت إلى سوريا من لبنان في بداية 2018 لأن والدتها كانت مريضة في سوريا وكان زوجها يعتدي عليها.[113] قبل فرارها من سوريا، كانت أمينة تدعم الجيش السوري الحر حيث كانت تطبخ لهم. قالت إنه عند عودتها إلى سوريا، بلّغ عنها أحد الجيران. ذات صباح في الخامسة صباحا، اقتحم رجال يرتدون الزي العسكري منزلها وأخذوها إلى مركز احتجاز في المزة بدمشق. وُضعت في غرفة مساحتها متر في مترين مع 13 امرأة أخرى، وكانت مكتظة جدا حتى أنهن كنّ يتناوبن على الاستلقاء للنوم. تعرضت للضرب في الحجز وشهدت اغتصاب امرأة أخرى:

لقد مرضنا جدا وكان نعاني من القمل. كان هناك مرحاض واحد في الغرفة. في كل مرة يجلبون فيها الطعام، كانوا يهينوننا ويصفوننا بـ “العاهرات”… كانت الطريقة التي عاملوني بها مختلفة بعض الشيء. كنت حاملا طوال فترة وجودي في السجن، ربما لهذا السبب لم أتلقَ معاملة سيئة للغاية. كانت تهمتي فقط هي الطهي للجيش [السوري] الحر. اتُهمت بعض النساء بخطف ضباط [عسكريين] وقد عانين الأمرين. مثلا، كانوا يرشقونهن بالماء ويصعقوهن بالكهرباء. امرأة شابة … كانت تُقيَّد وتُغتصب كل يوم. بالنسبة لي، كانوا يستخدمون أيديهم لخلع حجابي وشد شعري. كانوا يصفعونني ويضربونني في بطني.[114]

سُجنت أمينة ستة أشهر. قالت إنها كرهت نفسها بعد إطلاق سراحها ولم تستطع تحمل حتى التفكير في البقاء في سوريا. عادت أمينة إلى لبنان مع أطفالها في أبريل/نيسان 2020.

قال شادي من بصر الحرير بمحافظة درعا لـ هيومن رايتس ووتش إنه أُجبِر على مشاهدة تعذيب محتجزين آخرين. كما شهد حالة وفاة أثناء الاحتجاز في يناير/كانون الثاني 2021:

أخذوني لأشهد تحقيقا مع رجل يبلغ من العمر 60 عاما. مرّروا الكهرباء في جسده. حاول دفع نفسه عن الأرض لوقف تدفق الكهرباء، لكنه أحرق يديه. ضربوه حتى نسي اسمه … استجوبوا رجلا آخر أمامي. كان عمره 80 عاما وكان مصابا بالسكري وصعقوه بالكهرباء. أصبح أعمىً. مات في زنزانتنا بعد أيام قليلة. توسلنا [حراس السجن] أن يأخذوا الرجل الميت، لكنهم انتظروا ثلاثة أيام قبل أن يأخذوا جثته.[115]

يعد حظر التعذيب من أكثر المحظورات المطلقة في القانون الدولي لحقوق الإنسان. لا توجد ظروف استثنائية تبرر التعذيب. سوريا طرف في المعاهدات الدولية الرئيسية التي تحظر التعذيب في جميع الظروف، حتى أثناء حالات الطوارئ المعترف بها، والتي تتطلب التحقيق مع المسؤولين عن التعذيب ومقاضاتهم.[116] عندما يُرتكب التعذيب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، فإنه يشكل جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي العرفي و”نظام روما الأساسي” لـ”المحكمة الجنائية الدولية”.[117]

الاختفاء القسري

يمكن وصف معظم حالات الاعتقال التي وثقتها هيومن رايتس ووتش في هذا التقرير بالاختفاء القسري. في القانون الدولي، يحدث هذا عندما يحتجز موظفو الدولة أو غيرهم من الأشخاص الذين يتصرفون بدعم من الدولة شخصا ما ثم يرفضون الاعتراف بالاحتجاز أو يخفون مصير أو مكان وجود الشخص المحتجز.[118]

في معظم الحالات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش، لم يكن لدى أهالي المحتجزين أي معلومات عن مصيرهم أو أماكن وجودهم لأسابيع، أو في بعض الحالات، لأشهر بعد الاعتقال، على الرغم من استفساراتهم لدى مختلف أجهزة المخابرات. لم تسمح السلطات للمعتقلين بأي اتصال بالعالم الخارجي وتركت عائلاتهم تتساءل عما إذا كان أقاربها المحتجزون على قيد الحياة. كانت المعلومات متاحة فقط عندما يتم دفع مبالغ في الخفاء لكبار المسؤولين؛ حينها يتلقى أحد أفراد الأسرة دفتر عائلة محدث مع تسجيل وفاة المحتجز؛ أو يُطلق سراح الفرد من الاعتقال.

عادت زبيدة (20 عاما)، امرأة من القلمون، من عرسال في لبنان مع زوجها إلى سوريا في يوليو/تموز 2017 كجزء من اتفاق عقدته جماعة حزب الله الشيعية اللبنانية.[119] بعد شهرين في سوريا، سافرت مع زوجها وطفلها لزيارة أهل زوجها في منطقة تسمى الجرجير في محافظة دمشق:

في طريقنا إلى البلدة كان هناك حاجز تحت سيطرة الفرقة الرابعة. أخذوا زوجي … قال لي: “لا تقلقي، سأعود خلال أيام قليلة” … في اليوم الثاني جاء الجيش إلى منزلنا وسألوني “أين زوجك؟” قلت، “لقد أخذتموه”. قالوا، “لا، لم نفعل”. شرحت لهم ما حدث على الحاجز، لكنهم ظلوا يسألون عن زوجي. لأشهر، حاولنا معرفة ما حدث لزوجي. بعد تسعة أشهر أو ربما عام، سمعنا أنه في سجن صيدنايا، لكننا لسنا متأكدين.[120]

قالت حليمة من حمص لـ هيومن رايتس ووتش إن زوجها عاد إلى سوريا في فبراير/شباط 2019 لأنه لم يجد فرص عمل كافية في لبنان.[121] بعد عودتهما إلى منزلهما المدمر والمنهوب تقريبا في الغوطة الشرقية، اختفى زوج حليمة بعد أن تم إيقافه عند نقطة تفتيش كان عليه المرور بها للوصول إلى منزله. في يناير/كانون الثاني 2020، تلقت حليمة نسخة محدثة من دفتر العائلة الخاص بها من الحكومة والذي جاء فيه أن زوجها توفي في حمص في يونيو/حزيران 2019.[122]

تشكل عمليات الاختفاء القسري واسعة النطاق أو المنهجية، التي تُنفَّذ كجزء من سياسة الدولة، جريمة ضد الإنسانية.[123] سبق أن وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام السلطات السورية الممنهج للاختفاء القسري، والذي ينتج عنه في كثير من الأحيان التعذيب والوفاة وغياب أي معلومات عن الضحية.[124]

الحبس المصحوب بمطالب الفدية

وثقت هيومن رايتس ووتش ثلاث عمليات اعتقال، صحبها مطالبات بالفدية، للعائدين إلى سوريا ارتكبتها قوات الأمن السورية أو الميليشيات التابعة لها.

طارق (36 عاما) من بلدة نافعة في درعا، عاد من الأردن في آب/أغسطس 2020، واعتُقل فورا بعد نقطة التفتيش الحدودية الأولية عند معبر نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا عند نقطة تفتيش مشتركة للجيش والمخابرات الجوية.[125] اقتيد إلى مكان لم يُكشف عنه، حيث قام أفراد يعتقد أنهم من الجيش السوري أو الميليشيات الموالية له بطلب فدية من والده:

أوقفوني عند نقطة تفتيش للجيش والقوات الجوية [المخابرات] وطلبوا مني خمسة آلاف ليرة سورية. أعطيتهم نقودي. سمحوا لسيارة الأجرة التي كنت أستقلها بالسير لمسافة كيلومترين، حيث قابلتنا سيارة كبيرة فيها الكثير من الأشخاص ذوي المظهر العسكري والمسلحين. لم أعرف ما إذا كانوا من الجيش أو الميليشيا، لكن كانت يضعون صورة للأسد والعلم [السوري]على السيارة. أوقفوا السيارة وأخذوا جواز سفري وأموالي وهاتفي وأمروا السائق بالذهاب. وضعوني في سيارتهم …لم أكن أدرك أنها عملية اختطاف حتى بدأوا بالتحدث إلى عائلتي … طلبوا من والدي 30 ألف دولار أمريكي وأعطوه عشرة أيام ليدفع المال …. تمكن والدي من جمع 15 ألف دولار فقط… قال [للخاطفين]، “إذا طلبتم المزيد، سأخبر الحكومة”. ضحكوا على ما قاله، وقالوا لوالدي، “نحن الحكومة، نحن كل شيء هنا”. أوضح والدي أنه لم يعد لديه نقود، وفي النهاية قبلوا [الـ 15 ألف دولار]. لم أعرف أين كنت. كانت عشرة أيام، من 13 إلى 23 أغسطس/آب 2020. تم تحويل الأموال إلى حساب مصرفي.[126]

تسليط الضوء على درعا

تحتل درعا مكانة خاصة في تاريخ سوريا المضطرب الحديث كموقع لأولى الاحتجاجات – التي قُمعت بوحشية – في مارس/آذار 2011 والتي أشعلت الانتفاضة في البلاد. ظلت درعا تحت سيطرة المعارضة حتى 2018، عندما شن التحالف العسكري السوري الروسي حملة قصف جوي مدمرة أدت إلى نزوح أكثر من 270 ألف مدني.[127] على عكس المناطق الأخرى التي أعادت الحكومة السورية السيطرة عليها، انتشرت في هذه المناطق اتفاقيات المصالحة بوساطة روسية، وصفقات مضمونة بين القادة المناهضين للحكومة والحكومة السورية. سمحت هذه الصفقات لمعظم المقاتلين المناهضين للحكومة بالبقاء وبحوزتهم أسلحتهم الخفيفة، وشملت عملية تدقيق لتبرئة الأشخاص من التهم من قبل أفرع المخابرات، وأجّلت التجنيد الإجباري ستة أشهر لأولئك الذين ما زالوا مطالبين بالخدمة في الجيش. في المقابل، كان على الأشخاص الذين اختاروا البقاء توقيع وثيقة تفيد بأنهم لن يشاركوا في أنشطة مناهضة للحكومة.

قال سكان سابقون وخبراء إن نتيجة هذه الصفقات كانت تقسيم محافظة درعا بين قوى أمنية مختلفة، بما في ذلك الجيش وقوات الدفاع الوطني، وفروع استخباراتية مختلفة، وفرقة خامسة تم تشكيلها حديثا وتتكون من أعضاء سابقين في الجيش السوري الحر.

قال من أجريت معهم المقابلات لـ هيومن رايتس ووتش إنه في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار المدعوم من روسيا في 2018، ورغم قيام مقاتلين من المعارضة “بتسوية وضعهم” مع الحكومة أو السماح لهم بالمرور الآمن إلى إدلب كجزء من هذا الاتفاق، استمر استهداف جماعات وأفراد المعارضة. وظل عدم الاستقرار العام قائما. قال أشخاص قابلناهم من درعا لـ هيومن رايتس ووتش إن عناصر من قوات الأمن السورية والميليشيات الموالية للحكومة وجماعات المعارضة شاركوا في عمليات قتل واختطاف محددة الهدف، وأن الحياة في درعا يشوبها إحساس شديد بعدم الأمان والخوف، مع فرض قيود على الحركة بعد غروب الشمس. عاد رشاد (32 عاما) وهو من أم الميادين في درعا، في شباط/فبراير 2020 من الأردن لأنه أراد رؤية أسرته مرة أخرى:

الوضع الأمني سيء جدا. كل صباح ترد أنباء عن اغتيالات وخطف. نرى الجثث في الشوارع ولا أحد يعرف من هي العائلة ليخبرهم بوفاة قريبهم. نبقى في بيوتنا في المساء، كلنا خائفون. لا يوجد حظر تجول، لكننا نخاف من الخروج. الحاجز على حدود البلدة للمخابرات العسكرية. يقوم [الضباط] بإصدار التصاريح الأمنية إذا أراد الناس مغادرة ودخول المنطقة ويقومون بمضايقتنا. عندما بدأ الناس في العودة إلى البلدة – من نازحين ولاجئين – كان ضباط المخابرات العسكرية عند الحاجز يأخذون رشاوي للسماح للناس بالدخول إلى البلدة. البلدة يسيطر عليها النظام. يمكنني التنقل بحرية نسبيا داخل البلدة وخارجها لأن لدي وثيقة تفيد بأني لست بحاجة للخدمة [في الجيش] بينما على الأشخاص الآخرين الذين تجب عليهم الخدمة تجنب نقاط التفتيش.[128]قال عدنان (59 عاما) من بلدة المزيريب في درعا، والذي غادر الأردن في يناير/كانون الثاني 2019: “لا نعرف من الذي ينفذ الاغتيالات، لكننا نعلم أنهم مع النظام. يستهدفون أعضاء من الجيش [السوري] الحر. يأتون على دراجات نارية وينفذون الاغتيالات ووجوههم مغطاة ثم يفرون”.[129]

عادت هدى، أرملة (50 عاما) من أم الميادين في درعا، من الأردن إلى سوريا مع عائلة ابنها في يوليو/تموز 2020، حيث لم يعد ابنها قادرا على إعالة أسرته التي تعيش في الأردن.[130] عمل ابنها مع الجيش السوري الحر لمدة شهرين في 2013 قبل أن يلجأ مع والدته إلى الأردن:

عندما وصلنا [هدى  وابنها وعائلته] إلى درعا، كان منزلنا مدمرا. مكثنا في منزل عمي حوالي شهرين إلى ثلاثة أشهر … في ديسمبر/كانون الأول 2020 كان الجو باردا جدا. كان ابني يجلس أمام باب المنزل مع أبناء عمومته. دعوتهم إلى الداخل ليتدفؤوا. كانوا يمازحونني. بينما كنت أحضر الشاي، سمعت صوت رصاصة. ذهبت لأرى ما حدث. وجدت ابني ممددا على الأرض ميتا. قال أبناء عمومته إن [أفراد] المخابرات العسكرية هم من أتوا وأطلقوا النار عليه. كان عمره 30 عاما عندما قُتل.لم أر شيئا، لكن بعد الجنازة، جاء جارنا إلى منزلنا وأخبرني أن المخابرات العسكرية هي من فعلت ذلك، وأن ابني لم يكن الوحيد، بل قُتل الكثير من الرجال من الجيش [السوري] الحر على يد المخابرات العسكرية. اغتاله رجلان على دراجة نارية. أخبرني جاري وأبناء عم ابني بهذا. كانوا يرتدون أقنعة سوداء. أصيب برصاصتين في رأسه، وأربعة في صدره، واثنتين في ركبته اليمنى. لم يقل الرجال أي شيء عندما أطلقوا النار عليه. جاؤوا بسرعة وهربوا بسرعة.[131]فرضت الحكومة السورية وحليفتها الروسية، في 24 يونيو/حزيران 2020، حصارا على مدينة درعا البلد، ومُنع دخول المواد الغذائية وغيرها من الاحتياجات الأساسية وقُطعت الكهرباء والمياه بشكل متقطع. كما قطعت الحكومة شوارع رئيسية تربط مناطق سيطرة الجماعات المناهضة للحكومة ببقية محافظة درعا. رُفِع الحصار في 9 سبتمبر/أيلول 2021. لا يزال الوضع الأمني في المحافظة غير مستقر.

 

 

 

المصالحة والتصاريح الأمنية وقوائم “المطلوبين”

وصف العائدون مجموعة من عمليات التدقيق التي طُلب منهم إجراؤها قبل عودتهم إلى سوريا وبعدها، بما في ذلك “المصالحة” مع الحكومة، والتحقق من أسمائهم على قوائم “المطلوبين”، والحصول على تصريح أمني. في حين تبدو هذه الإجراءات منفصلة، إلا أن العائدين قالوا لـ هيومن رايتس ووتش أنه لم يكن من الواضح دائما ما إذا كان هناك فرق بينها.

رغم خضوع معظم الأشخاص الذين تمت مقابلتهم لواحد أو كل هذه الإجراءات، إلا أنهم واجهوا الاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى عند عودتهم إلى سوريا.

المصالحة: على الراغبين في العودة إلى سوريا، وخاصة العائدين من مناطق المعارضة أو المعارضة السابقة، أو الذين غادروا البلاد دون وثائق أو إذن رسمي، “تسوية أوضاعهم” والتوقيع على ما يسمى بوثيقة “المصالحة”، والتي، وبحسب تقرير “الرابطة السورية لكرامة المواطن”، تتحدث عن “معالجة وضع السوريين الذين غادروا البلاد بشكل غير قانوني، بسبب الظروف الحالية وطلب تسوية وضع التجنيد أو أي مشاكل أمنية أخرى، بغض النظر عن الظروف التي أجبرتهم على المغادرة”.[132]

أوضحت “مفوضية اللاجئين أيضا أن “تسوية الوضع” تتضمن عملية تدقيق من قبل الأجهزة الأمنية تستعرض “أنشطة المعارضة السابقة للأفراد مثل المشاركة في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، والأنشطة الإنسانية، والقتال مع الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة، أو غيرها من الأنشطة التي تعتبرها الحكومة ’إرهابية‘”.[133] وتضيف المفوضية أن العائدين الذين يسعون إلى تسوية أوضاعهم مطالبون بالتعهد بالامتناع عن أي أنشطة للمعارضة في المستقبل.[134]

سهيل الغازي، باحث سوري، أخبر هيومن رايتس ووتش إنه بينما كانت عملية المصالحة في الأصل مخصصة للعائدين إلى المناطق المستعادة، فإن الواقع هو أن معظم العائدين يجبرون على تسوية أوضاعهم وتقديم معلومات شخصية للحكومة:

إذا قال الشخص “لقد غادرت بشكل غير قانوني”، تقول [السلطات السورية] على الفور، “تحتاج إلى تسوية وضعك وإجراء المصالحة”. إذا قال الشخص، “لقد غادرت بشكل قانوني بجواز سفري”، فسيقولون في الغالب، “ومع ذلك يتعين عليك تسوية وضعك وإجراء المصالحة”. لم يعد يهمهم ما إذا كنت ستعود إلى منطقة مستعادة أو منطقة مصالحة.[135]

كان على جميع الأشخاص الذين تمت مقابلتهم وعادوا من الأردن إلى سوريا عبر المعابر الحدودية الرسمية في جابر/نصيب تسوية أوضاعهم من خلال وثيقة مصالحة – مصطلحان يستخدمان بالتبادل – في السفارة السورية في عمّان. اضطر معظم الرجال الذين تمت مقابلتهم والذين عادوا عبر جابر/نصيب إلى “المصالحة” (تسوية أوضاعهم) مع الحكومة عند نقطة التفتيش الحدودية السورية وفي السفارة. وطُلب من امرأة واحدة فقط عبرت نقاط التفتيش هذه أن تكمل إجراءات المصالحة.

التصاريح الأمنية وقوائم “المطلوبين”: التصريح الأمني هو تدقيق أمني تتحقق من خلاله السلطات السورية من اسم الشخص لمعرفة ما إذا كان يعتبر تهديدا أمنيا أو مدرجا في قائمة “المطلوبين” لأي مؤسسة أمنية. يمكن للأفراد أيضا القيام بإجراءات التدقيق الأمني بأنفسهم، عن طريق الدفع لوسيط، في الغالب سمسار، للتحقق مما إذا كان اسم ما مدرج على القائمة. قال سهيل الغازي لـ هيومن رايتس ووتش:

يرسل [الشخص] صورة من هويته ويقوم الوسيط بالتحقق من الاسم. وهو نوع من إجراءات التدقيق الأمني؛ يأخذ هذا الوسيط المال مقابل الخدمة. الوسيط يعمل لحساب النظام. ثم يقول الوسيط، “أنت بحاجة إلى دفع المال لتبرئة اسمك. سأقوم بحمايتك. إذا فعلت [السلطات] أي شيء معك، سوف أخرجك. لكن هذا لا يضمن عدم خضوع الشخص لاستجواب أمني”.[136]

قال وليد النوفل، مراسل مستقل، “التصريح الأمني غير قانوني ويقوم معظم الناس بدفع المال لشخص ما للتحقق من أسمائهم في القوائم. لا توجد قاعدة بيانات مركزية لقوائم “المطلوبين”؛ إذا أجريت تدقيقا أمنيا واحدا، فلن يشمل بالضرورة جميع الأجهزة. حصل بعض الأشخاص على تصريح أمني، ثم يقدم الناس تقارير عنهم، فيُلقى القبض عليهم”.[137]

أكد محام سوري مقيم في درعا الطبيعة غير القانونية للتصاريح الأمنية وعملية المصالحة، معتبرا أنها تنتهك الدستور السوري. وعزا ذلك إلى جذوره السياسية:

بدأت المصالحة كمعاهدة بين النظام والمعارضة داخل سوريا. كانت مدعومة من قبل الروس، لكن الروس لم يلتزموا بما وعدوا به. المصالحة كانت لوقف ملاحقة الأجهزة الأمنية للناس على ما فعلوه قبل 2018، لكن ما حدث هو استمرار النظام في البحث عن الأشخاص والتحقيق معهم. لم يحاسب الروس النظام على الطريقة التي استمر بها في ملاحقة الأشخاص الذين “تصالحوا”.[138]

في يوليو/تموز 2018، صرح جميل حسن، رئيس المخابرات الجوية، في اجتماع خاص نقلته إحدى وسائل الإعلام الموالية للمعارضة أن هناك ثلاثة ملايين اسم على قوائم المطلوبين في سوريا، يمثلون 12.5% من عدد السكان قبل الحرب.[139] بالإضافة إلى المطلوبين للتجنيد العسكري، يُقال إن قوائم المطلوبين تشمل الأشخاص الذين يُعتقد أنهم شاركوا في أنشطة ذات صلة بالمعارضة، والتي تتراوح من الاحتجاج إلى العمل في وسائل الإعلام أو المنظمات غير الحكومية، إضافة إلى نشطاء حقوق الإنسان والمسؤولين الإداريين المحليين في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة.

قالت ياسمينة (40 عاما)، من بصر الحرير في درعا، لـ هيومن رايتس ووتش إنها عادت إلى سوريا مع أطفالها فقط دون زوجها لأنه رغم إكماله خدمته العسكرية، إلا أن اسمه يرد في “قوائم المطلوبين”، حيث تبيّن أنه مطلوب من قبل الجيش السوري.[140]

قال سهيل الغازي لـ هيومن رايتس ووتش إنه بينما قد تكون هناك قاعدة بيانات مركزية لقوائم المطلوبين، تحتفظ أفرع المخابرات المختلفة بقوائمها الخاصة: “منذ 2011، توجد أجهزة كمبيوتر في نقاط التفتيش حيث يكتب [رجال الأمن في نقاط التفتيش] اسم الشخص ويقبضون عليه إذا ظهر اسمه”.[141]

قالت مفوضية اللاجئين في تحديث أصدرته في مارس/آذار 2021، أنه على عكس التصريحات الرسمية التي ترحب بعودة اللاجئين، “ورد أن المسؤولين الحكوميين وجهوا تهديدات علنية للاجئين، مشيرين إلى أن أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم غير موالين للحكومة غير مرحب بهم”.[142]

قال جميع اللاجئين العائدين من الأردن إلى سوريا الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إنهم حصلوا على تصريح أمني من السفارة السورية في عمّان. أكمل أحد الأشخاص الذين تمت مقابلتهم من لبنان “تصريحا أمنيا” تم تنظيمه من خلال عملية الإعادة التي تشرف عليها مديرية الأمن العام قبل العودة. أما بقية الذين تمت مقابلتهم من لبنان، فقد استخدموا طرق التهريب للعودة إلى سوريا.

قال من أجريت معهم المقابلات لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تأكدوا من ورود أسمائهم على قوائم المطلوبين في مناطقهم الأصلية قبل عودتهم إلى سوريا. رغم إجراء عمليات التدقيق التي لا تعد ولا تحصى، واجه العائدون انتهاكات واضطهاد عند عودتهم إلى سوريا.

حسن (61 عاما) من حمص، يخضع لغسيل الكلى، قرر العودة من لبنان بعد أن رُفض طلب زوجته للحصول على الإقامة عن طريق كفيل. غادرت قبله في مايو/أيار 2019 ودققت اسمه في قوائم المطلوبين:

ذهبت زوجتي إلى سوريا في مايو/أيار 2019 وسألت عني لدى الأجهزة الأمنية السورية. قالوا جميعا إنه لا يوجد لدي سجل وأنه يمكنني العودة بأمان. في ديسمبر/كانون الأول 2019، غادرت [المعبر الحدودي اللبناني الرسمي، “المصنع”] ووصلت إلى نقطة الدخول الحدودية السورية. على الفور، أخذني حرس الحدود السوريون إلى غرفة صغيرة، وقالوا إنني مطلوب من قبل “فرع فلسطين”.[143]

قال حسن إن حرس الحدود السوريين أخذوا هويته وحذاءه وأمواله، وتركوه في غرفة مساحتها متر واحد دون كرسي ست ساعات، وأخبروه أنه سيُقتاد للتعذيب. “قلت لهم إنني مريض … طلبت كرسيا، لكنهم رفضوا. أغمي عليّ بعد ست ساعات”. في النهاية، سُمح لحسن بمغادرة نقطة التفتيش الحدودية السورية بعد دفع رشوة لحرس الحدود السوري وعاد إلى لبنان. يعيش الآن بمفرده في طرابلس، دون إقامة قانونية، بينما تعيش زوجته وابنته في سوريا.[144]

لا يوجد إجراء قانوني واضح للاجئين السوريين للتحقق مما إذا كانوا “مطلوبين” داخل سوريا أو للحصول على تصريح أمني موثوق من خلال السلطات. حادت عملية المصالحة عن هدفها الأصلي المتمثل في السماح لمقاتلي المعارضة بتسوية أوضاعهم مع الحكومة، وتحولت إلى عملية بيروقراطية خبيثة أخرى للحكومة السورية لجمع المعلومات عن مواطنيها كوسيلة للترهيب وقمع المعارضة والسيطرة. رغم التأكيدات، إلا أن هذه الإجراءات غير القانونية لا تحمي أي من العائدين من الاضطهاد.

 

الحياة داخل سوريا

مبدأ عدم الإعادة القسرية هو أساس القانون الدولي للاجئين: لا يمكن إعادة أي شخص إلى مكان تتعرض فيه حياته أو حريته للتهديد بسبب معتقداته أو هويته. يوفر القانون الدولي لحقوق الإنسان حماية أوسع ضد الإعادة القسرية إلى الأماكن التي قد يواجه فيها العائدون تهديدات للحياة أو الحرية أو السلامة الجسدية. وثقت هيومن رايتس ووتش الظروف الاقتصادية والإنسانية، بما في ذلك تدمير الممتلكات على نطاق واسع داخل سوريا، والتي يمكن أن تهدد في مجملها حقوق العائدين في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة. بالإضافة إلى حماية السوريين من العودة لمواجهة العنف والتعذيب والاضطهاد، تدعو هيومن رايتس ووتش جميع الدول التي تستضيف السوريين إلى وقف جميع عمليات الإعادة القسرية إلى سوريا بسبب الظروف اللاإنسانية والمهينة التي من المرجح أن يواجهها العائدون، والتي يمكن أن تهدد حقوقهم في الحياة والحرية والسلامة الجسدية.

تدمير الممتلكات

في يناير/كانون الثاني 2021، تحدث فيكتور فيلاسكو، مدير مكتب “المجلس الدنماركي للاجئين”، عن حجم الدمار المادي في سوريا، قائلا: “لقد عملت في القطاع الإنساني في أكثر من 20 دولة، ولم أر شيئا كهذا أبدا”.[145] يعود الدمار واسع النطاق في جزء كبير منه إلى آلاف الضربات الجوية غير القانونية والعشوائية، بما في ذلك على البنية التحتية المدنية المحمية بموجب القانون، من قبل القوات الحكومية السورية، بدعم من حلفائها، روسيا وإيران. كما شنّ التحالف الدولي المناهض لداعش بقيادة الولايات المتحدة العديد من الضربات في شمال شرق سوريا، بما في ذلك هجمات عشوائية وغير قانونية على ما يبدو راح ضحيتها مدنيين.

ذكرت مفوضية في تحديثها الصادر في مارس/آذار 2021 أن “الدمار واسع النطاق وتدمير المدن والبلدات والأحياء في المناطق المستعادة، ونقص إعادة الإعمار، هي عقبات أخرى أمام العودة، حيث لا زالت بعض المناطق خالية من السكان إلى حد كبير”.[146] استُهدفت المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة على وجه التحديد بانتهاكات حقوق الأراضي والممتلكات، بحسب إحاطة سياسات قامت به منظمة “باكس فور بيس” في مارس/آذار 2020. أشارت هذه الإحاطة إلى أن مصادرة الممتلكات من خلال إجراءات قانونية هي من بين الوسائل التي تستخدمها السلطات لانتهاك حقوق السكن والأرض والملكية.[147]

بالإضافة إلى التدمير الواسع للمنازل والبنية التحتية، سبق لـ هيومن رايتس ووتش أن وثقت قيام الحكومة السورية بسنّ قوانين وسياسات لمصادرة الممتلكات دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة أو التعويض، مما يمنع اللاجئين من العودة. وتشمل هذه القوانين “القانون 10 لعام 2018″، الذي يسمح ظاهريا للحكومة بمصادرة الممتلكات وتطويرها، و”قانون مكافحة الإرهاب لعام 2012″، الذي استخدمته الحكومة لمعاقبة عائلات بأكملها من خلال وضعها بشكل تعسفي على قائمة الإرهابيين المزعومين وتجميد أصولهم.[148] في يناير/كانون الثاني 2021، أفادت لجنة التحقيق بشأن سوريا بما يلي:

صدر ما لا يقل عن 40 قانونا يتعلق بالسكن والأرض والممتلكات منذ 2011، مما يشير إلى وجود توجه منهجي لإعادة تنظيم إدارة حقوق الملكية في الجمهورية العربية السورية، مع ما يثيره ذلك من مخاوف بشأن قدرة جميع السوريين ذوي المصالح العقارية، لا سيما السكان النازحين واللاجئين، على تأمين حقوقهم.[149]

في التقرير نفسه، ذكرت اللجنة أن 11.5 مليون شخص قد نزحوا بسبب النزاع، واستشهدت بمصادر عديدة حول حجم الأضرار التي لحقت بالممتلكات:

قدّر “برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية” (موئل الأمم المتحدة) في آخر تحديث عام له، في سنة 2016، عدد الوحدات السكنية المتضررة في المدن السورية بـ 760 ألف وحدة. وفي 2017، قدر البنك الدولي أن المساكن دمرت بنسبة 7% وتضررت بنسبة 20%، وفي دراسة استقصائية أُجريت في 2019 للأضرار الناجمة عن النزاع شملت 16 مدينة وبلدة، حدد عدد المباني المتضررة أو المدمرة بأكثر من 125 ألف مبنى.[150]

من بين 65 شخص عادوا من لبنان والأردن قابلتهم هيومن رايتس ووتش، 39 منهم وجدوا منازلهم في سوريا مدمرة جزئيا أو كليا أو نُهبت، حيث سرقت أدوات منزلية مثل الأثاث وأدوات المطبخ والأسلاك الكهربائية وأنابيب السباكة. لم يستطع الكثيرون تحمل تكاليف التجديد، واضطروا للعيش في منازل أقاربهم أثناء محاولتهم إعادة بناء منازلهم. معظم الأشخاص الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش لم يتمكنوا من تجديد كامل المنزل وحصروا الأشغال في غرفة أو غرفتين وعاشوا في هذه المساحات المحدودة التي أعيد بناؤها. قال الجميع إن الحكومة السورية لم تقدم أي دعم.

عندما عاد ياسر إلى حمص في ديسمبر/كانون الأول 2019 وجد منزله مدمرا بالكامل:

شعرت بالرعب في الليلة الأولى. المنزل مدمر. لم يكن لدينا كهرباء وفي الليل سمعنا أشخاصا يمرون بالقرب من المكان ويطلقون النار في الهواء لترويع الناس. لم يكن هناك أي شخص تقريبا في بلدتنا. دُمر منزلنا بالكامل. لم تنجُ أي غرفة من الدمار. عشنا في الخارج، لم يكن هناك مكان نبقى فيه داخل المنزل.[151]

عندما لم يتمكن الطبيب يونس (30 عاما)، من العثور على وظيفة طبية في الأردن أو لبنان، عاد إلى مسقط رأسه في سوريا، درعا البلد، لتقديم خدماته هناك. لم يكن يتوقع حجم الدمار عند عودته:

لم أصدق ما حصل للمنطقة عندما وصلت. لقد دُمرت تماما. لا يمكن العيش هناك. دخلت منطقة تسمى الوادي. كان الناس مكتئبين ومنهكين. بدأت بالبكاء. لم تُصور وسائل الإعلام المنطقة على هذا النحو. عندما توقفت سيارة الأجرة على الطريق، لم أعرف كيف أذهب إلى منزلي. اضطررت إلى الاتصال بوالدي ليأتي ويصحبني لأنني لم أعرف الطريق رغم أنني عشت هناك 20 عاما.[152]

قادر (57 عاما) من بصر الحرير في درعا، قرر العودة من الرمثا في الأردن إلى سوريا لأنه لم يعد قادرا على تحمل تكاليف المعيشة في الأردن. قبل الحرب كان يتمتع بمستوى معيشي لائق في سوريا كبائع سيارات. عندما عاد، لم يستطع العيش في أي من المنزلين اللذين كان يملكهما قبل الحرب:

دُمِّر المنزلان ونُهبا. سرقت المخابرات الجوية وميليشيا النمر كل شيء من منازلنا. هذه هي القوات التي دخلت المنطقة [في درعا]. حتى الأبواب والنوافذ أخذوها. نعيش الآن في منزل مستأجر. ولا نشعر بالأمان.[153]

عاد زوج حليمة إلى الغوطة وحده في فبراير/شباط 2019. ومنعته السلطات من استعادة منزله وأجبرته على تقديم طلب عبر مكتب للمخابرات ودفع جميع فواتير الخدمات. قالت: “أُجبِر على سداد جميع فواتير المنزل، رغم أننا لم نسكن المنزل منذ سنوات وقد قطنه أشخاص آخرون”.[154]

اعتُقل زوج حليمة في وقت لاحق عند نقطة تفتيش وتوفي في الحجز.

ترتكز “مبادئ بينهيرو”، وهي مجموعة متفق عليها على نطاق واسع من مبادئ الأمم المتحدة بشأن رد المساكن والممتلكات للاجئين والنازحين، على فكرة أنه “لا يجب للأشخاص الذين نزحوا نتيجة قوى خارجة عن سيطرتهم أن يواجهوا احتمال فقدانهم حقوق السكن أو الأرض أو الملكية لمجرد أنهم أجبروا على المغادرة بعنف أو فروا بطريقة أخرى من وضع غير آمن طلبا للحماية”.[155] رغم أن مبادئ بينهيرو غير مُلزمة، إلا أنها تدعم الحق في استرداد المساكن والممتلكات باعتباره “أساسيا لإنهاء النزوح”. تشمل المبادئ تدابير حماية إضافية تنطبق في هذه الحالة، بما في ذلك الحماية من التمييز تجاه العائدين، وتشترط ألا يكون التشريع المتعلق بالإسكان والأرض واسترداد الأملاك تمييزيا وأن يكون شفافا ومتسقا. تضمن المبادئ أيضا المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء، والمساواة بين الفتيان والفتيات في الحق في السكن. إذا حُرِم اللاجئ أو النازح من ممتلكاته بشكل غير قانوني أو تعسفي، تنصّ مبادئ بينهيرو تنص على أنه يحق له تقديم مطالبة باسترداد الأملاك من هيئة مستقلة ومحايدة.

ينص المبدأ 12 من مبادئ بينهيرو على أنه “ينبغي للدول أن تضع إجراءات ومؤسسات وآليات عادلة ومناسبة في توقيتها ومستقلة وشفافة وغير تمييزية وأن تدعمها بهدف تقييم المطالبات المتعلقة برد المساكن والأراضي والممتلكات وإنفاذ هذه المطالبات… على نحوٍ منصف وآني”، و:

في حال تعطل سيادة القانون بشكل عام أو عندما تعجز الدول عن تنفيذ الإجراءات والمؤسسات والآليات اللازمة لتيسير عملية رد المساكن والأراضي والممتلكات على نحوٍ منصف وفي الوقت المناسب، ينبغي للدول أن تطلب المساعدة والتعاون التقنيين من الوكالات الدولية ذات الصلة بغية وضع أنظمة مؤقتة تتيح للاجئين والمشردين الإجراءات والمؤسسات والآليات الضرورية لضمان سبل انتصاف فعالة فيما يتعلق بالاسترداد.[156]

تماشيا مع مبادئ بينهيرو والقانون الدولي لحقوق الإنسان، على الحكومة السورية إنشاء آلية لاسترداد الأراضي والممتلكات التي تنص على الاستعادة الكاملة والعادلة للممتلكات أو تعويض جميع السكان المتأثرين بقضايا الأراضي والممتلكات. يجب أن تكون آلية استرداد الأراضي والممتلكات موضوعية وواضحة وسهلة المنال وشفافة ولا تميز على أساس مكان التهجير أو النزوح سواء خارج سوريا أو داخلها، أو وفقا للسن أو الوضع الاجتماعي الاقتصادي أو الجنس أو الإعاقة أو الآراء السياسية، أو الجنسية التي يحملها الشخص، أو الدين. لا ينبغي أن يكون الحق في استرداد المسكن والممتلكات مشروطا بالعودة الفعلية للشخص الذي نزح من منزله أو مكان إقامته المعتاد.

دمار اقتصادي

وفقا لتقرير المجلس النرويجي للاجئين الصادر في مارس/آذار 2021، أشار ما يقرب من 20% من النازحين السوريين داخليا إلى التدهور الاقتصادي كعامل رئيسي دفعهم للنزوح. أشار المجلس النرويجي للاجئين إلى أن 32% من الذين نزحوا في يناير/كانون الثاني 2021 قالوا إن ذلك يرجع إلى نقص الوصول إلى الخدمات الأساسية، وقال 28% إن ذلك يرجع إلى التدهور الاقتصادي.[157]

حتّى فبراير/شباط 2021، كان ما لا يقل عن 12.4 مليون سوري، من بين ما يقدر بنحو 16 مليون نسمة، يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وفقا لبرنامج الأغذية العالمي، بزيادة مقلقة قدرها 3.1 مليون في عام واحد.[158] تقدر “منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة” (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي أن 46% من الأسر السورية قللت من حصصها الغذائية اليومية، وخفض 38% من البالغين استهلاكهم لضمان حصول الأطفال على ما يكفي من الطعام.[159] أفاد برنامج الأغذية العالمي في أكتوبر/تشرين الأول 2020 أن “النازحين والعائدين … أبلغوا عن مستويات أمن غذائي تقل عن المستويات لدى الفئات الأقل ضعفا في سوريا”.[160]

في مارس/آذار 2021، أفادت هيومن رايتس ووتش أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، إلى جانب التدمير الكبير للبنية التحتية على مدى عقد من النزاع، أدت إلى نقص حاد في القمح.[161] أدى تقاعس الحكومة السورية عن معالجة أزمة الخبز، الناجمة عن عقد من الصراع المسلح، بشكل عادل وملائم إلى جوع ملايين السوريين.

واجه العديد ممن تمت مقابلتهم أثناء إعداد هذا التقرير ظروفا اقتصادية مدمرة عند عودتهم إلى سوريا وكافحوا من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية والوصول إلى الخدمات. قالت كريدة (32 عاما)، امرأة من الغوطة الغربية عادت من لبنان إلى سوريا في نهاية 2019 مع أسرتها، لـ هيومن رايتس ووتش إن عائلتها لم تتمكن من دفع الإيجار أو الخدمات لتدفئة منزلها، ووصلوا إلى مرحلة لم يعد بإمكانهم شراء الخبز:

طُردنا في النهاية لأننا لم نتمكن من دفع الإيجار. انتقلنا إلى منزل جدتي، مع ذلك بالكاد بقينا على قيد الحياة. لم يكن لدينا طعام ولم نستطع تحمل نفقات المواصلات. كل شيء يغلق في 4 مساء. كنت أخاف من الخروج بعد ذلك. لم يكن هناك كهرباء. لم نتمكن من العثور على خبز نأكله. كانت هناك طوابير للخبز … كان سعره ألف ليرة سورية (1.58 دولار)[162]، وهو أكثر مما يحصل عليه زوجي في يوم عمل واحد. طلبت من زوجي النظر في استئجار منزل خارج داريا، لكن الإيجار كان مرتفعا للغاية (حوالي 150 ألف ليرة سورية أو 237 دولار) … كنت أقول لزوجي، “لماذا أحضرتنا إلى هنا، لا يوجد شيء هنا”… لم يكن هناك شيء للأطفال، لا دعم ولا تعليم.[163]

عادت كريدة في نهاية المطاف إلى لبنان مع أطفالها في 2020 لأنها لم تكن قادرة على استعادة حياة كريمة في سوريا وأرادت ضمان التعليم لأطفالها.

قالت سحر (47 عاما) من طريق السد في درعا، إنها عادت من الأردن إلى منزلها في سوريا مع زوجها لتكون قريبة من قبر ابنها. لكنها قالت إنه عند عودتها إلى منزلها في طريق السد، وهي منطقة معارضة، “لم أعرف المنطقة، لم أستطع تجديد منزلي لأنه دمر بالكامل”. انتقلت إلى منزل شقيقها لكنها لم تتمكن من تغطية نفقاتها:

حياتنا زي الموت، رغم أن الموت قد يكون أفضل. لا وقود ولا كهرباء ولا أشياء أساسية للعيش، ولا نحصل على أي شيء دون معاناة. أكثر ما يحزنني هو الأمهات اللواتي لا يجدن الحليب لأطفالهن، ولا يتمكن من الإرضاع لأنهن لا يتغذين جيدا.[164]

قالت سحر إن الناس يعيشون في خيام صنعوها بأنفسهم تمتد فوق منازلهم المدمرة، ويستخدمون بقايا البلاستيك والخشب لتدفئة خيامهم. قالت إن استنشاق الدخان السام يجعل الأطفال مرضى. قالت: “عندما يختنق الأطفال من رائحة الحريق، لا توجد مستشفيات في المنطقة”. قالت إن المستشفيات الوحيدة موجودة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.[165]

قابلت هيومن رايتس ووتش ميساء (76 عاما) من ريف دمشق، مع ابنتها صفاء. عادت ميساء إلى سوريا من لبنان عام 2018، وشرحت مدى فظاعة الوضع لدى عودتهم:

ميساء: عدنا إلى قريتنا الأصلية [في ريف دمشق]. كان الوضع مرعبا. كانت مدمرة تماما. لم يكن هناك كهرباء. كان النقل وكأنه قبل 70 عاما … دُمرت المنازل. كان الناس يحاولون تجديد منازلهم … لم تكن لدينا نوافذ وأبواب حقيقية. كان الجو باردا جدا وكان الناس يتجمدون في منازلهم. لم يكن هناك كهرباء. كنا نحصل على الكهرباء ساعة ثم تنقطع ست ساعات.صفاء: أمي كبيرة في السن. أخي لديه إعاقة نفسية اجتماعية ولا يستطيع العمل. لم أستطع صنع الخبز في المنزل. كان الخبز باهظ الثمن. يأتي غاز [الطهي] كل أربعة أشهر … كنا نحصل على سلال غذائية من الزيت والأرز والمعكرونة والزبدة والبرغل والحبوب والملح والسكر مرة كل ثلاثة أشهر. لم يكن ذلك كافيا. كانت تكفي لشهر فقط. لا نعرف اسم المنظمة التي كانت توزع السلال.[166]

عادت ميساء وصفاء إلى لبنان نهاية عام 2020 لعدم قدرتهما على تحمل تكاليف المعيشة داخل سوريا.

عادت رشا (57 عاما) من ريف دمشق أيضا، إلى مسقط رأسها في 2018، حيث سمعت أن الوضع قد تحسن داخل سوريا، وكانت تكافح من أجل البقاء في لبنان. لكنها لدى عودتها وجدت الحال هناك أسوأ بكثير:

سمعنا أن الوضع [في ريف دمشق] كان أفضل، لكن الوضع كان مروعا. كان الأمر صعبا لأننا بقينا في منزل زوج ابنتي في دير الزور وشعرنا أننا عبء ثقيل. لم نتمكن من البقاء في منزلنا لأنه دُمّر. كان هناك الكثير من الجدران المكسورة. حاولنا ترميم المنزل لكننا لم نستطع. لم يكن هناك كهرباء. كنا نغلي الماء لنشربه. لم يكن هناك متاجر، لا صيدليات، ولا مخابز. الخبز كان سيئا. حتى لو وجدنا عجينا، فيكون سيئا وسعره مرتفع جدا. اضطر زوجي وابنتي للذهاب إلى دمشق للحصول على الدواء لأولادي. كان عليهم انتظار الحافلات لساعات في اليوم. كان من المستحيل العثور على عمل في دمشق لأنه لم يكن هناك وسيلة نقل للذهاب إلى هناك، حافلة واحدة فقط[167].

الرشوة والابتزاز

يطلب عناصر من الأجهزة الأمنية السورية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة رشاوي مقابل المرور الآمن عبر نقاط التفتيش التي تسيطر عليها الحكومة. أشار تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية في فبراير/شباط 2020 إلى أن “مقاتلي الميليشيات الذين يديرون نقاط التفتيش المتمركزة على الطرق الاستراتيجية يفرضون رسوما غير قانونية على المسافرين وناقلي البضائع، ويأخذون رشاوي من الشباب عند التهديد بالتجنيد أو الاعتقال”.[168] قال من أجريت معهم المقابلات لـ هيومن رايتس ووتش إنهم دفعوا رشاوي تتراوح بين 500 وألف ليرة سورية (بين 0.40 و7.96 دولار أمريكي بحسب سعر الصرف الرسمي، وبين 0.14 و2.90 دولار أمريكي بحسب سعر الصرف غير الرسمي) بمتوسط يقارب 5 آلاف ليرة سورية (3.98 دولار أمريكي بحسب سعر الصرف الرسمي و1.44 دولار أمريكي بحسب سعر الصرف غير الرسمي).[169] قال من أجريت معهم المقابلات لـ هيومن رايتس ووتش إنه طُلب منهم في كثير من الأحيان دفع “حلوان”[إكرامية] عبور الحاجز بسهولة نسبية.

عاد داوود (49 عاما) من دمشق، إلى سوريا في سبتمبر/أيلول 2019 لمحاولة إعادة بناء حياة لنفسه والاستعداد لعودة أسرته التي بقيت في لبنان.

عندما كنت أضطر إلى المرور عبر نقاط التفتيش، كانوا [رجال الأمن عند الحاجز] يطلبون رشاوي للسماح لي بالمرور، مثلا، بين ألف وألفي ليرة سورية، وهو ما لا يبدو كثيرا، لكن كان عليّ المرور عبر الكثير من نقاط التفتيش. هناك الكثير من نقاط التفتيش … كانت الصعوبة أنني لم أعمل في نفس المكان واضطررت للذهاب إلى عدة أماكن مختلفة. اضطررت إلى الدفع عند نقاط التفتيش طوال الوقت … في بعض الأحيان كانوا يسمحون للناس بالذهاب عند الحاجز، لكن في أحيان أخرى يقومون باعتقال الأشخاص ويأخذونهم بعيدا ولا يعرف أحد مكانهم.[170]

وجدت هيومن رايتس ووتش أن الرشاوي تُفرض عادة عند نقاط التفتيش على الطريق من المعبر الحدودي بين الأردن وسوريا إلى درعا. يوجد على هذا الطريق ما يقرب من خمسة حواجز تسيطر عليها أجهزة أمنية مختلفة. يتجنب اللاجئون العائدون من لبنان نقاط التفتيش هذه بدفع المال للمهربين لتفاديها.

جواد (49 عاما) من تل شهاب في درعا، عاد مع عائلته إلى درعا من إربد في الأردن في أغسطس/آب 2020. كان أبناؤه يعملون في الأردن للمساعدة في إعالة الأسرة وأراد إعادتهم إلى المدرسة في سوريا. سمع أن الوضع هدأ ولم يعد هناك اشتباكات مباشرة:

لم تكن طريق عودتنا إلى درعا سهلة. كل نقطة تفتيش [من حاجز نصيب إلى درعا] كانت تطلب منا أموالا، بين 500 وألف ليرة سورية. كانت الحواجز تابعة للأمن العسكري، والقوات الجوية، والأمن السياسي، والفرقة الرابعة. تعرضنا للإهانة وقال [ضباط الأمن] إن البلد فقط لمن يحبون الأسد. شتمونا. قالوا: إن لم تدفع، فسوف نؤذيك أنت وعائلتك. وضع أحد العسكريين يده في جيبي وأخذ كل أموالي. أكثر نقاط التفتيش وحشية كانت التابعة للفرقة الرابعة. أجبرونا على دفع أكبر قدر من المال. الرجل الذي أخذ المال من جيبي كان من الفرقة الرابعة.[171]

بالإضافة إلى الرشاوي غير الرسمية وغير القانونية التي يتم انتزاعها عند نقاط التفتيش، تصر الحكومة السورية على أنه على كل سوري يدخل سوريا تصريف 100 دولار أمريكي بالليرة السورية بسعر الصرف الرسمي.[172] وضعت السياسة في يوليو/تموز 2020، ظاهريا لمساعدة الحكومة على تجديد احتياطاتها من العملات الأجنبية وسط أزمة اقتصادية غير مسبوقة.[173] لكنها في الواقع أضافت عقبة أخرى أمام عودة السوريين.[174]

أُلغِيت هذه السياسة جزئيا في أوائل أبريل/نيسان 2021 لإعفاء النازحين.[175] وثقت هيومن رايتس ووتش أيضا حالات أجبر فيها العائدون على تقديم 100 دولار أمريكي عن كل فرد عند عبور معبر نصيب الحدودي، ولم يحصلوا على ما يعادلها بالليرة السورية. قال رشاد، (41 عاما) من طفس في درعا، عاد إلى سوريا من عمّان مع زوجته وأطفاله الثلاثة في سبتمبر/أيلول 2020، إن حرس الحدود السوريين طلبوا منه 500 دولار عند معبر نصيب. “لم يكن هذا المبلغ لتصريفه [بالليرة السورية] بل كان لهم، لكنني لم أمانع طالما سمحوا لي بدخول سوريا”.[176]

الدفع للحصول على معلومات حول المفقودين

قال من أجريت معهم المقابلات لـ هيومن رايتس ووتش باستمرار إنهم اضطروا لدفع مبالغ طائلة للموظفين الحكوميين، بمن فيهم قضاة وضباط أمن رفيعو المستوى، للحصول على معلومات عن أفراد الأسرة المحتجزين. في أبريل/نيسان 2021، حقق موقع “حكاية ما انحكت”، وهو موقع إلكتروني إعلامي مستقل، في ممارسة ابتزاز عائلات المعتقلين والمحتجزين من قبل أفراد الأجهزة الأمنية وقواتها:

كانوا أمام خيارين، إما دفع أموال بشكل مباشر أو عبر وسطاء إلى أشخاص في سلك الأمن لجلب معلومات عن مكان المحتجز وحالته، أو الانتظار على أمل أن ينجو معتقل ما، فيحصلون منه على خبر عن مكان ابنهم أو ابنتهم.[177]

أكد محام سوري هذه الممارسة: “يدفع معظم الناس كل ما لديهم للحصول على المعلومات. المعلومات التي يحصل عليها الناس من رجال الأمن [السوريين] ليست دقيقة بالتأكيد. مثلا، يتم إخبار الأشخاص بأن أحد أفراد أسرتهم قد مات ثم يكتشفون أن الأمر ليس كذلك؛ والعكس يحدث أيضا”.[178]

قال سلام لـ هيومن رايتس ووتش إنه دفع أموالا لموظفين كبار في مختلف الأجهزة الأمنية لمعرفة معلومات عن شقيقه كريم. باع والده أراضيه الزراعية حتى تتمكن الأسرة من تحمل مطالب الدفع مقابل الحصول على معلومات:

كنا نلتقي [كبار ضباط الأمن السوريين] في الأماكن العامة وندفع لهم المال. دائما بالدولار. بعنا اثنتين من أراضينا الزراعية لنتمكن من الدفع. ذات مرة طلبوا منا ألفي دولار أمريكي، لكن بعد ذلك توقف [ضابط الأمن الكبير] عن إعطائنا معلومات وقال: “توقف عن التحدث إليّ وإلا سنضعك في السجن مع ابنك”. أخيرا، أخبرنا أحد المسؤولين أن شقيقنا كان في فرع فلسطين [الفرع 235]. كان يريد 8 آلاف دولار ليخبرنا إذا كان [أخي] على قيد الحياة أم لا. باع والدي مزرعة أخرى بمبلغ 8 آلاف دولار ودفع لهذا الرجل، وبعد أسبوع جاء الرجل وسلم بطاقة هوية أخي وساعته وخاتمه للعائلة وأخبرنا أن كريم قد مات.[179]

دفعت والدة ياسر عشرات آلاف الدولارات لكبار ضباط الأمن وأشخاص يعملون في القضاء في محاولة لتأمين إطلاق سراح ابنها من الاحتجاز. قال ياسر: “المبلغ الإجمالي [الذي دفعته والدتي] هو 70 ألف دولار”. دفعت أموالا للكثير من الأشخاص، وأجهزة الأمن، والمحامين. شعرت والدتي أنها “أعادت شراء” ابنها”. قال ياسر إنه مثل أمام محكمة مكافحة الإرهاب في دمشق وسلمت والدته لمحاميها 45 ألف دولار بعد أن أخبرها أن القضاة طلبوا هذا المبلغ. قال محام سوري لـ هيومن رايتس ووتش إن محكمة مكافحة الإرهاب التي أُنشئت في 2012 مشهورة بقبولها وطلبها دفع أموال لتأمين الإفراج عن المحتجزين.[180]

 

 

“لا يجب لأي لاجئ أن يعود”

سألت هيومن رايتس ووتش جميع من قابلتهم عن شعورهم حيال قرارهم بمغادرة لبنان والأردن وماذا يقولون للاجئين الذين يفكرون في العودة إلى سوريا. نورد أدناه بعضا من ردودهم.

حليم (38 عاما) من القنيطرة، عاد إلى سوريا في خريف 2018:

لا يجب لأي لاجئ أن يعود إلى سوريا. الوضع سيء للغاية. تقومون بالمصالحة لكن [الحكومة السورية] غير ملتزمة بها. إذا أرادت [قوات الأمن السورية] أحدا، فإنها تعتقله أو تقتله. لن يكون أحد بأمان في سوريا حتى تُمنع الأجهزة الأمنية من ترويع الناس.[181]

حليمة (45 عاما) من حمص، عاد زوجها إلى سوريا في فبراير/شباط 2019:

لا أريد العودة إلى سوريا أبدا. حتى لو اضطررت للعيش في خيمة على الطريق هنا [في لبنان]. الوضع داخل سوريا خطير جدا. لديّ جيران وأصدقاء يتحدثون عن الوضع هناك. لا توجد وسيلة للعيش، لا أمن ولا أمان. الوضع الأمني هو الأهم. لدي أطفال. لن أعرضهم أبدا للخطر وأعيدهم هناك.[182]

أمينة، (31 عاما) من القلمون، عادت إلى سوريا بداية 2018:

يُطرح عليّ هذا السؤال حول العودة [إلى سوريا] من الأشخاص الذين يفكرون في العودة. أخبرهم عن تجربتي وما رأيته. أقول لهم إنه مستحيل. إذا قلت شيئا سيئا عن الأسد، تعلم به قوات الأمن. في السابق كنت أقول أشياء ضد الأسد، لكنني لا أفعل ذلك الآن. بطريقة ما، يكتشفون، يعرفون.[183]

عبد (39 عاما) من بلدة كحيل في درعا، عاد إلى سوريا في سبتمبر/أيلول 2020:

في الشهر الأول [بعد تعذيبي في الحجز] لم أكن أمشي بشكل صحيح. لا زالت العظام مكسورة لكن الطبيب يساعدني … لا أستطيع العمل ولا أستطيع الخروج وحدي … لن أغادر مدينتي أبدا الآن. أخاف من أي شيء أخضر اللون لأنه يشبه الزي العسكري الذي كان يرتديه [ضباط المخابرات العسكرية] عندما اعتقلوني وعذبوني. بقيت رهن الاعتقال ستة أشهر. الإرهاب الذي تعرضت له في السجن يعيش معي الآن. وافقت على إجراء هذه [المقابلة] لأنني أريد للناس أن يعرفوا ما حدث لي عندما عدت إلى سوريا.[184]

التوصيات

إلى الحكومة السورية

  • ضمان عدم استهداف اللاجئين بسبب انتمائهم السابق المتصور أو الفعلي لقوات المعارضة، أو بسبب مغادرتهم البلاد أثناء النزاع.
  • وضع آلية عادلة توفر الاسترداد الكامل أو التعويض عن الخسائر أو الأضرار التي لحقت بالمساكن والممتلكات والأراضي بسبب النزاع.
  • السماح للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية الأخرى بالوصول المنتظم دون عوائق إلى جميع مناطق سوريا.
  • الإيقاف الفوري لجميع إجراءات التدقيق الأمني التعسفي وغير القانوني للاجئين العائدين إلى سوريا.
  • فرض إجراءات تأديبية مناسبة على جميع أفراد قوات الأمن الذين يبتزون الناس من أجل الرشاوى عند نقاط التفتيش، وإجراء تدقيقات عشوائية للتأكد من إلغاء ممارسة طلب الرشاوى عند نقاط التفتيش.
  • الوقف الفوري لممارسات الإخفاء القسري والاعتقال والاحتجاز التعسفي، خاصة عند نقاط التفتيش، ووقف استخدام التعذيب.
  • الإفراج عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسفيا، بمن فيهم الأشخاص المحتجزون بسبب معتقداتهم السياسية، ونشر قوائم بجميع الأفراد الموجودين حاليا في مراكز الاحتجاز السورية الرسمية وغير الرسمية.
  • توفير وصول فوري ودون عوائق للمراقبين الدوليين المعترف بهم لظروف الاحتجاز إلى جميع مرافق الاحتجاز، الرسمية وغير الرسمية، دون إخطار مسبق.
  • تزويد المحتجزين بما يكفي من الطعام والمياه والصرف الصحي والنظافة والرعاية الصحية، بما يتفق مع “قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء”.
  • تعليق عمل أفراد قوات الأمن الذين توجد مزاعم موثوقة بارتكابهم انتهاكات لحقوق الإنسان لحين اكتمال التحقيق.
  • نشر قوائم بجميع المحتجزين الذين لقوا حتفهم في مراكز الاحتجاز والسجون التابعة للحكومة السورية، بما في ذلك في الفروع الأمنية التي تديرها أجهزة المخابرات السورية، وإصدار شهادات وفاة لجميع المعتقلين الذي توفوا في الحجز.

إلى وزارة الداخلية الأردنية

  • احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية وإلغاء هذه الممارسة عبر عدم فرض قيود تعسفية أو قيود بحكم الأمر الواقع على إعادة دخول اللاجئين السوريين الذين دخلوا الأردن أول مرة بشكل غير نظامي.
  • التأكد من أن الموظفين الأردنيين يقدمون معلومات كاملة حول الظروف في مناطق العودة وإحالة أي سوري يطلب معلومات لاتخاذ خيار مستنير حول العودة الطوعية إلى مفوضية اللاجئين. يجب أن تتضمن المعلومات المقدمة مستويات العنف واحترام حقوق الإنسان والظروف الاقتصادية والوصول إلى السلع والخدمات الإنسانية وإعادة الإعمار وإعادة الإدماج. على الموظفين الأردنيين توضيح الحالات التي تكون فيها المنظمات الإنسانية الدولية غير قادرة على تسهيل إعادة الاندماج أو تقديم صورة كاملة للظروف في مناطق العودة المحددة التي ينوي اللاجئ العودة إليها.
  • توسيع القطاعات التي يمكن لغير الأردنيين العمل فيها.
  • عدم المشاركة أو المساهمة أو البدء بأي نشاط يهدف للضغط من أجل العودة المبكرة إلى سوريا في غياب التشاور مع مجتمع اللاجئين السوريين والضمانات المستقلة والملموسة للعودة الآمنة والمستنيرة والكريمة داخل سوريا.
  • المصادقة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967

إلى الحكومة اللبنانية والوزارات ذات الصلة

  • إلغاء قرار المجلس الأعلى للدفاع الصادر في أيار/مايو 2019 بشأن إبعاد اللاجئين السوريين الذين يدخلون البلاد بشكل غير رسمي، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية. وهذا يشمل عدم ترحيل اللاجئين السوريين دون منحهم فرصة حقيقية للطعن في الأدلة ضدهم والدفاع عن مطلبهم بالحماية، بما في ذلك من خلال منحهم فرصة الحصول على تمثيل قانوني.
  • فرض حظر على جميع عمليات الإعادة التي تسهلها مديرية الأمن العام بالنظر إلى الطبيعة الإشكالية لما يسمى بإجراءات “التصريح الأمني”.
  • التأكد من أن الموظفين اللبنانيين يقدمون معلومات دقيقة حول الظروف في مناطق العودة وإحالة أي سوري يطلب معلومات لاتخاذ خيار مستنير حول العودة الطوعية إلى مفوضية اللاجئين. يجب أن تتضمن المعلومات المقدمة مستويات العنف واحترام حقوق الإنسان والظروف الاقتصادية والوصول إلى السلع والخدمات الإنسانية وإعادة الإعمار وإعادة الإدماج. على المسؤولين اللبنانيين توضيح الحالات التي تكون فيها المنظمات الإنسانية الدولية غير قادرة على تسهيل إعادة الاندماج أو تقديم صورة كاملة للأوضاع في مناطق العودة المحددة التي ينوي اللاجئ العودة إليها.
  • السماح للمفوضية باستئناف تسجيل اللاجئين السوريين من أجل إدارة احتياجاتهم بشكل أفضل في لبنان، إضافة إلى الاستعداد للعودة الآمنة والكريمة إلى سوريا عندما تكون الظروف مواتية للعودة.
  • تمديد الإعفاء من الرسوم لجميع اللاجئين السوريين الذين تراكمت عليهم رسوم تجاوز مدة الإقامة وتجديد الإقامة.
  • السماح للسوريين الذين ليس لديهم إقامة قانونية حاليا بتسوية أوضاعهم.
  • إنهاء ممارسة احتجاز اللاجئين لمجرد انتهاء صلاحية وثائق إقامتهم أو لأنهم لا يتمتعون بوضع قانوني.
  • توسيع القطاعات التي يسمح للاجئين السوريين بالعمل فيها.
  • عدم المشاركة أو المساهمة أو البدء بأي نشاط يهدف للضغط من أجل العودة المبكرة إلى سوريا في غياب التشاور مع مجتمع اللاجئين السوريين والضمانات المستقلة والملموسة للعودة الآمنة والمستنيرة والكريمة داخل سوريا.
  • المصادقة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967

إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين

  • الاستمرار في عدم تشجيع أو تسهيل العودة الطوعية للاجئين السوريين من الأردن ولبنان ودول مضيفة أخرى طالما أن ظروف العودة الآمنة والكريمة ليست متوفرة ومستدامة.
  • تزويد السوريين الذين يستفسرون عن العودة الطوعية بمعلومات محدثة ودقيقة تتعلق بالمناطق المحددة التي يسعى الشخص للعودة إليها. وإيضاح الحالات التي لا تملك فيها المفوضية معلومات كافية لاتخاذ قرار مناسب بشأن الظروف في منطقة معينة من مناطق العودة.
  • رصد الظروف التي يواجهها السوريون العائدون طوعا والمرحلون من الأردن ولبنان والإبلاغ عنها. الإعلان رسميا عن الأماكن التي لا تستطيع فيها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مراقبة الظروف التي يواجهها العائدون طوعا، والأسباب الكامنة وراء هذه الصعوبات. ضمان وجود آلية مستقلة للحماية والمراقبة في سوريا يمكن للمنظمات الإنسانية من خلالها رصد انتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهها العائدون والإبلاغ عنها.
  • الاستمرار في طلب الوصول الكامل وغير المقيد لمراقبة ظروف العائدين والتحلي بالشفافية بشأن التحديات في تحقيق هذا الوصول. مضاعفة الجهود لإقناع المانحين وحكومات إعادة التوطين بضرورة الحماية لتوفير المساعدة الإنسانية الكافية وأماكن إعادة التوطين للاجئين السوريين في لبنان والأردن.
  • الاستمرار في استخدام “مؤشرات ومعايير الحماية” لعام 2018 الخاصة بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعودة اللاجئين إلى سوريا كأساس لتقييم ظروف العودة إلى سوريا.
  • ضمان حصول اللاجئين السوريين في لبنان والأردن على العلاج الطبي المناسب وبتكلفة ميسورة للحالات الصحية المزمنة حتى لا يضطر اللاجئون الأكبر سنا إلى العودة إلى سوريا بسبب الاحتياجات الصحية غير الملباة.

إلى الأمين العام للأمم المتحدة

  • حث جميع الوكالات الأممية وحكومات الدول الأعضاء على مقاربة مسألة عودة اللاجئين بما يتسّق مع تقييم الأمين العام في مارس/آذار 2021 بأن الوضع في سوريا “لا يزال كابوسا حيا”.

إلى الحكومات المانحة

  • التأكد من أن الأموال المقدمة للبرامج التي تهدف إلى إعادة بناء وإعادة تأهيل المناطق التي استعادتها الحكومة تفي بمعايير معينة، بما في ذلك أن أموالها لا تسهم في انتهاك حقوق السوريين، وأن الأموال لا تصل إلى هيئات أو جهات مسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، وأن تمويلها يستند إلى تقييمات مستقلة وكاملة للاحتياجات، وأن قوائم المستفيدين تظل سرية، وأن الجهات المانحة وشركائها المنفذين يتمتعون بوصول كامل ودون عوائق ومنتظم إلى جميع المناطق.
  • ضمان ألا تركز البرامج الإنسانية في سوريا والدول المضيفة بشكل استباقي على الاستعداد للعودة، بالرغم من عدم تلبية شروط العودة الطوعية والآمنة والكريمة، إضافة إلى تحسين الحماية والبرامج القانونية المصممة لإبلاغ اللاجئين السوريين بالظروف داخل سوريا والاستجابة لاحتياجات التوثيق المدني.
  • تقديم الدعم المالي السخي وأي من أشكال الدعم الأخرى للأردن ولبنان لتمكينهما من توفير مكان لجوء آمن ولائق للاجئين وطالبي اللجوء السوريين.
  • تمويل النداءات الإنسانية للأمم المتحدة بالكامل للمساعدة في تلبية احتياجات جميع اللاجئين السوريين في لبنان والأردن بغض النظر عن وضع إقامتهم القانوني في البلاد.
  • التمويل الكامل للاستجابات الإنسانية للأمم المتحدة لتلبية الاحتياجات الصحية لجميع اللاجئين السوريين في لبنان والأردن، بما في ذلك أولئك الذين يعانون من حالات صحية مزمنة وتضمين خدمات الصحة النفسية والاجتماعية.
  • الاعتراف بأن الأزمات والنزاعات لها آثار جندرية وغير متناسبة على النساء والفتيات اللاجئات، وضمان أن تكون الاستجابات الإنسانية لهذه المجموعات مصممة بالتشاور ومن خلال التقييمات القائمة على الأدلة.
  • الضغط على حكومتي لبنان والأردن لدفع كلا البلدين إلى تبني إجراءات تحترم حقوق اللاجئين وتلتزم بمبدأ عدم الإعادة القسرية وإلغاء جميع الممارسات التي تهدف إلى إلغاء تسجيل اللاجئين أو إجبارهم على العودة إلى سوريا.

إلى جميع الدول المضيفة للاجئين السوريين

  • فرض حظر فوري على جميع عمليات الإعادة القسرية إلى سوريا وإلغاء أي تشريع يسهل الترحيل الفوري للاجئين السوريين، بمن فيهم اللاجئون الفلسطينيون من سوريا، بما يتفق مع موقف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين القاضي بأن سوريا ليست آمنة للعودة إليها، وأن وقف النزاع النشط في بعض الأجزاء من سوريا لا يمكن استخدامه كسبب لإزالة وضع الحماية عن اللاجئين السوريين.
  • عدم الانخراط في عمليات التدقيق الأمني الإشكالية وغير القانونية الخاصة بالعائدين إلى سوريا أو إضفاء الشرعية عليها بأي طريقة أخرى.
  • الاستمرار في توفير مساحة حماية للاجئين السوريين، وحيثما أمكن، توفير مسارات للإقامة الدائمة لأولئك الذين ليس لديهم فرص للعودة إلى الوطن.
  • ضمان إتاحة سبل الحصول على الإقامة القانونية للاجئين السوريين وإمكانية الوصول إليها وتنفيذ الإعفاءات من الرسوم.

على الدنمارك أن تلغي قرارها بإلغاء الحماية المؤقتة للاجئين السوريين من دمشق وريف دمشق، كما يجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والهيئات المعنية بالهجرة فيها عدم طرح أي تشريع أو قرارات مشابهة.

 

شكر وتنويه

أجرت البحث لهذا التقرير وكتبته نادية هاردمان، باحثة في قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في هيومن رايتس ووتش. راجع هذا التقرير وحرره بيل فريليك، مدير قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في هيومن رايتس ووتش. قدم مراجعة متخصصة كل من سارة الكيّالي، باحثة، والتي قدمت أيضا المساعدة البحثية، وآية مجذوب، باحثة، وآدم كوغل، نائب مدير، ومايكل بَيْج، نائب مدير، جميعهم يعملون في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ وأغنس أوديامبو، باحثة أولى في قسم حقوق المرأة؛ وأمينة سيريموفيتش وبريدجيت سليب، باحثتان في قسم حقوق ذوي الإعاقة، وقدم كايل نايت، محرر صحي أول، المراجعة الصحية والحقوقية. قدمت ميشال رندهاوا، موظفة في قسم اللاجئين والمهاجرين، المساعدة في الأبحاث والتحرير والإنتاج.

قدم كلايف بالدوين، مستشار قانوني أول، وتوم بورتيوس، نائب مدير البرامج، مراجعة قانونية وبرامجية. قدم ترافيس كار مساعدة في الإنتاج. وتولّت غريس تشوي، مديرة المنشورات والمعلومات، مهمة تصميم الصور الغرافيكية.

نحن ممتنون لجميع اللاجئين السوريين وعائلاتهم الذين أرادوا مشاركة تجاربهم التي تضمنت في بعض الأحيان روايات شخصية مأساوية.

 

المنطقة/البلد

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.