هل انقلب بيدرسون على مسار آستانة وتركيا؟ قراءة في مطالعة بيدرسون أمام مجلس الأمن وجولاته

0 1

إعداد وحدة دراسة السياسات في مرصد الشرق الاوسط وشمال افريقيا

ما إن تسلم السيد جير بيدرسون منصبه مبعوثاً خاصاً للأمين الأمم المتحدة إلى سوريا حتى بدأت تطرح التساؤلات الآتية:

 ما الجديد الذي سيحمله السيد بيدرسون وهل سيسير على خطى سلفه السيد ديمستورا من حيث التفكير والسلوك أم سيجترح أفكاراً جديدة ويتخذ مسلكاً مغايراً لما خطه ديمستورا، وهل سيدور في ذهنه طرح مسارات خلفية تشبه مسار أوسلو في القضية الفلسطينية، وهل سيبقى السيد بيدرسون مفترضاً أن اللجنة الدستورية هي الإجراء العملي الوحيد المتبقي من تنفيذ قرار مجلس الأمن، كما عد ذلك السيد ديمستورا في مطالعته في 17/ 10/ 2018 وهل سيكون السيد بيدرسون أقرب إلى النظام السوري أملاً في عدم عرقلته مسار التفاوض، وربما زيارته إلى حمص دليل على ذلك. (1)

أم أنه سيكون أقرب إلى الأمريكان الذين يرغبون في حصر التفاوض في جنيف وعدم السماح لمسار آستانة أن يكون له السبق في التفاوض واستخراج حلول عملية قابلة للتطبيق، أم أن بيدرسون سيستمع إلى كل من الأمريكان والروس معاً ويسعى إلى إرضائهما معاً على حساب تركيا الحليف الاستراتيجي القوي للمعارضة السورية الذي كانت علاقته ممتازةً بالسيد ديمستورا الذي كان يأخذ العامل التركي بالحسبان دائماً.

  • هذه التساؤلات التي سنحاول الإجابة عنها.

على الرغم من مرور عشرة أسابيع على تولي بيدرسون منصبه وإجرائه كثيراً من اللقاءات مع كل من النظام السوري والمعارضة السورية ومعظم الأطراف الدولية الفاعلة إلا أنه لم يعطِ انطباعاً كافياً وواضحاً عن توجهاته المستقبلية فكان كثير الصمت يستمع بانتباه شديد ولا يعلق إلا نادراً. وبقي كذلك حتى جاءت أولى مطالعاته أمام مجلس الأمن في يوم الخميس 28 شباط/ فبراير 2019 التي نشر مكتب الأمين العام للأمم المتحدة ترجمة رسمية لها قبل بضعة أيام.

 

  • مطالعة السيد بيدرسون أمام مجلس الأمن

1- لعل أول ما يلفت الانتباه في طرح بيدرسون أنه وعد مجلس الأمن بأنه سوف يعمل بحياد وعلى نحو حثيث للاطلاع بالولاية المسندة إليه في القرار 2254 (2015) لتيسير العملية السياسية. وهذا يلفت الانتباه إلى أنه منذ البداية يتجاوز قرار مجلس الأمن 2118 وبيان جنيف 1 اللذين يحددان أن الانتقال السياسي في سوريا بخيار واحد وهو خيار تشكيل جسم الحكم الانتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة وبالتوافق بين الطرفين. ويركز على قرار مجلس الأمن 2254 (2015) الذي يتحدث ضمن أشياء كثيرة عن أن الانتقال السياسي بسبل منها هيئة الحكم الانتقالي.

ولدى متابعتنا لمطالعات السيد ديمستورا كلها لا نجده أبداً يعود إلى الحديث عن هيئة الحكم الانتقالي، على الرغم من أنه أورد في إحدى الفقرات التالية سلة الحكم ولكنه لم يطرح توضيحاً لها والأرجح من السياق أنها لا تعني لديه تطبيق جسم الحكم الانتقالي بل ربما تعني ما قاله السيد ديمستورا وفريقه في مفاوضات جنيف 4 من أن سلة الحكم هي سلة توضع فيها جميع التصورات والطروحات التي لدى الطرفين المتخاصمين في الجانب السياسي. وهذا بعيد كل البعد عما تتمسك به الهيئة العليا للمفاوضات من وجوب تطبيق هيئة الحكم الانتقالي ولو لفظياً.

2-ذكر بيدرسون أنه ذكَّر جميع الأطراف التي التقاها في لقاءاته الأولية بأن القرار 2254 (2015)، يقدم رؤية شاملة للمسائل التي يتعين معالجتها من أجل إنهاء النزاع وتحقيق الاستقرار وإحلال سلام حقيقي، ويتضمن كافة العناصر اللازمة للتوصل إلى حل سياسي. وأن من هذه العناصر:

أ- احترام سيادة سوريا ووحدتها واستقلالها وسلامتها الإقليمية.

ب- يقدم خريطة طريق لعملية سياسية بقيادة سورية ومملوكة للسوريين.

ج- مطالبة القرار جميع الأطراف بالامتثال للقانون الدولي.

د- التشديد على حماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية من دون معوقات.

ه- وقف الأعمال العدائية والتصدي للإرهاب.

و- تنفيذ تدابير بناء الثقة والإفراج عن المحتجزين والمختطفين.

ز- معالجة مسائل الحوكمة والعملية الدستورية والانتخابات بإشراف الأمم المتحدة.

ح- عودة اللاجئين الآمنة والطوعية.

ط- إعادة الإعمار.

يتضح مما سبق أنه لا يوجد فرق كبير في فهم الإطار العام للقرار 2254 بين بيدرسون وديمستورا ولكن الفرق في الإجراءات العملية إذ إن السيد ديمستورا كان يسعى إلى التركيز على بعض الإجراءات العملية وعدّها نقطة الانطلاق لا بل إنه عدّ اللجنة الدستورية الإجراء العملي المتبقي الوحيد من تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254.

بينما من الواضح أن السيد بيدرسون سينحو باتجاه مناقشة كل القضايا السابقة مجتمعة على أمل حصول اختراق في أحدها وهذا ليس بالضرورة أن يكون ممكناً. وهذا الأسلوب وفق المعلومات المتوافرة لدينا قد أعجب هيئة التفاوض السورية لأنه ظاهرياً يعيدها إلى الساحة التي تفرد بها مسار آستانة بتركيز الدول الضامنة على اللجنة الدستورية والسعي مستقبلاً لسحب ملف البيئة الآمنة والمحايدة لهذا المسار.

هذا المسلك يسر النظام السوري إذ يتيح له فرصة الإغراق في التفاصيل في ملفات كثيرة من دون الوصول إلى أي نتيجة وهذا ما صرح به وليد المعلم وزير خارجية النظام مراراً.

وهنا يطرح التساؤل الآتي هل توجه بيدرسون هذا ناجم عن قرار متعمد نتيجة سعيه لتحقيق إنجاز ما ولو ضئيل في أحد الملفات أم بتوجيه من دول غربية كبرى لتمييع المسار وربما تمهيداً لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن يجب ما قبله، ويحدد أسساً جديدة للحل، أم بسبب نقص خبرته بهذا الملف الشائك وعدم تقديره لأهمية الدور التركي الذي ربما لن يقبل بكل ما سبق.

ثم أوضح السيد بيدرسون في مطالعته أمام مجلس الأمن أن أولويته الأولى والأهم هي العمل مع الحكومة السورية وهيئة المفاوضات السورية والتماس آرائهم وتعاونهم. وقد التقى بكل من وزير خارجية النظام وليد المعلم الذي استقبله أفضل استقبال كما زار المنسق نصر الحريري الذي يرأس هيئة المفاوضات السورية في مكتبه بالرياض والتقاه مع فريقه، وقدر فيهم استجابتهم لرسالته والتزامهم بالمشاركة والحوار والمفاوضات من أجل تنفيذ القرار 2254 (2015).

هنا يلاحظ أنه تجاهل تماماً مسار آستانة ولم يلتقِ برئيس وفد المعارضة السورية العسكري إلى مفاوضات آستانة وسوتشي الدكتور أحمد طعمة حتى الآن، وفي هذا إشارة أولية واضحة إلى ما يمكن أن يكون عليه توجهه المقبل، وخصوصاً في ظل نقص اهتمام الروس باللجنة الدستورية.

تطرق السيد بيدرسون إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أننا لا نبدأ من الصفر. وبأن لدينا 12 مبدأ أساسياً وضعها السوريون في جنيف وجرى تأكيدها في سوتشي (2).

وهناك مجموعة من التدابير شكلت خطة متفقاً عليها للمحادثات بين الأطراف السورية في تيسير مهمة الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن السيد بيدرسون لم يتحدث عن هذه التدابير ولا عن الخطة المتفق عليها للمحادثات إلا أنه يمكن التكهن نسبياً بمضمونها من خلال ما جرى التفاهم عليه من قبل ما بين الأطراف السورية والأمم المتحدة.

إضافة إلى ما سبق من قوله من أننا لا نبدأ من الصفر، طرح السيد بيدرسون أنه يريد مشاطرة أعضاء مجلس الأمن بخمس أفكار أساسية بشأن المضي قدماً:

1- بوصفه وسيطاً وميسراً للأمم المتحدة فإنه يرى من الضرورة المشاركة مشاركة مباشرة فاعلة مع الحكومة السورية والمعارضة من أجل بناء الثقة وإقامة حوار مستمر مع الأطراف ودفع السوريين إلى مفاوضات حقيقية برعاية الأمم المتحدة لإنهاء الصراع المدمر وكسب السلام لجميع السوريين.

لعلنا نلحظ في ما سبق إعادة تأكيد بيدرسون أنه وسيط وميسر ومكلف بهذا من الأمم المتحدة وربما هذا الطرح يرسل إشارات تطمينية للروس الذين تصاعد الخلاف بينهم وبين ديمستورا في الأشهر الأخيرة من عهده، حول مفهوم الوسيط والميسر حيث إن ديمستورا لم يقبل أن يكون دوره الميسر محض منظم للإجراءات الإدارية داخل اللجنة الدستورية بل كان يرغب في أن يكون للأمم المتحدة دور توجيهي لمسار اللجنة من خلال تأثيرها في اختيار ممثلي الثلث الثالث الخاص بالمجتمع المدني في اللجنة الدستورية، وهذا ما رفضه الروس(3).

2- لقد شجعه الإفراج مؤخراً عن 42 محتجزاً ومختطفاً في عملية إطلاق ثانية قامت بها روسيا وتركيا في إطار مجموعة العمل المعنية بالإفراج عن المختطفين والمحتجزين وتسليم الجثامين وتحديد المفقودين وعدّ ذلك خطوة إيجابية، ولكننا في الوقت نفسه بحاجة إلى توسيع نطاق الإجراءات المتعلقة بهذه المسألة وإعطائها أولوية بأهميتها الإنسانية الهائلة ولأن ذلك يشكل جزءاً أساسياً من عملية بناء الثقة ونحن حريصون على أن نرى تقدماً أكثر في المرحلة المقبلة.

لقد تحدث بيدرسون عن هذه المسألة بالقول إنهم منخرطون انخراطاً مكثفاً فيها مع الأطراف المتعددة. وربما يفهم من هذا أيضاً مع وجود معلومات عن توجهه، إلى أن حديثه إشارة إلى أنه يريد توسيع هذا الملف خارج نطاق مسار آستانة الذي ترعاه تركيا وروسيا وبدرجة أقل إيران. ولعل لقاءه الأخير مع هيئة التفاوض السورية وإيماءته بإيجابية إلى ما طرحته السيدة أليس مفرج المسؤولة عن ملف المعتقلين في الهيئة من رغبتها في سحب الملف كاملاً من آستانة وإعادته إلى جنيف، ما يشي بكثير مما سيفعله بيدرسون في المستقبل القريب، وسيتضح هذا تماماً في حجم مشاركة فريق بيدرسون في لقاء آستانة المقبل.

3- أبدى بيدرسون رغبته في مشاركة جميع أطياف الشعب السوري وليس الأحزاب السياسية الرسمية فقط في الجهود الرامية إلى بناء الثقة والاطمئنان والسعي إلى السلام، وأن مشاركتهم من مختلف مشاربهم يذكره بما هو على المحك في ما يخص المدنيين السوريين في هذا الصراع ويذكره أيضاً بمرونة السوريين في الاستجابة للاحتياجات الماسة التي ولدها هذا الصراع وبنصيبهم في العملية السياسية.

وتطرق بيدرسون إلى أن فريقه تشاور خلال الشهرين الماضيين مع أكثر من 200 من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني السوري الموجودة داخل سوريا وفي الشتات. ولقد درس بعناية رؤى هؤلاء السوريين وأفكارهم وما زال ملتزماً بالاستماع إلى مجموعة واسعة من الجهات المدنية الفاعلة وإشراكها في جهد تعزيز السلام المستدام، وهو بهذا الصدد سيلتقي أعضاء المجلس الاستشاري للمرأة السورية إلى جنيف(4).

إن بيدرسون بهذا يريد أن ينقل بوساطة المجتمع المدني السوري رسالة مفادها أنه لن يكون هناك سلام مستدام في سوريا ما لم يُشرك السوريون جميعهم في تأمين مستقبل بلدهم، وأنه لا بد من مشاركة المرأة مشاركة وازنة وفاعلة. وتقديرنا أن بيدرسون في هذه النقطة لا يختلف كثيراً عن ديمستورا بل ربما توحي صورة السيلفي المأخوذة له ومعه السيدة موغريني ويلتف حولهما نساء المجلس الاستشاري والحفاوة الظاهرة فيها بالمجلس تعطي انطباعاً أنه عاقد العزم على إعطائه دوراً مهماً.

4- بعمله على توسيع نطاق الحوار مع الطرفين فقد شعر بتقبل واسع النطاق للفكرة القائلة بأن الدعوة إلى التئام لجنة دستورية في جنيف متوازنة وشاملة وذات صدقية وقابلة للاستمرار بقيادة سورية وبرعاية الأمم المتحدة، يمكن أن تكون مهمة لتنشيط العملية السياسية ويمكنها أن تشرع الأبواب أمام حوار أعمق ومفاوضات حقيقية.

نلحظ أن السيد بيدرسون أضاف فكرة إلى ما سبق أن طرحه ديمستورا وهي فكرة كون اللجنة الدستورية قابلة للاستمرار بقيادة سورية. وربما بعض المتخوفين من قيادة المعارضة قد يفهمون هذه الجملة تخفيضاً من شروط الأمم المتحدة السابقة بشأن اللجنة الدستورية وأنه ربما يكون في هذه العبارة إغراء للنظام للاستمرار في اللجنة الدستورية وعدم مناكفتها بالاستجابة لبعض مطالبه.

طرح بيدرسون أنه من المفهوم تماماً الآن وجود حاجة إلى طائفة من التفاهمات لضمان اتفاق الحكومة السورية والمعارضة على المبادئ الإجرائية الأساسية لتوجيه عمل اللجنة الدستورية وأنه يحدوه الأمل في التمكن من وضع الصيغة النهائية للنظام الداخلي وتشكيل اللجنة في المستقبل القريب.

هنا نجد فارقاً واضحاً بين بيدرسون وديمستورا إذ إن ديمستورا لم يكن يتطرق علناً إلا إلى قضية تركيبة أعضاء اللجنة الدستورية ولم يكن يتحدث إعلامياً عن المبادئ الإجرائية الأساسية لتوجيه عمل اللجنة الدستورية ولا لنظامها الداخلي. وهذا ربما يعني صحة الأنباء المتداولة عن اقتراب الاتفاق على أعضاء الثلث الثالث وأنه لا يوجد حالياً خلاف سوى على عدد محدود جداً من الأعضاء أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، وأنه آن الأوان لمناقشة المبادئ الإجرائية لتوجيه عمل اللجنة ونظامها الداخلي (هيئة المفاوضات السورية أصدرت نظاماً داخلياً وبحثاً عن القواعد الإجرائية الأساسية).

5- أشار بيدرسون أنه بينما نركز على تطوير عملية حقيقية بقيادة سورية يجب علينا جميعاً أن نعترف بأن التدخل الخارجي كان عاملاً مهماً في الصراع السوري وأن هناك خمسة جيوش وطنية غير سورية موجودة عبر الأراضي والأجواء السورية وهي في حالة من التوتر أو حتى الصراع وهذا ما يولد مخاطر يومية للتصعيد الدولي. ومن الواضح أن مشاركة هذه الجيوش تتجاوز المجال العسكري إلى مجالات أخرى متعددة داخل سوريا. وهذا ما يدفعه إلى الحديث عن الحاجة إلى التركيز على تحسين الحوار والتعاون الدوليين وإلا فإن سوريا ستغمرها التصعيدات المتجددة ذات التكاليف البشرية الهائلة والمعرقلة لأي تقدم سياسي والمحفوفة بمخاطر تداعيات إقليمية.

نلاحظ هنا اعتراف بيدرسون بالأثر الهائل للتدخل الخارجي في سوريا وأنه يأخذه بالحسبان، وكان لافتاً حديثه عن وجود خمس جيوش وطنية في سوريا وهو يقصد روسيا وتركيا وأمريكا وإيران وإسرائيل بينما كان ديمستورا يردد دائماً أن هناك أربعة جيوش ونصف موجودة في سوريا إشارة إلى عدّه مشاركة إسرائيل في الحرب في سوريا هي نصف مشاركة ومن خلال القصف الجوي للمواقع الإيرانية بينما عدّها بيدرسون مشاركة كاملة وربما هذا يوحي بوصول معلومات جديدة إلى بيدرسون تشير إلى مزيد من انخراط الإسرائيليين في الحرب الدائرة في سورية.

رأى بيديرسون أن التقدم الذي أحرزته هيئة تحرير الشام في إدلب والتصعيدات في المنطقة تؤكد الحاجة إلى دعم الترتيبات الهشة لوقف إطلاق النار في إدلب وحماية السكان المدنيين فيها ومكافحة الجماعات الإرهابية المدرجة في قائمة مجلس الأمن والمقاتلين الأجانب الذين يشكلون آفة في سوريا، مع التصدي في الوقت نفسه للأسباب الجذرية والمتغيرات التي تزدهر فيها. ورحب بالزخم الجديد لمؤتمر سوتشي الذي عُقد في 14 شباط/ فبراير الماضي (في مستوى الرؤساء) من أجل التنفيذ الكامل للمذكرة الروسية التركية. ونبه إلى أنه يجب على المجتمع الدولي أن يكفل احترام القواعد الدولية المناهضة لاستخدام الأسلحة الكيماوية وإنفاذها.

نرى مما سبق أنه بهذه الفقرة يقوم بضربة على الحافر مرة وضربة على المسمار فهو يريد إرضاء الأطراف جميعها ويطرح أشياء ترضي الأطراف القريبة من المعارضة والنظام وتغضبها. والنتيجة شبه تمييع للقضايا وهو بهذا يشبه تماماً ديمستورا في سياسته إمساك العصا من الوسط ومن ثم عدم الحصول على نتائج حاسمة في أي ملف. وقبل أن يختم أورد فكرة مثيرة للانتباه وهي قوله إننا إذا ما أردنا أن نرى عدم تكبيل القضايا وكيفية مساعدة الأطراف على المضي قدماً في عملية ذات قيادة وملكية سورية فقد نحتاج إلى منتدى مشترك تشارك فيه الدول الرئيسية بجدية في هذه المسائل.

هنا لا بد من طرح التساؤل الآتي هل هناك تناغم بين هذا الطرح وما طرحه بوتين قبل يوم واحد 27 شباط/ فبراير، وبعد لقائه بنتنياهو عن إطلاق فكرة لتشكيل ما وصفها بأنها آلية دولية لتطبيع الأوضاع في سوريا بعد استكمال القضاء على داعش، وتشمل تشكيل مجموعة عمل لضمان انسحاب القوات الأجنبية ووضع ترتيبات تضمن سيطرة الدولة السورية على أراضيها كلها والمحافظة على وحدة الأراضي السورية. أي التوجه إلى إطلاق عمل تشارك فيه الأطراف المنخرطة كلها في الصراع السوري(5) ويهدف إلى تطبيع الوضع في سوريا ووضع آليات للتسوية النهائية في البلاد.

إذا كان حقاً هناك تناغم بين هذين الطرحين فإنه ربما سنشهد خلال الأشهر المقبلة حدثاً مشابهاً لما حصل في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 من تشكيل مجموعة عمل في مستوى وزراء الخارجية وبخاصة بالشأن السوري وأشركت فيها إيران للمرة الأولى. وقد تكون مجموعة العمل الحالية المشار إليها في مستوى رؤساء الجمهورية وليس في مستوى وزراء الخارجية(6). وبالطبع فإن حدثاً كهذا إذا حصل قد يوحي بإمكان وجود تفاهمات أمريكية روسية من دون علم الأتراك ومسار آستانة وهذا ما سينغص على الأتراك ويقلص نفوذهم في الملف السوري وهذا ما لن يمرروه بسهولة. في ختام مطالعته أعاد بيدرسون التركيز على الأهداف الخمسة الرئيسة التي سيعنى بها وسيسعى إلى إشراك الجميع فيها في المرحلة المقبلة:

أولاً، بدء حوار مستمر مع الحكومة السورية والمعارضة بشأن بناء الثقة والاطمئنان إلى بيئة أمنة وهادئة ومحايدة.

ثانياً، رؤية مزيد من الأعمال الملموسة بشأن المحتجزين والمختطفين والمفقودين من خلال المشاركة مع الطرفين الراعيين لعملية آستانة والأطراف السورية وجميع المعنيين.

ثالثاً، إشراك طيفاً واسعاً من السوريين، حيث سيعمل على إشراكها في العملية السياسية.

رابعاً، تشكيل لجنة دستورية ذات صدقية ومتوازنة وشاملة في أقرب وقت ممكن.

خامساً، مساعدة الأطراف الدولية على تعميق حوارها من أجل تحقيق الهدف المشترك المتمثل في التوصل إلى تسوية سياسية موثوقة ومستدامة للصراع السوري، أي تسوية يمكن أن تحظى بالشرعية الدولية.

نظن أن هذه النقاط الخمسة هي النقاط الأكثر أهمية التي سيعمل عليها بيدرسون وفيها أن اللجنة الدستورية هي جزء من كل وليست العامل الأهم وليست نقطة البداية كما كان يطرح ديمستورا.

وقد يتضح قريباً أن النقطة الأهم بالنسبة إليه هي البيئة الآمنة والمحايدة والهادئة ومن ضمنها مناقشة قضايا المحتجزين والمختطفين والمفقودين، وإذا ثبتت صحة هذا فقد يتوصل كثيرون إلى أن بيدرسون هو استمرار للسيد ديمستورا وأن لا فروقات كبيرة في الجوهر ذلك أن السيد ديمستورا قد رسخ في الآلية التشاورية ولقاءات لوزان الترتيب التالي الإصلاح الدستوري أولاً ثم البيئة الآمنة والمحايدة وصولاً في ختام العملية السياسية إلى انتخابات تشريعية ورئاسية حرة ونزيهة بإشراف تام من الأمم المتحدة.

  • المؤتمر الصحافي للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا جير بيدرسون في عقب إحاطته في مجلس الأمن عن سوريا نيويورك 28 شباط/ فبراير 2019.

لعل أول ما لفت الانتباه في بداية المؤتمر الصحافي لبيدرسون أنه تحدث عن التحديات الهائلة التي تواجهه وصعوبة مهمته وعن محاولته بناء الثقة داخل المجتمع الدولي وكيفية تعامله مع الانقسام الذي يراه في المجتمع الدولي وكيف يمكن أن يساعده ذلك في دفع العملية إلى الأمام.

وهنا وكما كان متوقعاً فاجأه أحد الصحافيين بالسؤال عن قوله إنه يبحث عن منتدى مشترك وما المقصود بذلك، وجرت متابعته بسؤال مشابه عن أن هناك خمسة جيوش دولية تقاتل في سوريا وهل هناك إحياء لمجموعة الاتصال الدولية عن سوريا أم ماذا.

وبالطبع لم يجب بيدرسون على هذا السؤال بل راوغ فيه وقال إنه أمر يتعلق بالمجتمع الدولي وأن هذا عمل يمضي قدماً ومن المهم بناء الثقة وأن ذلك يستغرق وقتاً ولكننا نتحرك في الاتجاه الصحيح وأنني لن أعطيكم مزيداً من التفاصيل عما قدمته لمجلس الأمن، ولكني أتمنى أن أكون قادراً على إبلاغكم في الوقت الملائم عن التقدم الذي نحرزه في هذا الملف.

بالتأكيد فإنه من المعهود أن يراوغ السياسيون ويجيبوا بإجابات دبلوماسية لكن ليس لهذه الدرجة، فلم يكن ديمستورا غامضاً على الرغم من أنه ربما لم يكن أكثر شفافية، ولكنك تستطيع أن تفهم منه نسبياً ما يجري.

وسأله أحد الصحافيين أين وصلتم في تشكيل اللجنة الدستورية فقال إنه أجرى مشاورات مكثفة خاصة مع الروس حول هذا الأمر وكذلك مع عواصم أخرى وأننا نحرز تقدما وما تزال مسائل لم يجرِ حلها بعد ونعمل على حزمة، نحتاج إلى اتفاق على الأسماء وأيضاً الاتفاق على القواعد الإجرائية (النظام الداخلي).

الحقيقة هذه أول مرة في ما نعلم تُطرح فكرة العمل على حزمة وربط ذلك بالاتفاق على الأسماء. وكما ذكرنا آنفاً في فقرة مشابهة فإن ديمستورا لم يتطرق أبداً إلى القواعد الإجرائية والنظام الداخلي.

وعن سؤاله عن مشاركة الكرد الذين استبعدوا حتى الآن إلى حد كبیر، وهم ثاني أكبر مسیطر على الأراضي في سوریا بعد الحكومة السوریة. وماذا ستفعلون بخصوص ذلك؟ وهل یمكنك إعطاء فكرة عن مشاركتهم في اللجنة الدستوریة؟

أجاب بيدرسون بطريقته التي ينبغي أن نتعود عليها وهي عدم الحصول على حق ولا باطل: كما تعلمون جمیعاً الكرد السوریون هم بالفعل جزء من هذه العملیة، وقد التقیت بالفعل بممثل عنهم، لكنني أظن أنكم تشیرون إشارة خاصة إلى قوات سوریة الدیمقراطیة في الشمال الشرقي، وصحیح أنهم لیسوا جزءاً من العملیة السیاسیة حتى الآن. وأظن أن هذا الأمر یمكن أن یتحول إلى تحد في المستقبل، لذا من المهم أن نعالج هذه المسألة بطریقة ملائمة.

حقاً إجابة غامضة تفسر الماء بعد الجهد بالماء، لكن قوله إن هذا الأمر يمكن أن يتحول إلى تحد في المستقبل، وعلينا أن نعالج المسألة بطريقة ملائمة قد يوحي بأن في رأسه فكرة ما، ليس متعجلاً في طرحها الآن، وقد يتحين الفرصة الملائمة لطرحها. ولكن بالتأكيد هذا الطرح لن يعجب الأتراك ولا النظام السوري ولا الإيرانيين.

ثم طرح السؤال الأخير بالقول إنك تحدثت عن اللجنة الدستوریة بوصفها عنصراً واحداً من أصل خمسة، وقد رأينا أنها كانت الجهد الرئیس للسید دیمیستورا في الأشهر الأخیرة، فهل یعني ذلك أنك قللت من أهمیة هذا العنصر في خطتك؟ أم أنك تخطط للعمل على هذه العناصر الخمسة بالتوازي، وأین هي اللجنة الدستوریة بالضبط من حیث التسلسل؟

أجاب بیدرسن: أظن أنك فهمتني فماً صحیحاً، إننا نعمل كثیراً بالتوازي، فنحن نرى اللجنة الدستوریة عنصراً طبیعياً واحداً لتنفیذ قرار مجلس الأمن 2254، لكنني قلت في الإحاطة الإعلامیة أن اللجنة الدستوریة لیست العنصر الوحید. أرى أنه من المهم للغایة أن نعمل على القضایا الأخرى، وذكرت على وجه الخصوص بناء الثقة مع الحكومة في سوریا ومع هیئة المفاوضات السوریة، ونحاول بذلك إقامة حوار حقیقي، وقد ذكرت في الإحاطة الإعلامیة بأن لدي اتفاق مع الحكومة بأننا سوف نعمق ذلك الحوار ولدي اتفاق مماثل مع هیئة التفاوض، ومن ثم إن ما یمكننا القیام به هو التعمق في المسائل، وتحدید النقاط التي نتفق فیها، والنقاط التي نختلف فیها، ومن ثم استخدام القواسم المشتركة لمواصلة العملیة ودفعها إلى الأمام، وهذا هو طموحي.

نعم هذا ما ينوي عمله بيدرسون ولن يعدّ اللجنة الدستورية العنصر الوحيد ولا الأهم ولا نقطة البداية.

ولكن السؤال الجوهري هل سينجح في مسعاه بهذه المروحة الموسعة أم أنه سينتهي إلى حيث ما انتهى إليه ديمستورا الذي استقر رأيه في النهاية على التركيز على ملف واحد مهم والاستمرار في طرق بابه حتى يفتح، أم أنه تكتيك جديد من الأمم المتحدة هدفها إضاعة الوقت بانتظار تطور تاريخي مفاجئ يضع أمام الجميع حلاً شاملا لم يحتسبوه.

  • الخاتمة

لا توجد دلائل واضحة حتى الآن على أن بيدرسون –على الرغم من تشابه بداياته مع بدايات ديمستورا بالبحث عن حلول جزئية- سيسعى إلى تقديم فهم خاص به لقرار مجلس الامن 2254، ومن ثم الذهاب إلى المجلس لاستصدار قرار جديد يلغي مفعولات القرارات السابقة ويعيد التفاوض إلى نقطة الصفر من جديد، على الرغم من أن هذا الاحتمال ليس منعدماً لكن من المؤكد أنه إذا حصل فإن المعارضة السورية وتركيا ودول الخليج ستكون أكبر الخاسرين، كما كانت عندما ألغيت مفعولات قرار مجلس الأمن 2118 بصدور قرار 2254 (2015) الذي ألغى عملياً هيئة الحكم الانتقالي.

ماهو مؤكد حتى الآن أنه يسعى لتحقيق اختراقات ولو بسيطة ويغلب عليها الطابع الإنساني، من دون التطرق جدياً إلى الحل السياسي. وواضح أنه أميل إلى وجهة النظر الأمريكية من غيرها وهذا واضح من رغبته التي ألمح إليها في بعض لقاءاته بإعادة التفاوض على اللجنة الدستورية انطلاقاً من جنيف وليس من سوتشي، وهو لا ينظر بحماسة إلى مسار آستانة. فضلاً عما سبق هو يسعى إلى استرضاء النظام السوري نسبياً أو على الأقل عدم إغضابه ومنها زيارة المجاملة إلى حمص.

ومن المحتمل -وهذا ما أدركه كثيرون من لقاءاته- أنه ربما سينحو باتجاه مسار خلفي يشبه ذلك الذي كان جزءاً منه قبل أكثر من ربع قرن في مسار أوسلو.

سينظر بعض أطياف المعارضة السورية إلى بيدرسون نظرة إيجابية ومعظم هؤلاء أميل إلى التوجه السعودي، بينما ربما سيترحم المقربون من تركيا على أيام ديمستورا.

 

التعليقات والهوامش

1- عد أنس العبدة رئيس الائتلاف السابق والناطق الرسمي الحالي له أن زيارة المبعوث الدولي بيدرسون إلى حمص ولقاء محافظها وثيق الصلة بحرس ايران الثوري وحزب الله، خطوة منحازة وفي الاتجاه الخاطئ. وكان الأولى الاجتماع بمن هُجروا من حمص وبابا عمرو والغوطة وباقي مدن سوريا بدلاً من مصافحة من هجرهم وقتل أبناءهم ودمر منازلهم.

2- يشير هنا بيدرسون إلى مبادئ ديمستورا الاثني عشر التي طُرحت في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 وجرى تثبيتها في مؤتمر الحوار في سوتشي في 30 يناير/ كانون الثاني 2018.

3- ربما كانت منصة موسكو برئاسة قدري جميل هي الجهة الوحيدة من أطياف المعارضة التي تطابقت وجهة نظرها مع الروس في ما يتعلق بكون ديمستورا محض ميسر وليس موجهاً، وطالبت بعدم تفرد الأمم المتحدة باختيار الثلث الثالث، واتهمت المنصة نصر الحريري بأنه تنازل عن حق المعارضة بأن تكون لها حصة من الثلث الثالث مقابل أن يجري اعتماده من الأمم المتحدة في اللجنة الدستورية. لذلك كان المفاجئ بالنسبة إلى منصة موسكو وكثيرين رفض نصر الحريري مقترح ديمستورا الأخير في ما يتعلق بالثلث الثالث الذي من المرجح أنه حدث بتأثير خارجي.

4-  التقى بيدرسون بالمجلس الاستشاري النسوي (نساء ديمستورا) الأسبوع الماضي في جنيف في لقاء حميمي فيه كثير من الاستعراض والعاطفة.

5- قد تكون مجموعة العمل هذه التي تشمل اللاعبين الدولين الكبار المؤثرين في الساحة السورية مشابهة لمجموعة العمل التي أسست في فيينا في تشرين الأول/ أكتوبر 2015  وقد توسعت هذه المرة وضمت إليها دولاً أخرى في المنطقة وخارجها.

6- تأكيد لافروف في مؤتمره الصحافي في السعودية بعد يومين من تصريحات بوتين، أن مسار آستانة هو المسار الوحيد المعتمد قد يكون الهدف منه ترطيب الأجواء مع تركيا التي لن يلائمها مثل هذا الطرح إذ يقلل نفوذها في الملف السوري بينما يعزز مثل هذا التوجه منزلة روسيا استراتيجياً، ويجعل منها فاعلاً أساسياً على الطاولة لا يمكن أن يحدث حل من دونها.

 

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.