يعتمد نجاح أي برنامج تلفزيوني على (كاريزما) المقدم، إذ مهما كان الإعداد جيدًا، والديكور مبهرًا، والمؤثرات السمعية والبصرية رائعة، يظل المقدم هو المحور الأساسي لإنجاح أي برنامج تلفزيوني.

وخرجت علينا بعض المحطات العربية مؤخرًا ببعض المقدمين الذين لم يتمرسوا مهنة وتقنية التقديم، ما أضاع جهود القائمين على تلك المحطات، وسبب إفقارًا للموارد المالية، نظرًا للبذخ الواضح على بعض هذه البرامج وعدم وجود مردود لا معرفي ولا مالي.

وإذ ندرك أهمية حضور المقدم ولباقته في التعامل مع الجمهور ومع الضيف، فإننا ندرك أيضًا أهمية ثقافة المقدم وخلفيته العلمية والمهنية، وقدرته على التواصل مع الجمهور عبر العين، وعدم الضياع بين سطور جهاز القراءة، وأهمية إظهاره لضيفة بالصورة اللائقة، وتجنب ما قد يضايق الضيف من حيث طرح أسئلة الإثارة والمحاصرة – طبقًا لنظرية الدوان حول الذات التي يمارسها بعض المقدمين – أو الاستهزاء برأي الضيف إن خالف رأي أو فكر المقدم، فإن البرنامج يظل مستندًا على المقدم.

وتوقفت محطة بأكملها لأن المقدم الرئيسي فيها لا يمتلك كاريزما التقديم، كما توقف أحد البرامج مؤخرًا بسبب عدم التزام المقدم بمواصفات ومهنية التقديم التلفزيوني، ولكن مازال الفضاء مزدحمًا ببعض المقدمين الذين لا يقدمون شيئًا جديدًا، وإن قدموا فكرة جيدة، فإنهم “يحرقونها” بعدم التقديم اللائق الذي يحترم عقلية المشاهد، ومن أمثلة ما نشاهده هذه الأيام في بعض التلفزيونات العربية:

1 – عبادة المقدم لنفسه، ودورانه حولها، دونما اعتبار للموضوع الذي يقدمه ولا لأهمية المشاهدين.

2 – التمثيل الواضح – لدى بعض المقدمات – واستعراض المخرج لملامح من جسدها، دونما مبرر، أو قيامها بتسبيل عينيها عندما يتحدث الضيف، أو قيامها بـ”غمز عينها” للانتقال من فقرة إلى أخرى، وهذه من الأمور غير المهنية وتتعارض مع أخلاقيات العمل التلفزيوني.

3 – كثرة “الردح” والصراخ في بعض البرامج التي تبث على الهواء، ونحن ندرك أن التلفزيون وسيلة إقناع، وله لغته الخاصة عبر الصورة والكلمة، ولا يمكن أن يقتنع المشاهد بأسلوب الردح أو الصراخ، حيث يمكن أن نرى المقدم يستخدم يديه ورجليه ورموشه وحواجبه، بل ويلجأ أحيانًا إلى “اللطم”، كل ذلك من أجل أن يقول للمشاهدين: أنا لدي نهج جديد في التقديم (New Look)، وهذا أسلوب طارد للمشاهدين، بل ويجلب السخرية والتأفف من المقدم وللمحطة أيضًا، ولقد توقفت بعض إحدى المحطات العربية لأنها خالفت النهوج الإعلامية التي نُدَرّسها في الجامعة.

4 – تدني ثقافة المقدم، وظهوره في موقف الضعف عندما يأتي بضيف له خبرة في الثقافة أو الفن أو العلوم الاجتماعية، حيث نجد المقدم يرتجف، ويريد إنهاء البرنامج بأقصى سرعة، كما نجده يتقيد بأسئلة المعد، ويقرأها قراءة مدرسية، دونما تجاوب أو اندماج في الموضوع الذي يطرحه مع الضيف. وهذه النوعية من المقدمين والمقدمات لا يضيفون شيئًا في هذا الفضاء المزدحم، وهم في الأغلب يعتمدون على التلقين من المعد عبر سماعة الأذن، حيث نلاحظ الارتباك الواضح على وجوههم أثناء البرنامج، وللأسف مازال لدينا من هذه النوعية ومن أكثر من خمس سنوات!

5 – ضعف اللغة العربية لدى كثيرين من مقدمي البرامج، وهذا يخالف أساسيات البث، بل لقد تحولت محطات بأكملها إلى محطات ناطقة بـاللهجة المحلية، في مخالفة للقوانين المحلية التي تؤكد ضرورة استخدام اللغة العربية الفصحى كلغة للإعلام والتعليم، ونلاحظ الارتباك عند هؤلاء عندما يأتي بيان من جهة رسمية بلغة عربية فصحى!. ولقد تسرع الكثير من الشباب في الظهور على الشاشة دون تدريب، وظلوا “محلك سر” حتى اليوم.

6 – إن الانتقائية، وعدم وجود لجان لقراءة النصوص أو مشاريع البرامج في بعض المحطات العربية، يساهم في “تمرير” بعض البرامج “المزاجية” غير الهادفة، أو إنها تأتي مجاملة لشخص ما “مرضيّ عنه”!؟ أو تلك البرامج “المنسوخة” عن برامج أجنبية لا تناسب الذوق العربي الإسلامي، ولا تتفق مع أخلاقيات شعوب المنطقة العربية.

7 – تسابق بعض المحطات العربية – لكسب الإعلان – في تقديم بعض “النجوم”، خصوصًا المطربين والمطربات والممثلين والممثلات لتقديم البرامج. وهذا أمر يحتاج إلى وقفة، فقد يكون المطرب أو الممثل أو المطربة أو الممثلة جيدين في الغناء على المسرح، ولكنهم لا يتقنون أساسيات التقديم. ولقد ظهرت برامج – لمرة واحدة – وفشلت لأن المقدم أو المقدمة لم يكن على المستوى اللائق للتقديم.

8 – التقديم التلفزيوني يعتمد على حسن استواء وجه المقدم، وعدم وجود تشوهات خَلقية في صوته أو صورته، ولكننا نلاحظ وجود بعض الوجوه التي “فُرضت” لأزمان طويلة على الشاشة، لم يكن الله قد خلقها لتظهر على الشاشة، وإن أبدعت في مجالات أخرى!؟ توجد وجوه فيها “تضاريس” حادة أو متداخلة، أو أن الزمن قد رسمَ آثاره عليها، ولكننا نشاهدها على الشاشة منذ أكثر من 25 عامًا!؟

موهبة التقديم

وبعد فإن التقديم التلفزيوني مهمة ليست بالسهلة، وتحتاج إلى موهبة فطرية تؤسّس بالاطلاع والتدريب، بل وتحتاج إلى توجيه من قبل أصحاب المحطات المتخصصين. لأن المشاهد – والإنسان – عموماً يحكم على الصورة الأولى، أو الانطباع الأول، فإذا ظهر المقدم بصورة غير مقبولة ، فإن المشاهد لن يدير مؤشر التلفزيون على المحطة مرة ثانية.

نقلاً عن: صحيفة الشرق