تلبدت الغيوم فوق منطقة شرق المتوسط وذهب النهار بنوره واحتجبت أشعة الشمس خلف الغيوم السوداء معلنة لأهالي المخيمات في سوريا ولبنان والأردن ليال قاسية تحمل ألما ومعاناة جديدة.
بدأت الأمطار بالهطول منذ أيام فوق تركيا وسوريا ولبنان والأردن وكل ذهب يغلق نوافذ بيته التي كانت مفتوحة طوال فصل الصيف ليدق الشتاء الأبواب بعنف بلا رحمة، فيشرع الغني بإشعال جهاز التدفئة في بيته وأطفاله يلعبون ويشاهدون التلفاز, أما الفقير فيدق قلبه كلما دقت الرياح والأمطار بالنوافذ والأبواب ويهمس لزوجته: “جاء الشتاء”، لتقوم الزوجة بإخراج الألبسة الشتوية المعدمة القديمة لأطفالها وتلبسهم الجوارب المثقوبة المرقعة مكان الأصابع بخرق بالية و قفازاتهم المنسوجة من خيوط الصوف قد ضاعت أو تلفت لتجمِّع الأم قفازات بألوان وأشكال مختلفة, فلكل واحد من أفراد الأسرة لون قفاز مميز وأحدهم كبير والآخر صغير وتلك الأم لا تمتلك ثمن قفازات أو ألبسة جديدة، تفعل ذلك الأم خوفا من البرد المتسرب من فتحات المنزل والباب المخلوع وصوت صفير حبل الغسيل الذي لم يعد يجف عليه الغسيل.
أما الحال في مخيمات الشمال فلايطاق فخلال الليالي الماضية نهض نضال في منتصف الليل وقطرات الماء تتسرب من الخيمة لتسقط على عائلته ويصيح هيا انهضوا إنها تمطر فينهض الأطفال على صوت الرعد ظنا منهم أنه قصف من النظام أو من روسيا فهم تعودوا عليه قبل نزوحهم من ريف إدلب الجنوبي تسأل الأم زوجها على عجل وهي تحمل طفليها: “ماذا سنفعل” !، ليرد عليها:” سنذهب إلى خيمة جارنا فلديه عازل فوق خيمته”، فيخرجون تحت صوت الرعد ولمعان البرق باتجاه خيمة جارهم، وينادي نضال جاره: “افتح لنا فقد غمرت خيمتنا بالماء”، ويفتح الجار يديه قائلاً: “أهلا وسهلا تفضلو”، ويخرج إلى نضال وتدخل الزوجة والأولاد ليرووا ماحدث لكن الرجلين عادا إلى الخيمة وحاولا انتشال الأشياء المهمة “وربطتي الخبز” وشهادة نضال الجامعية قبل أن تتبلل ويصبح مصيرها التلف.
بدأ الجار بوضع بعض الصحون والقدور تحت قطرات الماء لتتشكل مقطوعة موسيقية حزينة من قطرات الماء, تشرح حال نضال وعائلته فشهادته لم تمكنه من الحصول على وظيفة بعد كي يعيد بناء خيمته وإصلاحها وشراء عازل لمنع تسرب الماء،
ويسرح نضال في خياله بأنه ذات يوم سيعيد بناءها بأفضل حال وسيحصل على وظيفة، كي يشتري لأولاده مايقيهم من البرد الذي لم يرحم الفقراء والمشردين .
تحول مخيم الكرامة في تجمع المخيمات بالقرب من بلدة أطمة شمال إدلب بالقرب من الحدود التركية إلى مستنقع وغمرت المياه الأرض لارتفاع 30 سم ليخرج الجميع في الليلتين الماضيتين إلى مناطق أكثر ارتفاعا وميلانا وينام الأطفال وسط ذهولهم فيما جرى.
يقول أهالي المخيم “الحمد لله أنه يوجد مخيمات جيدة وإلا لكان أصحاب المخيم منكوبين أكثر من نكباتهم، فالطرقات والشوارع غمرت بالمياه والوحل, وهاقد شمر الرجال عن سواعدهم ليبدأوا بتحويل المياه إلى خارج المخيم, وهذا الحال يشبه أهالي هضبة التبت غرب الصين عندما يزرعون الأرز فهم يعملون ويعانون ويأكلون ويعانون ويقهرون ويعانون أيضا.
الخيم في الشمال السوري وفي لبنان والأردن غير مؤهلة لأن تتحمل الرياح والأمطار ويطلب الأهالي من المنظمات الإنسانية إسعافهم بخيم جديدة بدل خيمهم التي لم تعد تقاوم فهي مخزقة ومهترئة في أجزاء كثيرة منها.
هدمت وانجرفت العشرات من الخيم واختفى أثرها ليرسم الطفل على التراب الناعم مكان خيمته بيتاً خشبياً ويكتب اسمه واسم مدرسته التي دمرتها طائرات النظام عليه.

المركز الصحفي السوري_خاطر محمود