ثمان سنوات على انطلاق ثورة الحرية والكرامة، وثبات الكثير من الثوار والأحرار على ماخرجوا لأجله، بل ربما ازدادوا ثقة ويقيناً بالمضي في ثورتهم حتى تحقيق مطالبها بالكامل ابتداءاً من اسقاط عصابة القمع والإجرام، التي انكشفت على حقيقتها وعرَّت من خلفها هذا المجتمع الدولي المنافق، وانتهاءاً بتحقيق الحرية والكرامة التي خرجوا لأجلها وبذلوا من أجلها الغالي والنفيس.

عانت الثورة في مسيرتها من مشاكل متعددة ومركبة، محليّاً واقليميَّاً ودولياً، تجاوزت معظمها بعفوية وثبات، بسبب قوَّتها الذاتية، وصدق ثوارها، وخوفها من بالمصير المحتوم في حال فشلها أمام عصابة محترفة بالتشفَّي والقتل والإجرام.

شهدت الثورة على مدار سنواتها الثَّمان تشكيل العديد من الأجسام والفصائل والتجمعات والكيانات، العسكرية والمدنية والسياسية.
نجحت الفصائل العسكرية بتحقيق انجازات كبيرة على الرغم من اختراقها فيما بعد، ونظراً لتسليحها القليل والضعيف كمَّا ونوعاً، قياساً بتسليح العصابة الحاكمة وداعِميها الإقليميّين والدوليّين، حيث كادت على وشك اسقاط العصابة، لولا عدة أسباب محلَّية وإقليمية، وبتوجيه دولي بحت، ثم مالبثت أن انحرفت عن أهدافها للأسباب عينها، بالإضافة إلى خلافات في الأهداف والرؤى والمشاريع.

الكيانات المدنية استطاعت تحمَّل جزء كبير من معاناة الناس، وقدمت خدمات جمَّة في الغذاء والدواء والتعليم، دون أن نغفل أن جزءاً كبيراً منها كان معول هدم وتخريب لاختراقها وعبثها بباقي المكونات لأنَّ حقيقة عملها وسبب تواجدها يتطلَّب منها ذلك، خدمةً لمصلحة صانعيها ومموليها ومشغليها.

وأما الكيانات السياسية والتي كان جلَّها يتواجد ويعمل في الخارج، فكانت هي الأسوء على الإطلاق
ولأسباب كثيرة يطول شرحها، يتلخص بقلة الخبرة والتجربة والوعي السياسي، واختلاف الرؤى والمشاريع والولاءات، والأهم من ذلك حالة الاختراق والارتهان لأجندات إقليمية ودولية، دون أن نغفل وجود أدوات نشطة للعصابة الحاكمة، في كل جسم وكيان.

وبعيداً عن العاطفة والمجاملة فإن المشهد السياسي للثورة بمجمله في الداخل والخارج، مشهد بائس بكل ماتحمله الكلمة من معنى، ليس لأنَّ التناقضات والخلافات البينية بين الأفراد والفصائل والكيانات، عميقة وجوهرية، أو مصيرية وحقيقية (ولو سلَّمنا أنَّها ربما تكون كذلك في زوايا معينة).

ولكن لأنَّ الخلافات الفرعية والنفسية، التي ترسخت في الرؤوس على مدار سنوات الثورة الثمان، والتي كانت في معظمها أوهام وإشاعات وأكاذيب، وبعضها حقيقة ولكنَّه لايصل إلى درجة الخلاف التي تغيّر مسير الثورة من عدو حقيقي متأصِّل بالإجرام،إلى عدو وهمي وفرعي مايجمعنا معه أكثر بكثير ممَّا يجعلنا نتصادم معه، وهذه الأوهام زرعت الشكوك في كل طرف تجاه الآخرين، ما لبثت أن تحوَّلت شيئا فشيئا إلى خلافات حقيقية وعميقة في النفوس والأفكار والقناعات، حتى أضحت ممارسة تلقائية نشهدها في حياتنا وسلوكياتنا عند كل رأي أو نقاش أو عمل، وفي معظم الحوادث والقضايا والقرارات.

وكل ذلك بسبب عدم وجود قيادة حقيقية واعية وصادقة يلتف حولها الثوار تستثمر طاقاتهم وتضحياتهم، وتعرف كيف توجههم، وتسلك بين هذه الحواجز والألغام التي زرعها المجتمع الدولي أمام تطلعات الشعوب المناضلة لتحقيق حريتها، وتصل بهةفي النهاية إلى أهدافه وتطلعاته وأمانيه.

وضَّاح حاج يوسف 26 تشرين أول 2018