من العبث ألا يُقرّ الواحد منا بوجود سوء قراءة في العالم العربي للتطوّرات السياسية المحلية والإقليمية والدولية.
نعم، هناك سوء قراءة، وأحياناً سوء فهم أيضاً، غير أنه من الإنصاف ألا يضع المحلّل المنصف كل المسؤولية على الإنسان العربي والسياسي العربي، ومن ثم النظام السياسي العربي… إذا كان بالإمكان استخدام هذا المصطلح.
ففي دولنا أنظمة تعليم تنوء تحت ثقل النمو السكاني السريع، وشحّ في الموارد الطبيعية ولا سيما في الدول ذات الكثافة السكانية، وهناك أيضاً إخفاقات متتالية في بلورة مؤسسات سياسية مؤهلة من ناحية للتعبير عن مطامح جيل شاب متعجّل النتائج، ومن ناحية ثانية للتعايش بواقعية ونضج ومسؤولية مع بيئاتها.
كل هذه المشكلات الجدية لا تتيح الخروج باستراتيجيات سياسية مُحكَمة بالمطلق. ثم ماذا عن الأخطار «الداهمة» و«الدائمة» على عالمنا العربي، من الشرق والغرب، والشمال والجنوب، ناهيك بالخطر الإسرائيلي الذي يقطع أوصاله من وسطه، فاصلاً جزأه الآسيوي عن جزئه الأفريقي؟
إننا نعيش العقد السابع في المواجهة مع إسرائيل، ومن هم وراء إسرائيل. ومع ذلك أعتقد أننا ما زلنا – وما زال الإسرائيليون أيضاً – أبعد ما نكون عن تصوّر حقيقي لأي شكل من أشكال التعايش. والملاحظ عبر التجارب الكثيرة، من أيام أحمد الشقيري، حتى اليوم مع محمود عباس و«حماس»، مروراً بتجربة ياسر عرفات التاريخية، أن لدى الجانبين نوعاً من الشعور الداخلي بأن لا ثقة، ومن ثم لا جدوى من أي سلام. فعندما يتكلم الجانب الإسرائيلي عن السلام – طبعاً مع مواصلته البناء العسكري والاستيطاني الذي لم يتوقف – يأتي الرد الفلسطيني بالرفض… بل إذا مال الفلسطينيون إلى البحث بالعرض، يأتي من العرب والعجم مَن يزايد عليهم فيحرجهم ويخوّنهم ويتاجر بهم. وبالعكس، عندما يعرض الجانب الفلسطيني المصافحة والتعايش يأتي في الجانب الإسرائيلي مَن لا يكتفي بقتل المستعدّين للمصافحة – كما فعل ييغال عمير قاتل إسحق رابين – بل يتفنّن في ابتزاز أي معتدل فلسطيني أو عربي ونسف صدقيته… وهنا الأمثلة أكثر بكثير.
واليوم عندما ننظر إلى خريطة ما تبقى من فلسطين، وإلى بدعة سجن الأطفال و«شيطنة» شعب بكامله، نتوقف عند الأفكار السياسية التي تواكب الوضع المأساوي الحاصل، فنجد أنه كلما زاد الكلام عن «حل الدولتين»… انتفت إمكانية قيامهما جنباً إلى جنب. وهذا، ليس فقط لأن ما فعلته إسرائيل «الليكودية» يقضي قضاء مُبرماً على دولة فلسطينية قابلة للحياة، بل لأن أي سياسي أو حزب إسرائيلي لن يستطيع الفوز إذا التزم جدياً السلام الحقيقي وقبِل ببحث مصير القدس في «الحل النهائي» الموعود.
هذا بالنسبة لإسرائيل والعجز العربي – وبضمنه، طبعاً، الفلسطيني – عن التعامل مع تحدّيها. ولكن على بعد أميال قليلة من الأراضي التي تحتلها إسرائيل بجنوب سوريا ولبنان… ثمة احتلال آخر، هو الاحتلال الفعلي الإيراني. والحقيقة أن الاحتلال الإيراني، الذي يفضّل عاذروه وصفه بـ«الوجود الإيراني المسلح»، بات أوسع وأرسخ وقد يكون ذا ديمومة أطول من الاحتلال الإسرائيلي، ولا سيما أنه يحظى ببيئات طائفية حاضنة، تدعمه وتستفيد منه في مناطق عدة من العالم العربي.
وإذا نظرنا إلى ما يحدث في أربع دول عربية هي العراق وسوريا ولبنان واليمن، نجد أن إيران لا تحظى فقط بنفوذ ضخم – وقد يستمر في المستقبل المنظور بعد شرعنته في الانتخابات المتوقعة في العراق ولبنان، بل إن هذا الوضع الشاذ لا يقلق القوى العالمية الكبرى التي تبدو كأنها تريده.
إن الإشارات المتناقضة التي تلقاها نظام طهران منذ كشف النقاب عن المفاوضات الأميركية المؤدية للصفقة النووية معه، كلها تدفعه للتشدّد والتوسع والاستقواء على جيرانه. وحتى اليوم، رغم ملاحظة بعض التغيير الظاهري في مقاربة واشنطن، تقف القوى الأوروبية الغربية ومعها روسيا صراحة في صف إيران. وتبعات مواقف كهذه لا يمكن أن تشجع الاعتدال، لا في المنطقة العربية ولا في العالم الإسلامي.
ثم هناك تركيا.
تركيا «العثمانية الجديدة» اليوم غير تركيا «الأتاتوركية» و«الأطلسية». وهي مثل إيران تتلقى راهناً رسائل ملتبسة من القوى الدولية الكبرى، وبالأخص، من حليف «الحرب الباردة» الأول… الولايات المتحدة. والنتيجة، كما نرى، أن القيادة التركية تتخبط الآن في أولوياتها وبدائلها لجملة من الأسباب، أبرزها: الرفض الأوروبي لتقبلها شريكاً أوروبياً، والرفض الأميركي لمخاوفها الكردية، والرفض الروسي للعبها دوراً فاعلاً في مجالها «العثماني» القديم في المشرق العربي والقوقاز وآسيا الوسطى.
مفهوم أن أوروبا لن تقبل خزاناً بشرياً مسلماً له امتدادات «إسلاموية» داخل كياناتها. وأميركا تبدو غير متعاطفة مع القلق التركي من نشوء كيان كردي مستقل أو ذاتي الحكم، تخشى أنقرة أن يتحوّل مستقبلاً إلى عبوة بشرية ناسفة تدمّر الدولة التركية. وكان بديهياً أن توجد مواصلة واشنطن الرهان على «دور» للأكراد في شمال سوريا – رغم نكستهم في شمال العراق – قواسم مشتركة بين أنقرة وطهران؛ ذلك أن أي رهان أميركي على «كردستان كبرى» من شأنه استفزاز العاصمتين معاً، لأن لإيران همومها الكردية المزمنة أيضاً. وها هي القواسم المشتركة التركية – الإيرانية تحظى اليوم برعاية انتهازية من روسيا، على حساب العرب في كل من العراق وسوريا، واستطراداً لبنان.
أما الجديد فهو تمدُّد «التمَحوُر» السياسي الإيراني – التركي جنوباً في حوض البحر الأحمر واليمن. ولئن كان الانقلاب الحوثي في شمال اليمن قد شكل نقطة توتر خطرة كان يُفترض بها أن تنبّه القوى الدولية لأبعاد المشروع التوسعي الإيراني، فإن بعض الأقطار العربية تتخوّف من دخول تركيا على الخط في أماكن أخرى كانت ذات يوم جزءاً من «الدولة العثمانية».
ختاماً، ارتباك العرب ومطامح الأكراد، وكذلك مشاريع الأتراك والإيرانيين، إفرازات مفهومة لـ«الفراغ» الحاصل في القيادة العالمية.
وباختصار، يجب القول إن نوعية القيادات الحالية في العواصم الكبرى دون مستوى المخاطر المحدقة بالمنطقة والعالم.
اسألونا… نحن شعوب الشرق الأوسط!