((مازال في رأسي بقايا عقل أتكأ عليه في غربتي))

كلمات قالتها أم أيمن وهي تبكي على حال قد يودي بعقلها يوما ما..

أم أيمن .. أم لثلاثة أطفال مختلين عقليا، تعيش في بيت أشبه بخرابة صغيرة في قرية أهلها بعد أن اعتقل النظام زوجها في مدينة دمشق منذ بدأ الثورة.

تروي لنا أم أيمن معاناتها وهي تنظر لأطفالها بغصة وحرقة لمصير مجهول ينتظر أطفالها: (( بالرغم من إعاقة أطفالي إلا أني كنت أساند نفسي بزوجي الذي كان يعينني على متاعبهم ويأمن لنا لقمة العيش والأدوية اللازمة لمعالجتهم،

 وفي أحد الأيام خرج ولم يعد للبيت وإذ به اعتقل في حملة مداهمات شنها شبيحة الأسد على مكان عمله، بحثت عنه كثيرا وطلبت يد العون من بعض الناس الذين شفقوا على حالي فعلمت وقتها أنه اعتقل ورجعت إلى البيت وأنا أقاسي ما أقاسي من الألم ويلي ما ينتظرني من اليوم فصاعدا، ماذا أفعل وأنا في الشام وحدي .. لمن سأذهب ؟!! .. كيف سأطعم الأطفال .. كيف سأعمل وأنا لا أستطيع ترك الأطفال بمفردهم .. قد أذهب إلى العمل وأعود ولا أجدهم … أو لربما تأتيهم نوبة عقلية تودي بحياتهم وأنا في الخارج، لم يكن بمقدوري تركهم بمفردهم، يا ليتني يومها فقدت عقلي كهؤلاء الأطفال وعشت في هذه الحياة بلا مبالاة ولا مسؤولية ولكن ما عساي أن أفعل إنها مشيئة الله..

مكثت مدة من الزمن في الشام على أمل أن يخرج زوجي اليوم أو غد ومضى شهر وثاني وثالث ورابع وحالي من سيء إلى أسوء.. لم أستطع العيش بمفردي هناك فقررت الرجوع إلى بيت أهلي في إدلب وعدت ومعي ثلاث أطفال معوقين عقليا.. وبقيت مدة من الزمن في بيت أهلي ولكني أحسست بعبئي وثقلي عليهم، ما من أحد يستطيع تحمل تصرفات ثلاثة أطفال مختلين عقليا حتى الجيران في الحارة بدأوا بإظهار الانزعاج من أصواتهم المتعالية وضجيجهم وحينها ما كان بوسعي سوى أن أخرج من بيت أهلي أيضا وأبحث عن ملجأ يؤويني أنا وأطفالي ..

لا أنكر دور أهلي في مساعدتي فبفضلهم حصلت على هذا البيت المتواضع الذي أعيش فيه الآن .. صحيح أنه ليس مخدم تماما ولكن يكفي أنه متطرف على أطراف البلدة لا يستطيع أحد سماع أصواتهم المزعجة للبعض.))

تتوقف أم أيمن عن الحديث وتنظر لأطفالها الذين يلعبون بالتراب وقد عبأ الوحل أجسادهم .. تراقبهم وهم يضحكون بلا مبالاة في قصف أو طيران أو هم من هموم الحياة ..

 تتنهد وتضحك معهم ضحكة يعلوها الحزن لا الفرح على حال لا مفر من العيش فيه، تمسح كفيها وتعاود الكلام من جديد: (( أحاول تأمين احتياجات الاطفال من المساعدات التي تقدم للبلدة، لا امتلك المال ولا معين لي غير الله على تربيتهم، الكبيرة بلغت من العمر 15 عاما والثانية تصغرها بقليل والطفل ابن عشر سنين همهم يكبر مع كبرهم فأنا من يخدمهم ويقدم لهم جميع احتياجاتهم من نظافة وغيرها .. أتساءل في كل ليلة تمر ترى إن حصل لي مكروه فمن سيتولى تربيتهم من بعدي فلا أب موجود ليكفلهم ولا عم لهم ليرعاهم، أحيانا أقول لو أنهم ذكور أهون بكثير من كونهم إناثا، فالذكر يستطيع العيش بدون أبويه أما الأنثى تبقى ضلعا قاصر فكيف إن كانت مختلة عقليا .. ما مصيرها؟!!!

كلما شن الطيران الحربي هجوما على البلدة أتمنى لو تنفذ فوقنا وتأخذني أنا وأطفالي في وقت واحد، أصبحت الحياة متعبة جدا وأنا وإن كنت أناضل فيها فلأجل الأطفال فقط.))

تنهي أم أيمن حديثها وتذهب لتحتضن أطفالها من فوق التراب، هل هناك أمل واقع أفضل تعيشه أم أيمن وما هو مصير أطفالها من بعدها .. هذا ما لا يعلمه سوى الله وحده وبشر الصابرين.

 

مجلة الحدث- نور سالم