بونابرت والباشا العثماني.. هكذا تحطمت أحلام فرنسا عند الأسوار

عمران عبد الله

انتهى حصار القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت لحامية يافا المكونة من القوات الألبانية والعثمانية بقيادة أحمد باشا الجزار، باستسلام الحامية للقوات الفرنسية في نهاية الأسبوع الأول من مارس/آذار 1799.

ولم يهنأ نابليون كثيرا بهذا النصر، إذ جرت الرياح بغير ما تشتهي سفن الإمبراطورية الفرنسية وفشلت حملتها على الشام وعادت أدراجها إلى مصر.

وشكلت عكا وميناؤها هدفا لحملة نابليون على الشام لموقعها الإستراتيجي، فسعى إلى تحريض السوريين على العثمانيين، وقطع الطريق على بريطانيا نحو مستعمراتها في الهند.

ومثلت المذبحة المروعة التي قام بها نابليون في يافا بعد أن استسلمت له حاميتها، نقطة فاصلة في الحملة، واستبسل حماة عكا في الدفاع عن مدينتهم ورفضوا تسليمها خوفا من مصير يافا الدموي.

 سوق بمدينة يافا عام 1890 (الجزيرة)

أسوار عكا
في عام 1799، تصدت أسوار مدينة عكا لزحف القائد الفرنسي نابليون، رغم حصاره لها مدةً طويلة أمطر خلالها المدينة بوابل من قذائف المدافع و الرصاص، وفشل في اقتحام أسوارها.

وقال نابليون وقتها كلمته الشهيرة “تحطمت أحلامي على أسوارك يا عكا، سلاما لا لقاء بعده”.

وعندما يئس الفرنسيون من دخول عكا توجهوا للكرك، لكنهم فشلوا في اختراق تحصيناتها القوية، وانتشر الطاعون لاحقا بين الجنود الفرنسيين، فانسحب نابليون بحملته من الشام.

وبعد شهور من احتلال يافا، تنازل الحاكم الفرنسي لأحمد باشا الجزار الذي أعاد تحصين المدينة من جديد وثبت دعائم ملكه، ولولا وفاته لتولى حكم مصر قبل محمد علي باشا، الذي حكم مصر بين عامي 1805 و1848.

وروى أحد إقطاعيي لبنان الأمير أحمد حيدر الشهابي الذي عاصر حصار القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت لمدينة عكا الواقعة تحت سلطة أحمد باشا الجزار، ما جرى في مخطوطة نادرة.

هزيمة نابليون
ذكر الأمير أحمد حيدر الشهابي أن الجزار استعد لتلك المعركة منذ أن بلغته أخبار استيلاء الفرنسيين على مدينة الإسكندرية عام 1798، وقال إن وفاته حالت دون توليه عرش مصر بداية القرن التاسع عشر.

وجاءت هذه الرواية في مخطوطة انشرت لأول مرة في كتاب عنوانه “قصة أحمد باشا الجزار بين مصر والشام وحوادثه مع نابليون بونابرت” أعدّه عبد العزيز جمال الدين، بحسب وكالة رويترز.

ويعرض الكتاب حياة الجزار منذ خدمته عند بعض أمراء مصر والشام ثم انقلابه عليهم، ويسرد بقية الأحداث التي أوصلته لاحقا إلى السلطان العثماني وحصوله على لقب “باشا”.

ويذكر الكتاب أن لقب الجزار قد حمله من مصر بعد أن سيطر على القوى المحلية والعشائرية بقسوة، وجنّد المرتزقة وسعى لتحقيق حلمه بحكم فلسطين وجنوب سوريا ولبنان، وطمع في حكم مصر.

أضاف أنه نجح في تحقيق الاستقلال بأجزاء من بلاد الشام دون إعلانه عن السلطنة، وأنه أعد للسلطان تقريرا عن “كيفية غزو مصر”، ملمحا إلى نفسه في عرض صفات القائد الذي ينبغي عليه القيام بذلك.

وقال جمال الدين إنه منذ هزيمة نابليون في عكا وعودته عام 1799، ظلت الشام ولبنان وفلسطين تحت سيطرة الجزار بلا منازع ولا منافس.

نابليون بونابرت عاد منهزما إلى مصر بعد أن حطمت أسوار عكا طموحاته الاستعمارية (مواقع التواصل الاجتماعي)

قرار تعيين
وسجل الكتاب أيضا أن القنصل الفرنسي في طرابلس ألفونس جيز كتب يوم 5 مارس/آذار 1804 عن وصول السعاة من الأستانة إلى طرابلس للحصول على خيول، وكانوا يحملون إلى الجزار كتاب تعيينه واليا على مصر، لكنه توفي يوم 23 أبريل/نيسان من العام نفسه.

ويورد المؤلف قرارا عثمانيا يفيد بالتحالف مع قائد الأسطول الإنجليزي ضد الجيش الفرنسي.

وجاء في القرار “إلى جميع المدن من السلطان سليم خان يخبر بالاتحاد بين الإنجليز والإسلام على الفرنسيين اللئام… لا يخفى عليكم أنه في هذه السنة قد هجم الكفرة والطغاة الفرنسيون لأخذ الإسكندرية ومصر القاهرة وما يليها، والآن قد اختلسوا يافا وغزة والرملة.. وعزمهم الغائب الفاسد على تدمير أمة المسلمين”.

ويسجل القرار أن الصداقة تقتضي بتعاون “سعادة أخينا المحترم سلطان الإنجليز المفخم المتحد معنا بالارتباط بالسوية على تدمير الأمة الفرنسية”.

وفي قرار آخر موجه إلى سائر البلدان يصف الفرنسيين بأنهم كفار وملحدون وماكرون، ويقول “هذه الفرقة الملعونة قد فارقت جميع الأديان والملل.. فكيف لا يكون فرضا على كل واحد من المسلمين إبداء المروءة؟”.

ويقول المؤلف إن حصار عكا على يد “سر عسكر الفرنسيين المسمى بونابرت” استمر 70 يوما إلى أن وقع الطاعون وجاءتهم أخبار عن إمدادات إنجليزية بحرية وبرية لجيش الجزار، ففكوا الحصار عائدين إلى مصر.

نقلاً عن: الجزيرة

Leave A Reply

Your email address will not be published.