أمة كبيرة بذاكرة قصيرة

القدس العربي _ منصف الوهايبي

قد يغيب عن كثير أو قليل منا أن أدبنا العربي الحديث شعرا ونثرا «مستحدث» من حيث الشكل (شعر التفعيلة وقصيدة النثر) والجنس (الرواية والقصة القصيرة والمسرحية)، وفيه ما فيه من المؤثرات الأجنبية؛ منذ أن برحت الثقافة/ الثقافات العربية مداراتها المألوفة مع أدباء الشام ومصر خاصة، فأدباء المغرب العربي. على أن الموقف من «العزوف» عنه عالميا، إنما يُكْتَنَهُ في ضوء التقبل من حيث هو مفهوم جمالي يتسع لشتى المواقف المزدوجة أو المختلفة، وهذه ليست إلا محصلة أفق التوقع وأفق التجربة معًا؛ حتى عند الشاعر أو الكاتب نفسه. فهو متقبل ما أن يشرع في الكتابة عبر مشادة أو مصالحة أو تفاعل بين تجارب الفن، الحاضر منها والماضي، والحديث منها والقديم؛ والوافد منها والمتأصل.
إنها باختصار مخِل لا ريب حوار خفي أو لعبة أسئلة وأجوبة محتجبة ذات قواعد وقوانين ق ندرك فعلها وأثرها؛ ولكننا قد لا ننفذ إلى منشئها وكنهها. ونحن أحوج ما نكون إلى إعادة ترتيب علاقتنا بأدبنا، عسى أن نفهم أسباب العزوف عن ترجمته ونقله إلى اللغات العالمية.
وفي حوار أجريناه أنا والشاعر التونسي محمد الغزي عام 1984 مع الشاعر السويدي أوستون شوستراند عضو لجنة نوبل للآداب وقتها، ونشرناه مع نماذج من شعره، في مقدمة كتابنا «تحت برج الدلو«(منشورات ديميتير تونس 1984 بالاشتراك مع جامعة لوندت في السويد)؛ اكتشفنا أننا حقا أمة كبيرة، لكن بذاكرة أدبية قصيرة. وكنا في ضيافة السيدة سيغريد كاهل ابنة المستشرق نوبرغ، وصديقة سلمى الخضراء الجيوسي، وقد أخذت تشيد أمام شوستراند بالحضارة العربية الضاربة في الزمن، وتقول إنه لفرق شاسع بين حضارة تستند إلى أكثر من خمسة عشر قرنا هي حضارتكم العظيمة، وحضارة السويد التي ليس لها هذا الامتداد في التاريخ، بل إن نهضة السويد الأدبية لم تبدأ إلا في القرن الثامن عشر مع الملك غوستاف الثالث، وإليه يرجع الفضل وهو الذي نهض بدور كبير في بعث المسرح والأدب والأوبرا؛ وهو الذي عمل على تطوير اللغة السويدية، وجعل التأثيرات المتأتية من فرنسا خاصة تستجيب لظروف السويد وشروط الحياة فيها. ولم تكن هناك قبله تقاليد مسرحية، كما هو الأمر في ثقافتكم.

مسؤولية نقل الأدب العربي إلى اللغات العالمية تقع على كاهل العرب قبل غيرهم، وأن الأكاديمية مستقلة عن السياسة وعن الأحزاب مثلما هي مستقلة عن الدولة؛ حتى إن كانت تتلقى هبات من جهات شتى.

ثم إن هذا الملك المثقف وكاتب الأوبرا، هو الذي أسس الأكاديمية؛ وجعلها مستقلة عنه وعن الدولة. وقد شاطرها شوستراد الرأي، وانتهزنا نحن الفرصة لنسأله عن ضعف انتشار الأدب العربي في السويد، وما إذا كان هناك عربٌ مرشحُونَ لجائزة نوبل.
والحق أن الرجل كان صريحا، وأفادنا بأن مكتبة نوبل تكاد لا تحوي من هذا الأدب شيئا يؤبه له؛ وهو ما يحز في النفس. وقال: «ومع ذلك فإن هناك أسماء عربية مرشحة للجائزة» وهي جديرة بها لا شك. وأضاف إن مسؤولية نقل الأدب العربي إلى اللغات العالمية تقع على كاهل العرب قبل غيرهم، وأن الأكاديمية مستقلة عن السياسة وعن الأحزاب مثلما هي مستقلة عن الدولة؛ حتى إن كانت تتلقى هبات من جهات شتى. ولكن هذا يؤثر في استقلاليتها، بل إن أعضاءها لا يحصلون على أي أجر. ما الذي يحول إذن دون ذيوع هذا الأدب العربي المعاصر عالميا؟
يشير روجر ألن في مصنفه «مقدمة للأدب العربي»، ت. رمضان بسطاويسي ومجدي أحمد توفيق وفاطمة قنديل، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003» والكتاب موجه إلى طائفة من القراء الأجانب الناطقين بالأنكليزية في مطلع القرن الحادي والعشرين، وليس الناطقين بالعربية؛ وهو يتنزل في حيز الأدب العالمي المقارن؛ إلى أن النعت «عربي» يفصح كما يقول عن اللغة التي صيغت بها المادة. ولكن هذا النعت أو المصطلح يحوي دلالة مزدوجة، إذ يشير إلى الناس أي العرب، من جهة وإلى العلاقة بين العالمين: العربي الإسلامي والغرب، من جهة أخرى. وهي في معظم هذه المرحلة المتخيرة من القرن السادس للميلاد (وليس قبل الميلاد كما جاء سهوا في الترجمة) إلى الحاضر، علاقة مواجهة مستمرة غالبا؛ ينزع فيها كل طرف إلى نوع من التعتيم على «بعض الحقائق المؤسفة للطرفين كليهما». ومثال ذلك أننا إذا نظرنا إلى الصليبيين وغزو إسبانيا مجددا، فسقوط غرناطة عام 1492، نجد أن الحدثين عدا من المراحل المجيدة في تاريخ أوروبا الغربية. ولكنهما خارج هذا السياق، يكتسبان معنى مختلفا تماما، إذ هما اللذان يمهدان السبيل للفصل الثاني حيث يطرح الباحث جملة القضايا الأدبية المستجدة في سياقها البيئي واللغوي والتاريخي، وأهمها قضية الأجناس الأدبية في اللغة العربية. و منها الشعر العربي في شرق البلاد العربية وغربها، فهو تجربة إنسانية كونية مفتوحة لم يكن السبق فيها للعرب، ولن يكونوا فيها حلقة الاختتام.
وإنما هم يتبوؤون فيها منزلة لا يفضلون بها منازل غيرهم من الأمم، ولا هم في ذلك أدنى منهم. على أن ذلك لا يبخسهم في الوقت نفسه حق التفرد بكثير من الميزات التي تجعل شعرهم مخصوصا بخصائص حضارتهم، مطبوعا بطبائع بيئتهم، ولطائف لغتهم. وهذا التفرد هو الذي دفع المستشرقين إلى ترجمة الشعر العربي القديم، ونقله أحيانا في أوزانه العربية نفسها؛ على نحو ما فعل المستشرق الشاعر فريديريش ريكرت؛ وكان لترجمته وقع غريب على أذن القارئ الألماني، وهو يكتشف عالما شعريا غريبا عنه، وفي أوزان لم يعهدها؛ والوزن العربي العروضي كمي، في حين أن الوزن في لغات أوروبية مثل الألمانية نبري (كيفي). وقد ترجم ريكارت وهو شاعر أيضا ديوان «الحماسة» لأبي تمام وقصائد من الشعر الجاهلي، وخاصة لامرئ القيس.
ولولا الخشية من أن يحجزنا الاستطراد عما نحن بصدده، لسقنا أكثر من مثال على صورة الشعر العربي القديم، مترجما إلى أكثر من لغة أوروبية، عسى أن ندرك أنها صورة قديمة في المشهد العالمي والأوروبي تحديدا؛ وليست حديثة الميلاد كما قد يقع في الظن؛ ناهيك عن أثر الشعر العربي الأندلسي في الشعر الأوروبي في القرون الوسطى، سواء في أبنيته وإيقاعاته أو في أغراضه وموضوعاته، وبخاصة العذري منه (العفيف) أو«الكورتيزيا» الغربية (شعر الغزل وما يتميز به من رقة ولطف وأدب)؛ مما يحتاج إلى وقفة غير هذه. لعل المشكل في أن كثيرا أو قليلا من أدبنا المعاصر لم يتجرد عن رق المدونة الأدبية القديمة، وطرائق مقاربتها اللغوية. وهي التي وسمت الأدب بميسمها. على أن هذا من مباحث علم اجتماع الثقافة، ولسنا مؤهلين للخوض فيه. وإنما نثبت رأينا بكثير من الحذر والاحتراز.

صحيح أن كثيرا من شعرائنا تعاني نصوصهم من قلة محصول في الوزن أو في موسيقى الشعر، ولكن هذا التفسير على ما به من بعض حق، يحجب البنية الجمالية بالقدر ذاته الذي يحجب به دلالة ذيوع الظاهرة.

وربما يرجع إلى ذيوع أنماط من الكتابة لم تستوعب تماما منجزات الحداثة الغربية في الرواية والشعر خاصة. وصحيح أن كثيرا من شعرائنا تعاني نصوصهم من قلة محصول في الوزن أو في موسيقى الشعر، ولكن هذا التفسير على ما به من بعض حق، يحجب البنية الجمالية بالقدر ذاته الذي يحجب به دلالة ذيوع الظاهرة. وقد يكون الأمر أعمق ما استأنسنا بـ«جمالية التقبل» التي تبني التأويل على قاعدة حوار بين الماضي والحاضر، وتعيد الاعتبار إلى القراء في تمثل معنى العمل الأدبي عبر التاريخ تمثلا متلاحقا، والوقوف على مكوناته من خلال التفاعل أو تبادل الأثر بين فعل الكتابة وفعل التقبل. فليس النص «جنة كلمات غارقة في العزلة»؛ وإنما هو ضرب من التواصل الإبداعي تتضايف في حيزه علائق حوارية متنوعة بين النص ومتقبليه من جهة والمتقبلين أنفسهم من جهة أخرى. ولا يساورنا الشك في أن الترجمة هي التي يمكن أن ترسخ هذا التواصل الإبداعي، على الرغم من «حياديتها الظاهرية» كما تقول باسكال كازانوفا في مصنفها «الجمهورية العالمية للآداب». وهي السبيل إلى دخول كل الكتاب والشعراء العرب البعيدين عن المركز الغربي، إلى العالم الأدبي؛ خاصة أن الترجمة كما تقول باسكال صيغة اعتراف أدبي وليست مجرد لغة منقول إليها؛ وقيمتها لا تتحدد بحجم التبادلات في مستوى النشر، وإنما الترجمة هي «رهان المنافسة العالمية» مثلما هي وسيلة لتجميع الموارد الأدبية، بل الاستحواذ على «رأس مال أدبي» مصدره لغات مثل العربية والصينية وغيرهما. ونقدر أننا في سياق كهذا يمكن أن نتقصى حالة أدبنا في المشهد العالمي أي وهو مترجم؛ بدون وجل أو تهيب، بحثا في أسباب العزوف عنه، أو وفي أوجه العلاقات المعقودة بين العلامة والمدلول، وبين العلامة ومستعمليها، وبين العلامات بعضها ببعض، وما هو راجع إلى التداخل اللغوي أو مؤثرات اللغات الأجنبية واللهجات المحلية. ونذكر بقول الشاعر البرتغالي فرنندو باسوا «وطني هو اللغة البرتغالية، ولن يحزنني أن يُجتاح البرتغال أو يُحتل، طالما لم يصبني الأذى شخصيا». ونحن كما يقول أميل سيوران «لا نقيم بوطن، إنما نقيم في لغة».

نقلا عن القدس العربي

القراءة بين الإثراء المعرفي وقلق التأثر

لطالما كانت القراءة عبر التاريخ موضوعاً شائقاً وأثيراً تتناوله بالبحث والتحليل عشرات الأقلام، ويلهج بذكر فضائله ومزاياه الكثير من المفكرين والكتّاب، وتُحلّه الكتب السماوية في مكان الصدارة من سورها وفصولها وأسفارها. فالعهد القديم يستهل أسفاره المتلاحقة بعبارة «في البدء كان الكلمة»، في إشارة بالغة الدلالة إلى أن الكون برمته ما هو إلا كلمة الله التي تسبق التكوين وتضعه في خانة التحقق. وإذا كان الخالق قد علّم آدم الأسماء فليس لكي ينطقها فحسب، بل لكي يكتنه من خلالها آيات الوجود وأسراره ومعانيه. وليس أدل على تعظيم شأن القراءة في الإسلام من كون الوحي الإلهي قد استهل مخاطبته للرسول الأكرم بكلمة «اقرأْ» التي هي مفتاح فهم العالم وتبيُّن السبيل الحقيقي إلى تغييره وجعله مكاناً أفضل للعيش. كما يحيلنا الفعل الثلاثي «قرأ» في «لسان العرب» إلى معنى آخر يتعلق باللحمة والالتئام، حيث إن قراءة الشيء تعني جمْعه وضمّ بعضه إلى بعض. وقد سمي كتاب الله بهذا الاسم لأنه يجمع السور ويضمها في نسق أو سياق. وهو ما تؤكده الآية الكريمة «إن علينا جمْعه وقرآنه». لكن من اللافت أيضاً أن يتصل معنى القراءة بالولادة والإنجاب وبصناعة الحياة نفسها. فالقول عن امرأة حامل بأنها «ما قرأت جنيناً قط» يعني أن رحمها لم ينضمّ على ولد سوي إلا وأجهضه قبل أن يكتمل. هكذا يصبح للقراءة معنى الالتئام واكتمال الكينونة، ولغيابها معنى النقصان والتشوه وإجهاض الحياة. وثمة في لغة العرب ومعاجمهم، من جهة ثانية، ما ينأى بالقراءة عن الاطلاع والتصفح العابرين ليعطي القارئ معنى الناسك والقراءة معنى التنسك. وإذا كان لهذا الأمر من دلالة فهي أن القراءة في عمقها ليست مجرد تسلية أو تزجية للوقت، بقدر ما هي اختلاء بالآخر من خلال نصه ونتاجه الإبداعي. إنها تمثّلٌ وتفحّصٌ واستبطان ورياضة ذهنية وروحية وتمرينٌ ممتع وشاق على نشدان الحقيقة الأدبية والفنية. ولأن النص الإبداعي هو نص ملتبس وحمّال أوجه فهو يشي دائماً بنقصانه وينفتح على عشرات التفاسير والتأويلات، بما يتيح لقارئه أن يعيد اكتشافه من منظور مختلف وأن يصبح بالتالي شريكاً فاعلاً في كتابته.

يصعب تبعاً لذلك أن نتصور شاعراً أو روائياً أو فناناً كبيراً لا يولي القراءة جلّ اهتمامه ولا يمحضها ما تتطلبه من عناية ودأب بالغين. فالموهبة مهما ارتفع منسوبها تظل عرضة للتآكل والنفاد ما لم يسندها قدْر وافر من المعرفة والاطلاع اللذين يمدان الكاتب بما يلزمه من لوازم الحيوية والتجدد وتلافي الدوران على الذات. لكن السؤال الذي لا يكف المرء عن طرحه على نفسه هو: ماذا علي أن أقرأ في ظل قصر الحياة والغزارة اللامتناهية للكتب؟ فإذا كانت القراءة أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للكثيرين، حتى في ظل المنافسة غير المسبوقة لمحركات البحث وتكنولوجيا المعرفة الحديثة، فإنها تأخذ بالنسبة للمشتغلين بالكتابة والفن شكل الضرورة القصوى والممر الإلزامي الذي لا بد منه للولوج إلى عوالم الإبداع الغامضة والمعقدة. وإذا كان المشتغلون بالكتابة يجمعون على دور القراءة الهام في تطوير لغتهم وتجاربهم، فإنهم يبدون من جهة أخرى منقسمين حول أولويات قراءاتهم ومصادرهم المعرفية. فحيث بعض التشكيليين لا يقرأون شيئا يذكر خارج مجال التشكيل، يجهد البعض الآخر في إثراء المصادر المعرفية التي تسهم في إثراء لوحاته وأعماله البصرية عبر قراءة الشعر أو تتبع الأعمال السينمائية. وحيث بعض الشعراء لا يجدون أنفسهم معنيين بقراءة الرواية، التي يرون في لغتها الكثير من الحشو والمباشرة والترهل، يلح آخرون على قراءة الروايات بوصفها منجماً هائلاً للإلهام والتخيل وإثراء اللغة. وقد يكون محمود درويش، مثالاً لا حصراً، هو أحد أكثر الشعراء ابتعاداً عن القراءة التخصصية واهتماماً بالقراءات المتنوعة أو الشاملة. فهو يصرح في أحد حواراته الصحافية بأنه يقرأ كل شيء، بدءاً من التاريخ والفلسفة والفكر السياسي والرواية والفلك وعلوم الطبيعة، وصولاً إلى المعاجم والقواميس التي يعترف بأنه يجد متعة بالغة في تصفحها وتعقب اشتقاقاتها ووظائف مفرداتها.

على أن أكثر ما يلفت في هذا السياق هو تحول القراءة عند البعض، بما هي فكرة وإدمان وتجربة، إلى هاجس إبداعي ومحلاً للكتابة والتأليف. ولعل الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل هو التجسيد الأمثل لتحول الشغف بالقراءة إلى موضوع للتأمل والتمحيص والتأليف الأدبي عبر أعمال لافتة من مثل «فن القراءة» و«تاريخ القراءة» و«ذاكرة القراءة». ويعود هذا الاهتمام البالغ بالقراءة إلى كون صاحب «المكتبة في الليل» قد عمل قارئاً لبورخيس منذ كان في السادسة عشرة من عمره، بحيث أن ما اتخذه مهنة للعيش في مطالع حياته تحول عنده لاحقاً إلى مشروع حياة وإلى محل للافتتان والشغف الخالص. وفي كتابه «ذاكرة القراءة» يتحدث مانغويل عن اعتقاده بأن في كل كتاب نقرأه نوعاً من التواصل مع الآخرين الذين نحتاج إلى وجودهم للخروج من عزلاتنا المغلقة وبلورة هويتنا في العالم. وحيث كل كتابة تصون شيئا ما فإن «القراءة مطالبة باسترداد الحق في هذا الخلود الإنساني» الذي بدأه الكتّاب الموتى، أو من يطلق عليهم هوميروس تسمية «الأغلبية الصامتة»، وصولاً إلى يومنا هذا. أما الناقد الأميركي الشهير هارولد بلوم فيذهب في كتابه «فن قراءة الشعر» إلى القول بأن الهدف من القراءة هو إثراء الوعي المعرفي من جهة، والوقوف على الجمال الملغز للنصوص التي تمنحنا متعة اكتشافها من جهة أخرى. ويرى بلوم أنه لا يمكننا قراءة أي قصيدة دون تحديد علاقة الشاعر بأسلافه وكيف تتم عملية التأثر والتأثير بين شعراء العصور المختلفة. وهو ما يتصادى مع مقولة بورخيس التي ترى في كل كتابة جديدة نوعاً من العمل الاستعادي لما سبقت كتابته، وصولاً إلى القول بأن كل واحد من الكتاب يخلق عبر الكتابة، وعن وعي أو غير وعي، أسلافه الخاصين به. أما هنري ميلر فيقف بالمقابل على الضفة المضادة للقراءة الاعتباطية أو العشوائية، معتبراً أنها لا تتجاوز الخمسين تلك الكتب الملهمة التي تساعدنا على تجاوز أنفسنا وتحريرها من البلادة أو الانعزال. ويعترف ميلر في كتابه الشيق «الكتب في حياتي» بأن معظم النتاج الأدبي في العالم مؤلف من أفكار مستهلكة وبائسة، حيث يظل من دون جواب ذلك السؤال المعلق حول تقليص الفائض من «العلف الرخيص» الذي يُقدّم لغالبية القراء المغفلين. وإذ يخلص الكاتب إلى الاستنتاج بأن الأميين ليسوا بالقطع الأقل ذكاء بيننا، يقرر جازماً بأن ما يجدر بالمرء أن يفعله هو التوجه إلى المنبع الحقيقي للمعرفة، الذي لا يجسده الكتَاب أو المعلم، بل الحياة ذاتها.

قد لا يكون علينا، أخيراً، أن نضع الحياة والقراءة في خانتين متضادتين، أو أن نختار إحداهما على حساب الأخرى بشكل قاطع لا يقبل اللبس. فإذا كانت المشكلة في أساسها ناجمة عن قصر الحياة وعدم اتساعها لكل هذا الكم اللامتناهي من الكتب، فإن ثمة مجالاً لرسم الحدود بين ما ينبغي أن نكتسبه عبر القراءة والتحصيل النظري والمعرفي، وما ينبغي أن نختبره عبر التجربة المحسوسة والانغماس في العيش. فالحياة ليست معادِلة للواقع المرئي فحسب، بل هي تجد قيمتها المضافة فوق أرض التخيل والدهشة وتقصي المجهول. والحياة لا تُتذوق بالحواس وحدها، بل بنشوة الروح وفرح الحدوس الذي تساعده الكلمات على التفتح والانبثاق. لكلٍ منا بالطبع أن يبحث عن الطريقة الأنجع لتلقف المعرفة، وأن ينتقي ما يوافق طباعه ومزاجه من الكتب والمؤلفات والوسائط المعرفية المستجدة، ولكن علينا ألا ننسى في غمرة انهماكاتنا المادية أن الكتب هي «عيادة الروح»، كما كتب المصريون القدماء على مدخل إحدى مكتباتهم الكبرى، وأن أفضل ما مُنحناه، نحن المتأخرين في القدوم إلى العالم، هو الاستمتاع بما قدمه لنا أسلافنا السابقون من ثمار عقولهم المستنيرة ومحاصيل مكابداتهم الشاقة مع اللغة والحياة.

أما خوف الكتّاب والشعراء من التأثر بمن يرون فيهم مُثُلهم ونماذجهم العليا، فلا يمكن أن يُتلافى بالعزوف عن القراءة والاحتكام إلى الفطرة، بل بمنازلة من نتأثر بهم فوق حلبة المغايرة والاختلاف والسجال الندي. كما أن الكاتب الحقيقي لا بد أن يتخلص من شبْهة ما يقرأه ويحوله إلى مادة أخرى مغايرة، كما تذيب الشجرة ما تتلقفه من التربة والسماد وتحوله إلى ثمار شهية. ولعل الناقد الفرنسي جان ليسكور قد استطاع بحذق بالغ أن يعبر عن العلاقة الإشكالية بين القراءة والكتابة بقوله: «يجب أن ترافق المعرفة قدرة موازية على نسيانها. ونسيان المعرفة ليس نوعاً من الجهل، بل هو تجاوز صعب لها. وهو الثمن الذي لا بد من دفعه لجعل الكتابة بداية خالصة، والذي يجعل من خلْقها تمريناً على الحرية».

نقلا عن الشرق الاوسط

مخبز حكايات برائحة نفّاذة منذ الحربين حتى جيل الإنترنت

عالم إنساني شيق تصنعه الكاتبة المالطية لو دروفينك في روايتها «صانعات الحلوى»، والتي صدرت حديثا عن دار «المرايا» للنشر والترجمة العربية وترجمها إلى العربية الشاعر والمترجم المصري أحمد شافعي، وهي الرواية الثامنة لدروفينيك وحازت بها على جائزة الرواية من المجلس القومي للكتاب في مالطا.
تدور الرواية في حيّز مكاني ضيق، تجسده بلدة صغيرة في مالطا، إلا أن مسرحها الزمني يتسع لنحو قرن كامل من الزمن، وحسب كلمة الغلاف فإن تلك الرواية «لا تسجل الأحداث الزاعقة في العاصمة والمدينة، بل ترهف السمع لأصدائها في البلدة والقرية والغرف الموصدة».
هذا المدى الزمني الشاسع التقطته دروفينك عبر سيرة ثلاث بطلات رئيسيات، تُسلم إحداهن الأخرى مقاليد الحكاية والمصير المتشابه، بداية من «جوديتا» التي ترث مخبز والدها، الذي تفتتح الرواية فصولها بموته، فتتسلم ابنته الوحيدة عهدته الثقيلة، وهي في مطلع الثلاثينات من عمرها، حتى يضع القدر أمامها حبيبها «ألفيو» الذي لا يُشاركها مقومات الزواج المناسبة من وجهة نظر أهل البلدة، لا من الناحية العمرية ولا الاجتماعية، ولكنه أهداها خلال عمره القصير معنى المحبة، وأطلعها على سر «الكعك الإسفنجي»، فعرفت معه جاذبية لقب «حلواني» في مقابل «خباز».
ورغم هبوب الحرب العالمية الأولى على مالطا كضيف ثقيل تستغله إنجلترا لمصالحها في الحرب، إلا أن جوديتا استمرت في تطوير مخبز والدها، فأحدثت ثورة في البلدة بخليط روائح مخبوزاته الدافئة السارية منه، بعد أن ضمت إلى الخبز، أحلام «ألفيو» من خبز الكعك الإسفنجي، وقادها الحلم الصغير إلى صنوف أخرى من الحلوى.
استعانت «جوديتا» بالجَلد والحلوى لتنسى رحيل «ألفيو»، الذي أودعها قبل وفاته قطعة منه وهي ابنتها «ليشيا»، التي لم ترث من والدتها ذلك الجلد ولا القوة، وإن كانت قد ورثت منها الكثير من سوء الحظ، ففقدت هي الأخرى زوجها بشكل صادم وأنجبت منه فتاة، التي صارت يتيمة مثلها، وكانت حظوظها من زيجتها الثانية قاسية، فلم تستطع بهذه الخبرة التعيسة مع الحب أن تمنح ابنتها «فرانسيس» الود الجدير بأم لابنتها اليتيمة.
وهكذا تجعل المؤلفة مسرح الرواية مُجهزا للبطلات الثلاث، «الجدة، الابنة، الحفيدة»، اللاتي وحّدهن مصيرهن الملتبس، وعززت الأحداث روابط الألفة بين الجدة والحفيدة، بسبب غياب حلقة الوصل بينهما «الأم ليشيا» التي ظلت أسيرة غياهب الشرود الدائم.
تتمرد الحفيدة على مصير الأم والجدة، تختار الفرار إلى حياة أبعد من حدود المخبز، والحلوى، حملت ما تبقى لها من أحلام وقررت أن تهاجر إلى أستراليا، تظل على وصال مع من تركتهما في مالطا، حتى انقطعت أخبارها، تاركة بهذا الاختفاء لغزا، لم يتلاشى سوى بظهور حفيدة لها تحترف البحث عبر الإنترنت، وتعود في ظروف أخرى لمالطا، التي كانت تسمع أن لها جذورا بها، حتى تصل إلى الركن السحري المملوء بعبق مخبز «جوديتا»، جدة جدتها، فتقرأ ما تيسر من حكاية العائلة المالطية، وتُكمل دائرة صانعات الحلوى.

نقلا عن الشرق الأوسط

معارض الكتب بين الثقافة والتسويق والفولكلور

يس أمراً بلا دلالة أن تحتفظ معارض الكتب بكل هذا القدر من الاهتمام، وأن تحتضن بين جنباتها وافدين كثراً من مختلف الأعمار والانتماءات السياسية والشرائح الاجتماعية. وسواء كان أولئك الوافدون مدفوعين إلى المكان بسبب تعطشهم إلى المعرفة والاطلاع، أو رغبة في تزجية الوقت، أو بغية التواصل الاجتماعي والإنساني، فإن الأمر في الحالين يؤشر إلى المكانة المرموقة التي لا يزال يحتلها الكتاب في أذهان الناس ووجدانهم العميق، رغم كل العثرات والمعوقات التي تعترض هذه المكانة، ورغم المنافسة غير المتكافئة بينه وبين وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث العملاقة. ولعل تلك الحشود الغفيرة التي تتقاطر باتجاه المعارض ما هي إلا الشهادة الدامغة على مكانة الكتاب الورقي المطبوع في دواخل الناس، وعلى الطمأنينة الروحية التي يصعب أن توفرها لهؤلاء شاشات الكومبيوتر والوسائط المعرفية الأخرى. فلا شيء يمكن للتكنولوجيا أن تفعله إزاء ذلك الدفء الرحمي الحميم الذي تغمرنا به قاعات المعارض المختلفة ما إن نطأ عتبات أبوابها ونغوص في بهوها الواسع. ولا غبطة توازي تلك الغبطة التي يوفرها لنا التجول البطيء في ردهات المعارض ومتاهاتها المحيرة. ولا بريق يضاهي بريق تلك الأغلفة المتراصفة التي تلمع كبطاقات المعايدة قبالة أعيننا المترعة بالنهم والفضول.

قد يكون للحشود المتقاطرة إلى معارض الكتب دور فعال في منح الأماكن التي تشغلها المعارض ألفتها وبهجتها ونكهتها المميزة. ذلك أن المعارض الخاوية أو شبه الفارغة من الزائرين تمنحنا شعوراً معاكساً بالضيق والتبرم والوحشة، أو تشعرنا بنوع من الفوبيا الخاصة الناجمة عن التفاوت الجلي بين الجسد الفردي المحدود وبين الفضاء غير المحدود للردهات الشاسعة، كما أن خلو المعارض من الزائرين يضعنا، عن وعي أو غير وعي، إزاء نوع آخر من التفاوت القائم بين محدودية الحياة وبين لا نهائية الكتب، التي تحتاج قراءتها إلى أعمار كثيرة لا قبل لنا بامتلاكها. وإذا كان الشعور بقصر الحياة مقابل وفرة الكتب يمكن له أن يتولد من وقوفنا أمام مكتبات بيوتنا الخاصة، فإنه في المعارض عرضة للتنامي والتفاقم دون شك. فمكتبات البيوت، على ما يقول أحد الكتاب، تشبه الحدائق المنزلية التي لا يتصل التجول فيها بغير البهجة والاستمتاع، فيما أن المعارض الكبرى تشبه الغابات التي تخلف متاهاتها الشائكة شعوراً بمتعة الاكتشاف من جهة، وشعوراً بالرهبة والضياع، من جهة أخرى. ولعل المعارض في بعدها الدلالي الأعمق هي نوع من القيامات الرمزية لآلاف الكتّاب والمبدعين الذين تركوا لنا، على شكل كتب ومصنفات، عصارات تجاربهم وثمار عقولهم وخلاصات أعمارهم، قبل أن توارى أجسادهم في غيابة التراب. إلا أن ما ينتابنا لدى تصفح الكتب من أحاسيس ليس الحزن على رحيل المؤلفين، بل الفرح بما خلفوه لنا من هدايا وعطاءات، والرغبة في إعادتهم إلى الحياة عبر قراءة أعمالهم ونتاجاتهم الإبداعية.

على أن شراء الكتب واقتناءها ليس هدف الناس الوحيد من زيارة المعارض، إذ ثمة من يأتي بهدف الهروب من واقعه البائس أو نمط حياته المضجر، مكتفياً بالتفرج على الواجهات المزدانة بمئات العناوين التي يحول غلاء الأسعار بينه وبين اقتناء أي منها. وثمة من يأتي للقاء بأصدقاء له لا يكاد يلتقي بهم إلا مرة كل عام. وثمة من يأتي بحثاً عن صدفة غريبة ونادرة تجمعه بحب قديم أضاعه على غفلة من الزمن. تكتسب كافتيريا المعارض من هذه الزاوية أهمية قصوى تذكّرنا بتلك التي يلتقي فيها طلاب الجامعات، بحثاً عن فسحة زمنية للتخفف من عناء الدراسة، أو رغبة في التواصل الإنساني وتشاكي الهموم السياسية والاجتماعية والعاطفية. ففي تلك الأماكن الغائصة في أحشاء المعارض تتلقف الأحاديث والحوارات المختلفة كل ما يدور في الخارج من وقائع ومجريات، وما يُعده القيمون على العالم من خرائط وهندسات للهيمنة والاستحواذ. وتنعقد في الوقت ذاته جلسات طويلة للمسامرة وإطلاق النكات وتذكّر الأزمنة المنقضية. وقد تشرع قصص غرامية في التكون، أو تتجدد قصص أخرى ظن أطرافها أنها قد دُفنت إلى غير رجعة. هكذا يتحول كل معرض إلى كرنفال بشري متنوع الأهداف والمقاصد، أو إلى فرصة سنوية دورية للإشاحة بالوجه عن بؤس الحياة اليومية، كما عن فساد الواقع المعيش واهترائه، حيث لا يبقى أمام الكثيرين بالتالي سوى البحث عن بقعة أخيرة للأمان، أو عن مكان نظيف لا تؤثثه سوى عقول المفكرين وأقلامهم وإبداعاتهم المتنوعة.

لا يعني ذلك بأي حال أن الجانب الوردي من معارض الكتب يمكن أن يحجب عن أعيننا الكثير من الجوانب السلبية المقابلة، ومن الهنات والآفات التي تشهدها المعارض العربية على نحو خاص. وإذا كان بعض هذه الآفات متصلاً بعزوف الجمهور العربي الملحوظ عن القراءة، فإن بعضها الآخر يتصل بالانحدار المطرد لمستويات الكتب والإصدارات التي لا تكف معظم دور النشر عن طباعتها وضخها في الأسواق لغايات تجارية بحتة، وبمعزل عن المستوى الفكري والإبداعي لهذه الإصدارات. فالقلة من الناشرين هي التي لم تزل تأبه لمستوى العمل المقدم إليها، أو تعنى بتكليف لجان متخصصة في قراءة الأعمال وإجازة نشرها، فيما الكثرة الكاثرة لا تهتم إلا باستعادة تكاليف الطباعة وجني الأرباح عن طريق حفلات التوقيع التي تنتشر كالفطر في كل زاوية، وتستهلك وحدها معظم المبالغ التي يخصصها الرواد لتلك المناسبة السنوية المنتظرة. ولم يعد بالأمر المتعذر أن تتصدر أعمال الكثير من الكتاب الرديئين قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، طالما يستطيع هؤلاء أن يحولوا حفلات توقيعهم إلى تظاهرات حاشدة تشارك فيها «جحافل» المبايعين من أبناء العشيرة أو الطائفة أو الحزب. وفي ظل هذه الحفلات التي تشبه الفخاخ المنصوبة للعابرين أشار علينا أحد الظرفاء، ذات معرض منصرم، بأن نستعين ببعض المرشدين ومستطلعي «الكمائن» المنتشرة بين الأروقة، بغية استطلاع الطرق الآمنة التي تجنبنا الوقوع في الأشراك وتكبد الخسائر الفادحة. وفي ظل غياب المتابعات النقدية والانكفاء شبه التام للصحافة الثقافية، كما في ظل الاستسهال غير المسبوق لتأليف الكتب وتلفيقها، لم تعد للكلمة المطبوعة تلك الهالة من «القداسة» التي طالما أحيطت بها قبل عقود من الزمن. هكذا باتت حفلات التوقيع ظاهرة اجتماعية وتسويقية أكثر من كونها ظاهرة ثقافية للاحتفال بالقيمة الإبداعية المضافة التي ينبغي أن يمثلها كل إصدار جديد. كما باتت معظم الندوات والأنشطة الثقافية الموازية نوعاً من الردح الزجلي والمجاملات المتبادلة بين المعنيين.

على أن هذه الهنات والثغرات، على أهميتها، لا يمكن لها أن تصرفنا عن حقيقة ما توفره لنا المعارض من فرصة نادرة للالتقاء بذواتنا المغيبة خلف قشور العيش وسطوحه الخلبية. فنحن هنا في ضيافة الكتّاب الموتى والأحياء الذين وأدوا حيواتهم الوحيدة والقصيرة ليقدّموا لنا على أطباق من كلمات كل ما ابتكرته مخيلاتهم من ثمار المعرفة وورود المجاز.

وليس غريباً والحالة هذه أن يرى الكاتب الأرجنتيني خورخي بورخيس الفردوس بوصفه مكتبة كونية هائلة تضم بين جنباتها ملايين الكتب والمؤلفات، وتوفر للفائزين بها كل ما يتوقون إليه من نشوة الروح وثمل الحواس. أما نحن المدمنين منذ يفاعتنا المبكرة على حضور المعارض، فقد بتنا ننتظر عودتها بفارغ الصبر، ونقيس بواسطتها أعمارنا المتسارعة، حتى ليسأل أحدنا الآخر: «كم بلغتَ من العمر؟»، فيجيبه الآخر قائلاً: «خمسين معرضاً للكتاب!».

 

نقلا عن الشرق الأوسط

الشاعر الفلسطيني قيس مصطفى .. هناك مَن ألفوا كتباً عن الحرب السورية قبل أن تبدأ وحصدوا جوائز

القدس العربي _ دلال فلمز

للشاعر الفلسطيني قيس مصطفى تجربته في كتابة النص الشعري، وقد أصدر حتى الآن ثلاثة دواوين شعرية، هي .. «أبحث عنكِ على google» 2008، «12\12» 2012، والأخير بعنوان «قصائد السنين الغفل وقصائد ألمانيا» الذي نشره هذا العام من منفاه الجديد بعد أن غادر سوريا في نهاية 2015 إلى ألمانيا. ومن خلال هذه القصائد نلمح طريقته الملتبسة التي ترتقي إلى المعرفة والمغامرة والرؤية والحدس، عوضاً عن أن يكتب قصائد منتهية الصلاحية التي غالبا ما تكون مجرد أصداء باهتة لترجمات وشعراء يكتبون باللغة العربية متظاهرين باستعارة بلاغتها. فكان معه هذا الحوار ..

■ بداية .. ما هو الإشراق الشعري وكيف يأتي؟
□ إذا كان المقصود بالإشراق الشعري اللحظة التي تنبثق فيها القصيدة فهي بالنسبة لي تنتمي إلى ذلك الزمن الضائع في وسائط النقل والمقاهي. في وقت مضى كانت تأتي القصيدة في أماكن يملؤها الضجيج. لكن الأمر تغير كثيراً لاحقاً. أحتاج إلى كثير من الصمت من حولي. كنت أحتاج إلى ليال من الخمر والسهر كي أكتب. لكني أيضاً تخليت عن هذا. يمكن للشاعر أن يكتب دون أن يكون خاضعاً إلا لتلك القوى الخفية التي تدفعه للاستمرار في الكتابة. أما إذا كان الإشراق الشعري ماهيِّة. فأنا أجهل وصفها تماماً. أحياناً تكون هائجةً مثل عاصفة، وأحياناً راكدة مثل مستنقع. لكن أمواجاً كثيرة في الذاكرة. أمواج من الحرمان والشوق والجوع والخذلان تدفع القصيدة إلى الأمام.

■ ولماذا نشرت ديوانك الأول «أبحث عنك على google» ورقياً بينما نشرت ديوانيك « 12\12» و»قصائد السنين الغُفل وقصائد ألمانيا» إلكترونياً؟
□ لكلِّ ديوان سيرة مختلفة عن الأخرى. الأصل أني أحبِّذ نشر الكتاب ورقياً. الكتاب الأول فاز بمسابقة شعرية أعلنت عنها احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية وقامت هذه الجهة بطباعته. الديوان الثاني تزامن مع بداية الثورة السورية، فقررت لحظتها أنه من غير اللائق الاهتمام بطباعة كتاب بينما يعمُّ الموت كلَّ مكان. ثم وجدت نفسي محاصراً لثلاث سنوات. وآخر ما يفكر به أحد في ذلك المكان أن يطبع كتاباً. لقد كانت أياماً للخوف ولترقُّب المصائر السُّود لي وللآخرين من حولي في مخيم للفلسطينيين على الأطراف البعيدة لدمشق. أما الديوان الثالث والذي نشرته مؤخراً، فلقد وجدت نفسي مجبراً على نشره بهذه الطريقة لأني لا أملك المال الكافي لطباعته. ثمة دائماً عزاءات! انظر إلى أولئك الشُّعراء الجاهليين العِظام الذين وصلنا شعرهم بلا أوراق. وتذكَّر معي الشاعر العراقي الرحل أدم حاتم الذي كان يرفض طباعة كتاب، وكان يقول: «قصائدي خيول برية ولن أضعها في إسطبل». هناك شعراء خالدون لم يصلنا عنهم إلا قصائد أو أبيات. دائماً هناك من يسعون إلى قراءة شعر حقيقي دون أن يُهمُّهم الطريقة التي يحصلون بها عليه.

■ في «قصائد السنين الغُفل وقصــــائد ألمانــيا» ألا يبدو الديوان وأنه قد كُتب على امتداد سنوات عديدة؟
□ صحيح. كُتبت نصوص الديوان في فترة تقارب الستة سنوات. في منتصف عام 2016 كنت أتحدث إلى الناقد الفلسطيني والصديق الراحل بشار ابراهيم عبر فيسبوك. وعندما وصل الحديث إلى الشعر قلت: إن لديَّ مسودة لديوان شعري، وأرسلتُ له نسخةً ليقرأها، وبدون علم مني أرسل الديوان إلى أحد الناشرين. وعندما تحدثت مع الناشر إياه كوني أبحث عن ناشر لكتابي بطبيعة الحال، فاجأني بأنه يمتلك نسخة منه. وقال وقتها: إن الكتاب صار بعهدة لجنة القراءة. أيام قليلة وراسلني الناشر ليقول إن لجنته قد وافقت بالإجماع على نشر الكتاب. بحسبة ما نام الكتاب أكثر من عام ونصف دون أن يفكر الناشر أن يقول حتى « لا أريد أن أنشر كتابك». عموماً لا أستطيع البدء بعمل جديد إن لم أتخلص مما لدي في الأدراج. فقرت نشر الكتاب بالطريقة إياها التي نشرت بها ديواني «12\12». نسخة pdf أوصلتها للأصدقاء ولمن رغب عن طريق فيسبوك.

■ هناك عناية فائقة بالنص ولغته، فهل تعيد كتابته أكثر من مرة؟ وهل ذلك لصالحه شعرياً؟
□ أنا آخذ الشِّعر على محمل الجد، وبالتالي أعتبر الكتابة الشعرية عمل مثل عمل أدبي آخر، وبالتالي فهو يجب أن يخضع للتنقيح والحذف والتعديل. وإن اتفقنا على أن هناك عناية فائقة في اللغة، فهي ليست العناية التي تجعلني أعيد كتابة نص من النصوص أبداً. لم أفعل ذلك ولو لمرة واحدة. ولكنني أحياناً أصل وأقطع وأضم وأفرِّق. أحياناً أذهب إلى كتابة جمل بلا طائل ولا معنى من تلك التي نصادفها اليوم كثيراً في هذه المرحلة التي استسهلت فيها كتابة الشعر وهذا ما أنا حريص على حذفه. كما أنا حريص على حذف الميتافيزيقيات والصِّفات، وحريص جداً أن تكون الجمل المتعاقبة تحمل الكثير من الإحالات. أطمح إلى كتابة قصيدة تقرأ أكثر من مرة واحدة. ولا أعرف بدقة المستوى الذي وصلت إليه في هذا الطموح. إذا أردت مني إعلاناً فإنني أفضل أن أكون شاعراً ينصفه الزمان على أن أكون شخصاً تحتفي به جهات عثرت عليه بالصدفة لأنه لاجئ، أو لأنه يؤدي نمطاً معيناً. أفضِّل الإتلاف على أن أعيد الكتابة. إما إن كانت إعادة الكتابة لصالح النص فلا أعتقد أنه أمر يسمح به الشعر. أما إذا كان هناك من يتقن هذه الحرفةـ فلا أجد في ذلك غضاضة.

■ ألاحظ عدم نشر إنتاجك في الصحافة، هل هو سبب شخصي أم الموضوع يعود إلى القائمين على هذه الصحف؟
□ يعرف الكثيرون أن الصحافة هي عملي أي إني أعيش منها واني عملت محرراً ومديراً لصفحات ثقافية لسنوات. إلا أن سنوات الحرب والحصار أجبرتني على الابتعاد. وعندما خرجت لم أجد لي مكاناً في الأماكن التي أحببت أن أكتب فيها. وهناك الكثير من الأماكن التي لا أريد أن العمل فيها لتهافتها. يتذكرني البعض عندما يؤيدون الحصول على مقالات غير مأجورة. انظر إلى هذا السيل الجارف ممن باتوا يسمون إعلاميين في العواصم الشتى. إن الأمر مضحك نوعاً ما. بالعموم سأعاود الكتابة عندما تتاح الفرصة لذلك.

■ ماذا عن الحرب السورية التي عشت فصولها مطولاً. كيف ترجمت الأمر شعرياً؟
□ إن فتشت في الديوان ستجد إشارات إليها. لكنني كنت حذراً وأعملتُ الحذف. إنَّ خسارتنا الفردية والجماعية أكبر من أن نمجِّدها أو نتفجَّع عليها ببكاءٍ خفيف. لقد فقدنا بلاداً، ولي شخصياً سوريا البلد الثاني الذي أفقده بعد فلسطين. نحتاج أن نصمت طويلاً لنفهم هذا الذي حدث لنا، كما إنَّ الوقوف على الأطلال عمل شاق. وإني لأسأل أيضاً: ما الذي بقي ليكتبه أحد عن الحرب؟ كيف نكتب للناس قصائد عن الموت الذي مازال محدقاً بهم؟ هل تعتقد أن الجياع وأصحاب دور العزاءات التي فتحت والتي لم تفتح بعد يهمهم الأعمال الأدبية؟ هل يستظلُّ الذين هدمت بيوتهم بالأشعار والروايات؟ أنا متضرر حرب على كل المستويات. وأستحي أمام هول المأساة الجماعية أن أتحدث عن خسارتي الشخصية. ولا أحب أن يبكي على جراحي أحد وهو يشرب الويسكي في حواضر أوربا العامرة. وأعتقد أنَّ هذا شأن السوريين البسطاء جميعاً. أضف إلى ذلك أنَّ الكتابة عن الحرب صارت عملة رائجة، ولا أريد أن كون مناسباتيِّاً أو موسمياً. هناك من يمجِّدون الحرب ولم يسمعوا صوت طلقة. وهناك من ألفوا كتباً عن الحرب السورية قبل أن تبدأ وحصدوا جوائز أيضاً وأجد الأمر مشبوهاً.

نقلا عن القدس العربي

بطل “السلطان عبد الحميد”: هدفنا تصحيح صورة آخر السلاطين الأقوياء

عماد مراد/المحفوظ فضيلي-الدوحة

أكد الممثل التركي بولينت أينال بطل مسلسل “السلطان عبد الحميد” أن الهدف الرئيسي من المسلسل هو الكشف عن حجم المؤامرات التي استهدفت الدولة العثمانية في أواخر أيامها، ورفع الظلم التاريخي الذي تعرض له السلطان عبد الحميد قبل سقوط الدولة العثمانية وحتى وقت قريب.

ويؤمن أينال -المعروف في العالم العربي باسم “يحيى” بطل مسلسل “سنوات الضياع”- أن العلاقة بين الاتراك والعالم العربي يجب أن تكون جيدة على الدوام، لافتا إلى أن ذلك التضامن والتعاون سيمكن الجانبين من عمل أشياء أفضل.

وأوضح الممثل التركي الشهير -في مقابلة خاصة مع الجزيرة نت- أن الدراما التركية تمد جسور الروابط بين العالم العربي وتركيا، خاصة خلال الفترة الأخيرة ومع الشغف الكبير الذي أظهره العرب بالتفاعل مع المسلسلات التركية خاصة التاريخية منها والذي يدل على الترابط بين الجانبين، معربا عن أمله في أن يرى تركيا والعالم العربي جميعا في صف واحد وفقا للعوامل المشتركة الكبيرة بين الجانبين.

لقطة من مسلسل السلطان عبد الحميد الثاني (الصحافة التركية)

ويضيف أينال أن المسلسل أضاف له الكثير من الخبرات وقربه من بقوة من التاريخ التركي والإسلامي، خاصة أن عصر السلطان عبد الحميد شهد العديد من التحولات الكبيرة في العالم بأسره، ورغم مرور حوالي مئة عام على خلعه فإن تأثيره لا يزال ساريا.

وتحدث بطل المسلسل عن فترة حكم السلطان عبد الحميد التي ناهزت الثلاثة وثلاثين عاما، وحجم الصعاب التي واجهها خلال تلك السنوات، ورغم وقوفه أمام كل الصعاب فان التاريخ ظلمه بشدة، فلا أحد كان يعلم حجم الإصلاحات التي قام بها والحداثة التي ظهرت في عموم الدولة العثمانية، و”هدفي إزالة الفهم الخاطئ الذي لازم فترة حكم السلطان عبد الحميد حتى بعد وفاته”.

ويعتبر أينال أن المسلسل يعطي رسالة قوية بضرورة الوحدة من الداخل، فمهما كانت المؤامرات الخارجية فإنها لا يمكن أن تنفذ إلى البلاد دون تعاون مع أطراف داخلية، لافتا إلى أن المسلسل يطرح أن الصراع ضد السلطان عبد الحميد بدأ من داخل عائلته وهو ما أثر بشكل كبير على استقرار الدولة العثمانية بشكل عام.

ويضيف أن مسلسل السلطان عبد الحميد يظهر حقيقة احتضان السلطان لشعبه وقبوله لفكرة الاختلاف والحداثة وسعيه نحو مستقبل أفضل، رغم حجم المؤامرات التي كانت تحاك بشكل يومي؛ لذلك فالمسلسل يحمل أيضا رسالة أمل مهما كانت الصعاب.

السلطان عبد الحميد الثاني (يسار) رفض عرضا من ثيودور هرتزل بشأن فلسطين (مواقع التواصل)

وحقق مسلسل “السلطان عبد الحميد الثاني” عشرين مليون مشاهدة داخل تركيا في أولى حلقاته، وهو يوثق أبرز الأحداث في الأعوام الـ13 الأخيرة (1896-1909) من حياة السلطان عبد الحميد الثاني، فضلا عن الأحداث التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه آنذاك.

ونظرا لنجاح المسلسل الكبير طالبت عدد من الدول بعرضه فيها، وهو ما أثار حفيظة إسرائيل، حيث يبرز المسلسل موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الحركة الصهيونية منذ بدايتها وكيف أنه رفض دخولهم إلى فلسطين وأصدر العديد من القرارات التي تمنعهم من شرائها، وهو ما دفع أوساطا إسرائيلية إلى وصف المسلسل بأنه معاد للسامية.

ولد السلطان عبد الحميد الثاني عام 1842 في إسطنبول، وهو الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، والسادس والعشرون من سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة. تولى الحكم عام 1876، وانتهت فترة حكمه عام 1909، ووضع رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته في 10 فبراير/شباط 1918.

المصدر : الجزيرة

مفلح العدوان.. جائزة “الطائر” تعزز الحوار بين العرب والغرب

فاز الأديب الأردني مفلح العدوان بجائزة “الطائر” للتبادل الإبداعي بين الأردن ومدينة درم البريطانية في دورتها الأولى، عن مجمل أعماله في مختلف الفنون الأدبية من الرواية والقصة والمسرح.

ويقول العدوان إن خصوصية الجائزة تكمن في هدفها الرامي للتبادل الإبداعي والثقافي بين الأردن وبريطانيا، بمبادرة من المؤسسات التي اقتنعت بضرورة منح فرص للكتّاب وللمثقفين للاطلاع على فضاءات أخرى، وخصوصيات يمكن التعبير عنها إبداعيا بعد عقود من طغيان الخطابات السياسية والصراعات التي لم يكن فيها مساحات متروكة للثقافة والأدب والإبداع.

وتنطلق الجائزة -بحسب العدوان- من “تعظيم الدور الذي يمكن أن يقوم به الأدب بشكل خاص والثقافة بشكل عام في مد الجسور الحضارية بين الأمم، انطلاقا من الخصوصيات الإنسانية التي تجمع وتعظم من قيم المحبة والتسامح والتواصل الحضاري، حيث الأدب والإبداع بوتقة تنصهر فيها الرؤى الجمالية والأفكار البناءة والتفاعل الراقي”.

وتشرف على الجائزة لجنة مشتركة من عدة جهات أدبية وثقافية وأكاديمية، هي: معرض درم للكتاب الذي تمثله مؤسسة الكتابة الشمالية الحديثة في بريطانيا، والمعهد البريطاني في عمّان ممثلا بمجلس الأبحاث البريطانية في بلاد الشام، بالإضافة إلى كلية سانت ماري في جامعة درم، والمجلس الثقافي البريطاني، والأكاديمية الأردنية البريطانية فادية الفقير.

وقال الكاتب الأردني “هناك قارئ غربي متلهف لمعرفة الكثير عنا وعن عوالمنا، خاصة بعد عواصف العنف والسياسة التي مرت بها منطقتها وأثرت أيضا على العالم، ولعل مثل هذه الجائزة وغيرها تتيح الفرصة لتعزيز هذا الحضور المختلف عن السائد الذي وصلهم، وشكلوا منه صورة نمطية عن أدبنا وعن مجتمعاتنا العربية”.

يطرق العدوان في عمله المسرحي الجديد باب التاريخ ويعود للعصر الروماني(الجزيرة)

وعن ميزة هذه الجائزة، أوضح العدوان -صاحب موسوعة القرية الأردنية “بوح القرى”- “أن قيمتها تتمثل في تهيئة الأجواء المناسبة للتأسيس أو كتابة مشروع إبداعي خلال فترة التفرغ هذه، إضافة إلى القيمة المعرفية والمعنوية من خلال الاطلاع على فضاءات أخرى توفرها الجائزة والإقامة الإبداعية هذه، ومثل هذه الجوائز غير متوفرة في عالمنا العربي، حيث إن معظم الجوائز تركز على الجانب المادي فقط”.

ويشار إلى أن من شروط الترشح للجائزة، كتابة مبررات المشارك للتنافس عليها في سياق التبادل الإبداعي، وتقديم تصوره ورؤيته لمشروعه الكتابي الذي سيحققه خلال فترة التفرغ.

وقد اختارت اللجنة المشرفة أيضا الشاعرة ليندا فرانس من الجانب البريطاني، والتي أقامت في عمّان خلال سبتمبر/أيلول 2018، بينما أقام مفلح في درم خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

الماضي والحاضر
ويطرق العدوان في عمله المسرحي الجديد باب التاريخ، ويعود فيه إلى العصر الروماني ليصل إلى الحاضر عبر جدار هادريان، ويقول “كنت أفكر بشخصية الإمبراطور هادريان الذي بنى جدار هادريان شمال بريطانيا ليفصل قبائل الشمال هناك عن الجنوب، وهنا في الأردن بنى بوابة اسمها بوابة هادريان في جرش شمال الأردن، في أوج حكمه”.

ويوضح مؤلف مسرحيات “ظلال القرى” و”آدم وحيدا” و”عشيات حلم” أن فكرة المسرحية تقوم على المفارقة بين الماضي والحاضر، حين يتغير الزمان ويبقى الأثر. ويقول الكاتب إن “الواقع انعكاس آخر لتلك التراكمات، باستعادة حكايات وأساطير بين القوة والضعف، بين الجدار والبوابة، بين الماضي والحاضر”.

ولأجل مشروع كتابه المسرحي، زار العدوان موقع جدار هادريان والمتحف الخاص به في بريطانيا وبوابة هادريان في جرش، ورجع إلى مراجع وكتب حول تفاصيل مهمة لها علاقة بالنص المسرحي الذي يشتغل عليه.

نقلاً عن: الجزيرة

مسرح الشارع.. أسلوب جديد للاحتجاج السلمي في البصرة

شكلت مجموعة من الشباب العراقي فرقة “مسرح الشارع” التي تميزت بتقديم عروضها في المظاهرات المدنية، كمحاولة منها لتوحيد الاحتجاجات وتوجيهها نحو الأسلوب السلمي.

وتأسست فرقة “مسرح الشارع” في مدينة البصرة(جنوبي العراق) منتصف العام الجاري، واتخذت من الأماكن العامة مكانا للقاء أعضائها الذين يبلغ عددهم عشرين شخصا من الفنانين والهواة، موزعين بين ممثلين وكتاب ومخرجين وإداريين.

يقول علي مؤيد -أحد أعضاء الفرقة- “نحن فرقة مسرحية بصرية نمتلك الحب والعشق للمسرح، لكن لم نجد المساحة الحقيقية لتقديم عملنا، ففكرنا بالتقرب إلى الجمهور من خلال عرض أعمالنا المسرحية في الشارع”.

ويضيف مؤيد في حديثه للجزيرة نت “توجهنا إلى تقديم عرض مسرحي أثناء المظاهرات المدنية أمام مبنى محافظة البصرة، يهدف إلى توحيد المطالب والمتظاهرين الذين يتفرقون إلى أكثر من تنسيقية ورأي وهدف”.

خطاب للعامة
ويؤكد زميله علي العبيدي أن مسرح الشارع يتحدث عن هموم الوطن والمواطن، ويتواصل بشكل مباشر مع الجمهور ويبعث رسالته إليه، خاصة أن أغلب الناس لا يحضرون مسرح القاعات، كون العمل إما أن يكون تجاريا أو يحمل أهدافا معينة، بحسب قوله.

نال العرض المسرحي الذي قدمته فرقة مسرح الشارع خلال المظاهرة اهتمام المتظاهرين الذين تفاعلوا معه، وشكلوا سورا وفّر للفرقة مساحة ساعدتها على تقديم عرضها الذي عادت معه الأجواء السلمية مع تصاعد الغضب الجماهيري.

اتخذت الفرقة المسرح أسلوبا جديدا للمطالبة بالحقوق (الجزيرة)

رسالة سلام
يستثمر أعضاء الفرقة الأوقات المناسبة لتقديم أعمالهم خلال المظاهرات، مما يحتم عليهم في بعض الأحيان تأجيل العرض في حال وجود تحركات غير سلمية تقف ضد من رسالتهم التي تقوم على الحفاظ على سلمية المظاهرات والابتعاد عن أعمال العنف والتخريب، بحسب ما يقول حسين الجوهر الممثل المسرحي في الفرقة.

يضيف الجوهر “رسالتنا تقوم على التثقيف بالمطالبة بالحقوق سلميا بعيدا عن التخريب والدمار، لأن أي تخريب يلحق بالممتلكات العامة يكون خسارة لكل أفراد الشعب”.

ويتفق معه في ذلك زميله مصطفى أورك الذي قال “نحاول أن نؤسس للتظاهر السلمي من خلال المسرح الذي اتخذناه أسلوبا جديدا للمطالبة بالحقوق، وننمي من خلاله فكر الشباب وثقافتهم”.

يذكر أن مدينة البصرة تشهد منذ يوليو/تموز الماضي مظاهرات مدنية تطالب بتوفير الخدمات الأساسية ومعالجة ملوحة المياه، إلا أنها رافقتها في بعض مراحلها أعمال حرق مقرات حكومية ومكاتب لأحزاب سياسية، لم يحدد بشكل نهائي المتسبب بها.

ويشير أورك إلى أن الفرقة تواصل تدريباتها لتقديم عروض بمواضيع مختلفة، منها عرض في دار المسنين، وآخر للأطفال المصابين بالأمراض السرطانية؛ كمحاولة للانفتاح على الجمهور وعدم حصر نشاطهم في محيط المظاهرات.

لم تجد الفرقة مساحة حقيقية لتقديم أعمالها فتقربت إلى الجمهور من خلال عروض الشارع (الجزيرة)

في تاريخ مسرح الشارع
يستعرض الممثل في الفرقة أمجد عبد الأمير تاريخ مسرح الشارع قائلا “تعود بدايات مسرح الشارع في العراق إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث كان الفنان سعدي يونس من أوائل الفنانين الذين قدموا أعمالا في هذا المجال، كذلك كان لدينا فرقة عمالية وفرقة ريفية للفنون المسرحية قدمت أعمالا مسرحية في الشارع”.

وأضاف عبد الأمير “أعقبت تلك الفترة تنظيم مهرجانات مختصة بمسرح الشارع، ومن ثم شهد هذا الفن أعمالا عدة، لكن ما يميز فرقتنا عن باقي الفرق السابقة هو التواصل المباشر بين المسرح والجمهور، واستماعنا إلى ما يريد الجمهور وعرضه لهم، فلا يرغب أحد في مشاهدة الأعمال الفنتازية والتراجيدية بقدر ما يرغب في أعمال تحاكي واقعه وتستعرض ما يعانيه من مشاكل حقيقية”.

نقلاً عن:   الجزيرة

كيف يجعلنا التعلم الثقافي أذكى؟

تطرق أستاذ علم النفس والفلسفة ستيف ستيوارت ويليامز -في مقالة بمجلة “سايكولوجي توداي” الأميركية- إلى دور الذكاء في تحديد ماهيتنا، مشيرا إلى أن الثقافة التراكمية تمنحنا المعرفة والأدوات اللازمة لتنمية ذكائنا بشكل يتجاوز قدراتنا الذاتية.

ويرى ستيوارت ويليامز أن تركيبنا الجيني لا يمنحنا حق التفرد في عالمنا، نظرا لتشابهه الكبير مع التركيب الجيني للعديد من الثديات التي تعيش على اليابسة. وفي حال تعرض كوكبنا للغزو من قبل “كائنات فضائية”، فإن أول ما سيدور في أذهانهم حول بني البشر هو اختلافهم الجذري عن بقية الكائنات في معارفهم وتقنياتهم وأدواتهم.

وعلى الرغم من امتلاك الثديات الأخرى درجة معينة من الثقافة، فإنها لا تتمتع بالقدرة على التطور التي تميز بها الإنسان.

ولا شك في أن الذكاء يشكل جزءا مهما من تميزنا عن باقي الكائنات، ويمثل أحد أسرار تفردنا في هذا العالم، لكن إنجازاتنا الثقافية لا ترقى للمستوى المطلوب بعدُ في حال نظرنا إلى ذكائنا المتقد وما هو قادر على فعله.

ويرى العلماء والفلاسفة أن سبب تفوقنا على سائر الكائنات هو ما يعرف بالثقافة التراكمية، وليس الذكاء، أي قدرتنا على تخزين المعرفة ونقلها إلى الأجيال القادمة. وانطلاقا من هذه “القدرة الخارقة”، يمكن للأجيال التي تلينا أن تعمل على النظر في هذا الموروث العلمي وتحسنه وتعدله مع مرور الوقت.

لتوضيح هذه الفكرة، اقترح كاتب المقال مثال الفيلسوفين أفلاطون وأرسطو، اللذين من المرجح أنهما أشد ذكاء من معظم الناس الذين يعيشون على سطح الأرض في الوقت الحالي، لكن تصور عامة الناس للكون حاليا يتجاوز حدود معرفة هذين الفيلسوفين اليونانيين منذ آلاف السنين.

فائدة الثقافة التراكمية تتجاوز حدود الأجهزة التقنية التي يتسنى لنا استخدامها دون ابتكارها (غيتي إيميجز)

وأشار الكاتب إلى أن السبب الذي يجعل البشر قادرين على القيام بهذه الإنجازات الثقافية التراكمية دون غيرهم من الثديات لا يزال لغزا محيرا، لكن البعض يرجع ذلك إلى امتلاكنا لغات متشعبة وقدرتنا على ممارسة نشاط ما وتدريسه، فضلا عن تميزنا بالتجارة والإفراط في التركيز على أمر ما وامتلاكنا خاصية الاهتمام المشترك.

في واقع الأمر، تنطوي الثقافة التراكمية على فوائد متعددة، فهي تغنينا عن محاولة اختراع العجلة في كل جيل والبناء على الاكتشافات والاختراعات السابقة. كما أننا لسنا بحاجة إلى انتظار سقوط تفاحة على رؤوسنا حتى نفهم قانون الجاذبية، بل كل ما نحتاجه هو الذهاب إلى المدرسة أو الاتصال بالإنترنت لتصبح جلستنا المعرفية بمثابة نقطة انطلاق للجولة القادمة من الابتكار.

الثقافة تجعلنا أكثر ذكاء
وأوضح الكاتب أن فائدة الثقافة التراكمية تتجاوز حدود الأجهزة التقنية التي يتسنى لنا استخدامها دون ابتكارها. فهي تجعلنا أكثر ذكاء بصفة حرفية، ناهيك عن أنها تشمل المعارف المكتسبة والأفكار والقواعد والعادات التي نعمل على تضمينها داخل المادة الرمادية للدماغ، لتتعزز قدراتنا المعرفية بشكل جذري.

إن أدوات العقل لدينا تتضمن العبارات اللغوية التي نستخدمها ونظرية الاحتمالات وإستراتيجيات إدارة الوقت والتخطيط المالي. وفي الواقع، إن تراكم المعارف في أدمغتنا شبيه بتراكم التطبيقات داخل هواتفنا الذكية، وكلما زادت قدرة الدماغ أو الهاتف على تخزين التطبيقات والأدوات، زادت قدرته على تأدية العديد من المهام.

إلى جانب ذلك، يمكن للثقافة التراكمية أن تجعلنا أذكى بطريقة أخرى، فهي تسمح لنا بتجاوز القيود التي نفرضها على أدمغتنا من خلال اضطلاعنا بتقديم الإضافة إلى موروث معرفي موجود سلفا. وفي حال أردنا عزل أنفسنا عن الجميع، فسيستغرقنا امتلاك فهمنا الحالي للكون مئات آلاف السنين، وهو ما يجعلنا متفوقين عن الأجيال السابقة، خاصة في حال تحصلنا على تعليم جيد.

إن ثقافتنا التراكمية هي نتاج المعرفة التي انبثقت عن آلاف السنوات من التفكير، حيث يمكن لأي واحد منا أن يفهم الكون إلى درجة لا مثيل لها، مما يجعلنا نمتلك معلومات مذهلة ذات حجم هائل في أدمغتنا ومعرفة وتكنولوجيا تطلب إنشاؤها آلاف السنين.

أسطورة المخترع البطل
ويرى الكاتب أننا ندع الحقائق السطحية تحجب رؤيتنا للحقيقة الكاملة. فنحن نعزو إنجازاتنا الثقافية وننسب فضلها إلى المخترعين العباقرة بشكل روتيني، ونقول إنهم ابتكروا تحفا تكنولوجية وكانت لهم اكتشافات علمية استفاد منها العالم أجمع.

وتعتبر أسطورة المخترع البطل خاطئة، نظرا لأن الابتكارات لا تنجم عن لحظات عبقرية صرفة، بل هي نتاج جمع جذاذات أبحاث وأفكار جيش من المفكرين والأفراد.

تولد معظم التكنولوجيات الجديدة من رحم عمليات إعادة دمج العناصر والتكنولوجيات الموجودة سلفا بطرق جديدة. وحيال هذا الشأن، أفاد الكاتب الإنجليزي توم رولت أن “السيارة ذات المحرك انبثقت عن العربات التي تجرها الأحصنة”. وعلى نحو مماثل، ذكر ريدلي في كتابه “ذي راشونال أوبتيميست” أن شبكة الإنترنت ولدت بسبب زواج الهاتف والحاسوب، وأن الكاميرات التي يمكن ابتلاعها لفحص المعدة كانت ناتجة عن محادثة بين أخصائي في الأمراض الهضمية ومصمم صواريخ موجهة.

وخلص الكاتب وأستاذ الفلسفة وعلم النفس إلى أن معظم إنجازاتنا الثقافية لا تأتي من لحظات عبقرية فائقة لبعض الأفراد كما يُشاع، بل هي نتاج ثقافة تراكمية وقع تحفيزها ودعمها من قبل أشخاص شبه عباقرة، حتى تصبح ثقافتنا أكثر ذكاء مما هي عليه.

المصدر : الصحافة الأميركية

 

لماذا لا تهز الفضائح عروش نجوم الفن بالعالم العربي؟

مثلما كان لثورة التواصل أثرها السياسي بالشرق الأوسط والعالم أجمع، كان لها أثر لا يقل قوة في الفن والثقافة، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للتفاعل المباشر بين الفنانين وقاعدتهم الجماهيرية.

وعكست هذه المساحة الأولويات الثقافية والأخلاقية المختلفة للمجتمعات، بما وضع الكثير من كبار النجوم وذوي النفوذ بمجال الإنتاج الفني في موقع لا يُحسدون عليه عند تفاعل الجمهور مع سقطاتهم الأخلاقية. وظهرت قوة وسائل التواصل بالحملات المنظّمة التي وُجّهت ضد عدد من الممثلين والمنتجين في الغرب، إلا أن هذه القوة لم تظهر بنفس الدرجة في عالمنا العربي.

فقد دشّنت الممثلة الأميركية أليسا ميلانو نهاية عام 2017 هاشتاغ “#أنا_أيضا” (metoo#) لتشجيع كل من تعرض للتحرش الجنسي على التحدث عن التجربة، ورحّب المجتمع بمبادرة “تاميز أب” (time’s up) التي كانت السبب في الكشف عن العديد من حوادث التحرش الجنسي.

وأطاحت تلك المبادرات بعدد غير قليل من المشاهير، على رأسهم المنتج هارفي واينستين والممثل كيفن سبيسي الذي اتهمه الممثل الشاب أنتوني راب باغتصابه قبل ثلاثين عامًا، وأطلق عليه الجمهور لقب “مغتصب الأطفال” مما دفع شركة نتفلكس في النهاية لإيقاف إنتاج مسلسله الناجح “هاوس أوف كاردز” (House Of Cards).

أسقطت الحملة التي أطلقتها الممثلة الأميركية أليسا ميلانو عددا من المشاهير (رويترز)

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبح ارتباط أي نجم شابته اتهامات أخلاقية بعمل مع جهة ما مصدر حرج لهذه الجهة. مثلا، اعتذر الممثل كيسي أفليك الحاصل على أوسكار 2016 عن عدم تقديم جائزة أوسكار أفضل ممثلة لعام 2017، بعد انتقادات وُجهت له وللجنة اختيار الفائزين بعد حصوله على الجائزة، بسبب اتهامه في عدة قضايا تحرش جنسي.

كما تراجعت الأكاديمية عن ترشيح جيمس فرانكو عن فيلمه “الفنان الكارثي” (The Disaster Artist) خوفًا من ترديد نفس الاتهامات التي وُجّهت للأكاديمية عند ترشيح أفليك، وهذا بالرغم من إنكار فرانكو للتهم الموجهة إليه.

وأخيرًا بعدما واجه الجمهور الممثل كيفن هارت بتغريدات قديمة مناهضة للشواذ، أعلن هارت انسحابه عن تقديم حفل توزيع جوائز الأوسكار القادم حتى لا يسبب أي إحراج للأكاديمية.

عربيا
لا توجد أمثلة على ردود فعل غاضبة تجاه فنانين جرّاء أفعالهم المشينة بل على العكس تمامًا، كما حدث مثلا مع الممثل المصري أحمد عز الذي أصبح حديث الإعلام عندما فاجأت عارضة الأزياء الممثلة زينة الجميع عام 2014 بإعلانها أنها كانت متزوجة منه سرًا، وأنها تحمل توأميه في رحمها، وهو ما أنكره عز جملةً وتفصيلًا بداية كما رفض إجراء تحليل الحمض النووي، وقضت المحكمة عام 2018 بأبوّة عز للطفلين، ولكنه لا يزال مصرًا على إنكار الأمر.

ورغم أن إثبات النسب يعد من أكثر القضايا المشينة، فإن شهرة عز لم تتأثر على الإطلاق بهذه القضية، فمنذ بدء المحاكمة وحتى الآن قام ببطولة فيلمي “ولاد رزق، الخلية” ومسلسل “أبو عمر المصري” بالإضافة لعدد كبير من الإعلانات التجارية.

عفريت السيالة
لم يكن عز الحالة الأولى بالوسط الفني المصري، بل سبقه الممثل أحمد الفيشاوي وقضيته الشهيرة التي رفعتها عليه هند الحنّاوي عام 2003، ادّعت فيها أنها كانت متزوجة منه سرًا وحملت بطفلة أنكرها الممثل تمامًا، وظهر في عدد من البرامج التلفزيونية لينفي هذه الإدّعاءات قائلًا إنه شخص متدين ولا يمكن أن يقوم بمثل هذا الأمر، إلا أن الفيشاوي اضطر في النهاية للموافقة على إجراء تحليل الحمض النووي عام 2006 وبالفعل أثبت التحليل أبوّته للطفلة.

ورغم كل ذلك لم يأفل نجم الممثل الصاعد آنذاك بل على العكس قام ببطولة مسلسل ناجح “عفاريت السيّالة” بالإضافة إلى البطولة المطلقة لفيلم “الحاسة السابعة” وبعد إصدار الحكم بفترة قصيرة أصبح بطلًا سينمائيًا وتلفزيونيًا.

قضايا النسب لم تؤثر في مسيرة عز (رويترز)

لن يكون الأخير
أخيرا وليس آخرا المغني والراقص والممثل ومنتج موسيقى البوب المغربي سعد لمجرد، الذي لاحقته عدة شكاوى وقضايا تحرش جنسي واغتصاب من عدد من السيدات والفتيات من عدة دول مختلفة، منذ 2010 وحتى الآن.

بدأ مشوار لمجرد بالمحاكم متهما في قضايا اعتداء جنسي في الولايات المتحدة عام 2010، حين اتهمته فتاة بأنه اعتدى عليها جنسيًا، لكنه لم يتأثر وقتها وبدأ رحلة شهرته من المغرب والخليج العربي من خلال أغنية “انتي” التي أصدرها عام 2014، وتعد انطلاقته الحقيقية بعالم الفن، ثم أصبح ظاهرة عربية بامتياز عام 2015 عند إصداره أغنية “معلّم”.

اُتهم لمجرد مجددًا عام 2016 بالاعتداء الجنسي على فرنسية وقضى بسببها ستة أشهر بالسجن الاحتياطي، ثم تقدمت ضده أخرى بدعوى مماثلة، وبعد الإفراج المؤقت عنه عوقب بارتداء سوار إلكتروني يمنعه من مغادرة الأراضي الفرنسية لعدة أشهر انتهت عام 2017.

غير أن هذه الدعاوى والاتهامات لم تمنع لمجرد من الاحتفال بنجاح أغنيتيه “غلطانة، أنا ماشي ساهل” كما لم تمنع ترشحه لجائزة All Africa Music Awards عن فئة أفضل فيديو كليب، ولم توقف المنتجون عن إنتاج أغانيه والفيديو كليب الخاص به.

ولم تكن هذه آخر الدعاوى المرفوعة ضد لمجرد، فقد تقدمت امرأة بدعوى ضده هذا العام، وسُوي الأمر بغرامة مالية لها، وحُبس المغني في فرنسا مجددًا بسبب الدعوى القضائية الأولى ضده، ليخرج من السجن بشكل مؤقت الشهر الجاري محتفلا مباشرة بإطلاق فيديو كليب لأغنيته “بدك إيه” شاكرًا كل من دعمه بقضيته، بما يشير إلى عدم تأثره مهنيًا بكل هذه الملاحقات والتهم التي ربما كانت إيذانا بنهاية مشوار أحد نجوم هوليود.

تلاحق قضايا التحرش الجنسي والاغتصاب لمجرد منذ عام 2010 (مواقع التواصل)

هل من تفسير؟
تُرجع سلمى سليمان خبيرة علم النفس التربوي هذا الفارق في ردود الفعل إلى الفارق الأخلاقي بين المجتمعين، فالغرب يتيح التحرر الجنسي الذي تتسم به هذه المجتمعات، والحرية الشخصية لها الأولوية القصوى، لكن الإجبار على ممارسة الجنس أو التحرش الجنسي أمر غير مقبول.

بينما المجتمعات العربية تعاني من القهر والكبت والأخلاق الظاهرية فقط، مما لا يجعل للمجتمع قوة التأثير في نجاح النجم رغم أن رأيهم فيه قد يكون سلبيًا، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد ولا يتطور إلى درجة الحشد والمقاطعة المنظّمة لأعمال النجم، بالإضافة إلى ميل المجتمعات العربية إلى لوم المرأة -وفق ما تقول الخبيرة النفسية- حتى لو كانت هي الضحية، بعكس ما حدث في أميركا حين توحدت مجموعة من أقوى النساء المؤثرات في المجتمع لتقف في وجه التحرش.

أما خبيرة السياسات الإعلامية ريهام عبد الحميد فترى أن المجتمع العربي لا يزال يعتقد أن الوسط الفني بلا أخلاق، وأن هذه الحوادث أمر طبيعي في هذه البيئة التي يراها منحلة، وبالتالي لا يهتم بالغضب من الفنانين بسبب هذه التصرفات أو مقاطعتهم، بينما المجتمع الغربي لا يفرّق في النظرة بين الجمهور وبين مشاهير الوسط الفني.

المصدر : الجزيرة