الشمال السوري: رهانات أردوغان بين تقلبات ترامب وخطط بوتين

على مسافة شهرين من الذكرى الثامنة لانطلاق شرارتها، تبدو “الحروب السورية” الكبيرة والصغيرة وكأنها لا تنتهي، وتتركز الحلقة الراهنة منها على شمال البلاد وشرقها مع رقصة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بين منبج وإدلب وشرق الفرات، حيث يحاول إعادة كتابة التاريخ، بعد قرن على نهاية الإمبراطورية العثمانية، والمشاركة في رسم خرائط جديدة في إقليم ملتهب عبر منع الأكراد من تركيز أي وضع جغرافي جديد لهم، ولعب دور أحد صناع الوضع السوري الجديد برمته.

لكن الطموح التركي الفضفاض سيصطدم بعوامل تفجير في منطقة مليئة بالانهيارات، وترتبط مآلاته بخيارات أطراف مسار أستانة وخاصة خطط ومناورات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مدير “اللعبة الكبرى الجديدة” في سوريا، وليس بعيداً عن القرارات النهائية للولايات المتحدة الأميركية التي لا تزال تتمتع بالموقع القيادي في الشرق الأوسط حتى إشعار آخر بالرغم من ضبابية وتقلبات مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

احتدم الجدل والتزاحم حول توزيع النفوذ في المناطق الاستراتيجية لشمالي سوريا وشرقها بعد قرار الرئيس ترامب الانسحاب الأميركي منها، والذي تحول تدريجيا إلى “إعادة تموضع” مع قدر غير يسير من الغموض أو التخبط بسبب تحفظ المؤسسات الأميركية واستقالة وزير الدفاع نفسه.

وبعد جولتين في المنطقة لوزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، برز التصحيح وإعادة النظر بما يشبه الترتيب بين ترامب وأردوغان لجهة “التهديد بتدمير الاقتصاد التركي في حال ضرب الشركاء الأكراد”، وإرفاق ذلك بتصور عن “منطقة آمنة بعرض 20 ميلا (32 كلم)” تضمن مصالح تركيا الأمنية في جوارها السوري وتحمي الأكراد حسب وجهة نظر سيد البيت الأبيض. لكن سرعان ما انتهز الرئيس التركي الفرصة واتصل بنظيره الأميركي ونقل عنه تأكيد انسحاب القوات الأميركية من المنطقة و”التوصل إلى تفاهم له أهمية تاريخية كبيرة”، لأن تركيا ستتولى إنشاء المنطقة الآمنة بعد التشاور مع الأطراف المؤثرة بما فيها الدول الضامنة لمسار أستانة.

وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن مسألة المنطقة الآمنة ستُطرح على أجندة لقاء القمة المتوقع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في وقت لاحق من يناير الجاري. لكن ما تعتبره تركيا “منطقة آمنة” في شمال سوريا، يعتبره الأكراد “مكمنا” ينذر بحروب طويلة، حيث تصر أنقرة على استبعاد “وحدات حماية الشعب الكردي (نواة قوات سوريا الديمقراطية الحليف الرئيسي لواشنطن والتحالف الدولي في الحرب ضد تنظيم داعش) من الترتيبات الأمنية المستقبلية”. ويتم ذلك بسباق مع الزمن وبموازاة مسار آخر تشرف عليه قاعدة حميميم الروسية بين النظام في دمشق وممثلي أبرز الأطراف الكردية السورية من أجل بلورة ترتيب يتيح إعادة سيطرة الدولة السورية على هذه المنطقة.

قبل كل هذه المناورات كان بعض المراقبين يتحدثون عن تركيز مناطق نفوذ أميركية وروسية وتركية وإيرانية على خلفيات استراتيجية وعلى تقاسم موارد الغاز والنفط والمياه والزراعة من عفرين والزيتون فيها إلى دير الزور والنفط حولها. لكن الضبابية السائدة حاليا لا تتصل حصرا بجوار حلب الشهباء وإقليم الجزيرة وفراتها، بل تمتد أيضا إلى إدلب الخضراء وحماة وبالقرب من الساحل حيث سجلت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا المرتبطة بتنظيم القاعدة) تقدما حاسما في ظلال اتفاق 17 سبتمبر 2018 المتعارف عليه باسم “هدنة بوتين – أردوغان في إدلب”.

لا بد من التذكير بأن محافظة إدلب كانت معقل المعارضة السورية المسلحة ودارت فيها حرب مع القوات الموالية، لكن دخول النصرة وداعش على الخط غيّر من طبيعة النزاع الذي أخذ يتوسع منذ العام 2012 مع زيادة حدة كل أنواع التدخلات الخارجية في ظل استباحة حدود سوريا وتقويض استقرارها، وخاصة من ناحية الاندفاع الإيراني لحماية النظام السوري جسر المشروع الإمبراطوري نحو البحر المتوسط في لبنان، أو لناحية الانخراط التركي في إطار التوجهات الغربية والذي أخذ يتأقلم مع الاختراق الروسي الاستراتيجي وبالضبط منذ معركة حلب أواخر العام 2016.

بيد أن رجب طيب أردوغان الذي عزز على وقع “الحروب السورية” صعوده الداخلي من رئيس للوزراء إلى رئيس للجمهورية في ظل نظام “رئاسي سلطاني” كان يلعب على الساحة السورية لعبته الخاصة ومصلحة بلاده العليا حسب رؤيته.

من اللافت أنه في موازاة احتضان المعارضات السورية وممارسة وصاية على بعضها (سهّلتها قرابة أيديولوجية وأموال بعض العرب) فتحت تركيا حدودها بشكل طوعي أو بتغاض أو بعجز، أمام المتشددين من أنصار “الأمميات الإسلامية” أو من جماعات الإرهاب المصنوعة والجاهزة عند الطلب تحت غطاء محاربة النظام السوري. وكل ذلك مهّد لإرسال الجيش التركي إلى داخل الأراضي السورية في عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” تحت عنوان “مكافحة الإرهاب” و”الأمن القومي”، لكن الهدف الأساسي الدائم كان إجهاض حلم الأكراد بما يشبه الإقليم، ولتأمين الحضور إلى أي طاولة ستقرر لاحقا مستقبل سوريا.

تبعاً للتطورات الأخيرة المتصلة بقرار ترامب وتغيّر موازين القوى في إدلب، يصح التساؤل عن اقتراب أردوغان من تحقيق رهاناته. وتقول مصادر من الشمال السوري إن “المنطقة الآمنة التي تعتزم الحكومة التركية إقامتها على طول الحدود مع سوريا ستضم بلدات من 3 محافظات، هي حلب والرقة والحسكة. ووفقا للمسح فإن المنطقة الآمنة تمتد على طول 460 كيلومترا، على طول الحدود التركية السورية، وبعمق 20 ميلا”.

لكن للوهلة الأولى لن تسمح واشنطن وموسكو بذلك، ولن ترضى دمشق بتمرير رسم مثل هذه المنطقة، وأمامها عقبات جمة ومتنوعة. ووفق مصادر أوروبية وأميركية فإن “واشنطن تخاطر بشدة بإسناد مهمة القضاء على داعش لتركيا لأن أنقرة لا تهتم بمحاربة التنظيم، وإنما تصب كل تركيزها على القضاء على الأكراد شمال سوريا”.

وتستطرد هذه المصادر بخصوص إدلب “أن أولوية تركيا في هذه المرحلة، ليست محاربة النصرة، بل الأكراد وتحديدا وحدات حماية الشعب الكردية في شرقي الفرات، وعليه لم تتحرك تركيا ضد النصرة”، من دون أن يعني ما سبق أن احتمال خلط الأوراق غير وارد على مدى قريب أو متوسط إن عبر المواجهة مع النصرة أو تسهيل ضربها.

وهذه السيطرة لـ”هيئة تحرير الشام” في قطاع واسع تدلل على صعوبات تركية لفرض احترام أو تطبيق اتفاق سوتشي، لكن ربما يصبح الفرز الحاصل أفضل طريقة للتخلص منها لاحقا، من خلال عملية عسكرية مشتركة تقودها روسيا على شاكلة معارك حلب والغوطة الشرقية، وحينها تبيّن أن لكل شيء ثمنه في مساومات اللاعبين الخارجيين المتقاطعة على حساب السوريين، إذ حصلت صفقات غير معلنة في معارك حلب وجوار دمشق والقنيطرة ودرعا بين عدة لاعبين تحت رعاية العراب الروسي وموافقة المايسترو الأميركي.

يسود الاعتقاد، أحيانا، بأن المهمة الأردوغانية سهلة المنال بسبب عدم وجود مصالح حيوية وسياسة متماسكة لواشنطن في الملف السوري من جهة، والإدارة الروسية البراغماتية لهذا الملف من جهة أخرى. لكن الارتباك الموجود سيزيد من عوامل الالتهاب في الشمال السوري لأن الأولويات في دائرة “الفوضى الدولية” لا تحد من الأطماع الإقليمية المكشوفة في سوريا، إذ لا يقتصر التدخل الإيراني على دعم النظام في دمشق والمبارزة المقننة مع إسرائيل، بل يمتد إلى الشرق والشمال السوريين ليس فقط للتقاسم مع تركيا وروسيا بل للتصارع معهما أحيانا. إزاء هذه اللعبة المعقدة ستكون الخاصرة الرخوة لأردوغان ليس فقط في الجوار السوري إذا ترك قواته تتوغل كثيرا فيه، بل في الداخل التركي أيضا حيث يقوى عضد معارضيه الذين لا تدغدغهم الأحلام السلطانية.

 

نقلا عن صحيفة العرب _ خطار أبو دياب

هل النظام السوداني بحاجة إلى مؤامرة خارجية

صحيفة العرب _ محمد أبوالفضل

الرئيس السوداني عمر حسن البشير يسير في ركب الكثير من القيادات التي درجت على تحميل مسؤولية الفشل الداخلي لجهات داخلية وخارجية، وبدأ يلجأ إلى هذه النغمة مؤخرا كنوع من الاستسهال وتبرير التظاهرات التي تجتاح مدنا مختلفة، ووجدها فرصة للحد من تدهور شعبيته وسيفا للتحريض على من رفعوا سقف مطالبهم وحولوا انتفاضة الخبز وتخفيف الأزمة الاقتصادية إلى إسقاط النظام.
السودان من الدول التي لديها مشكلات بالجملة، وليست بحاجة إلى التآمر عليها بالمعنى التقليدي، ويكفي أن يتذمر المواطنون ويتسع نطاق غضبهم لتهتز الأوضاع من تحت أقدام أي نظام حاكم، وهو ما حدث على مدار الأسابيع الماضية، وتعمقت الأزمة لأن الحكومة لا تملك المجاهرة بالوعود الإيجابية كغيرها، فقد فقدت جانبا كبيرا من مصداقيتها، ما جعلها غير قادرة على الكلام المباشر عن فترة واعدة من الرخاء، ولو على سبيل تهدئة الأزمة.
البشير يبدو كمن استهلك الفرص التي أتيحت له لتثبيت أركان نظامه بصورة تبعده عما يمكن أن تسببه الاحتجاجات من عراقيل، وعاد لتكرار أخطاء من سبقوه في السودان، عندما تعمد القبض على زمام الأمور والتشبث بالسلطة وحصرها في شخصه، وتجاهل أنين القطاع الواسع من المواطنين، اعتمادا على أداتي الحزب، حزب المؤتمر الوطني، الذراع السياسية للحركة الإسلامية في السودان، والمؤسسة العسكرية التي ينحدر منها ولها اليد الطولى في البلاد. الجهتان أظهرتا قدرا من التململ من التصرفات التي تبناها البشير، وبدأت كلتاهما مع اندلاع الأزمة تحتفظ بمسافة بعيدة عنه، في اعتقاد بأنها قد تنجو بنفسها، ولو بالتضحية بالرئيس، لكن عندما تأكدتا أن السفينة يمكن أن تغرق بالجميع والشعب لن يتقبل نظرية منطق رأس الذئب الطائر، أعادتا تقويم الموقف لصالح عدم الهروب من مساندة البشير.
المساندة الظاهرة انعكست في تصريحات بعض المسؤولين في المؤسسة الحزبية والحركية، ناهيك عن المؤسسة العسكرية، وتغيرت الإشارات الأولى التي أوحت أن البشير يقاوم التظاهرات بمفرده وعلى وشك الرحيل، لصالح التكاتف والالتفاف حوله وتبديد هواجسه، لأن ردود الفعل الخارجية بدت غير معنية كثيرا بما يجري في السودان، ولم يتم تسليط الأضواء على ما يدور من احتجاجات أو مطالبات بالرحيل بعد سقوط عشرات الضحايا.
البشير والحكومة والحزب والحركة الإسلامية، تصرفوا من منطلق الدفاع عن أنفسهم كوحدة واحدة، وحاولوا تجاهل الخلافات البينية في هذا التوقيت، ولجأت القيادات إلى تجميع الصفوف تحت شعار المؤامرة أو الاستهداف الخارجي، والذي لم يتم تقديم رواية مقنعة عنه حتى الآن.
السودان مثل غيره من الدول له أعداء وأصدقاء، لكنه ليس بحاجة إلى تآمر هؤلاء، ولم يستطع الحصول على دعم هؤلاء، فالمشكلات الممتدة في طول البلاد وعرضها، والتوترات التي تزخر بها أراضيه لن تجعل أية جهة تريد النيل منه عاجزة عن تحقيق أغراضها، لذلك تظل عملية المؤامرة سلاحا معنويا يريد من ورائه الرئيس البشير، وهو الأكثر ترديدا له، توظيفه لنهر المتظاهرين المنساقين وراء بعض الخونة.
الأصدقاء، أو من يتصور النظام السوداني أنهم من الأصدقاء، لم يذهبوا أبعد من تقديم الدعم المعنوي، متمثلا في خطابات سياسية رنانة، ترمي إلى الحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها، لكن لم يتمكنوا من تقديم مساعدات اقتصادية عاجلة، وهي جوهر الأزمة، والمتوقع أن تزداد صعوبة، سواء استمر البشير في السلطة أو خرج منها، لأن تراكمات السنوات الماضية جعلت البلاد أسيرة عقبات محتدمة.
النظام السوداني تجاهل أنين القطاع الواسع من المواطنين
المشكلة أن جهات كثيرة، في السودان وخارجه، على قناعة بأن فرص النظام باتت محدودة في الاستمرار، وهي إشارة سلبية للبشير، وضعته بين فكي رحى التمادي في استخدام القوة أملا في السيطرة على الاحتجاجات، أو التساهل معها وتليين قبضته الأمنية لنزع الحجة التي تستخدمها المعارضة لممارسة المزيد من الضغوط.
الأولى فشلت مع غالبية من جربوها واعتمدوا عليها بمفردها، لأن ارتفاع معدل الضحايا يحرك الكثير من الأصوات العائمة في العالم، ومع تزايد الأرقام المعلنة من القتلى والجرحى من المتوقع أن يتزايد الغضب على النظام السوداني، وهو ما استعد له البشير مسبقا عبر تكثيف الاعتماد على نغمة المؤامرة وملابساتها الشيقة.
أما الثانية فقد نجحت في دول وأخفقت في أخرى، ويتوقف ذلك على حنكة النظام الحاكم، وفي الحالة السودانية يرجح أن يكون الفشل حليفها، لأن غالبية الأنماط التي جُربت في دول عربية خلال الثورات السابقة، وحاولت الحكومات الانحناء للعواصف، أفضت إلى ارتفاع المطالب وتحويلها من الشق الاقتصادي والاجتماعي إلى السياسي والأمني، وهكذا سقط نظام الرئيس حسني مبارك في مصر، وزين العابدين بن علي في تونس، وحتى الرئيس اليمني علي عبدالله صالح واجه المصير نفسه بعد مماطلات عدة.
الحالة السورية كانت فريدة من نوعها، لأن القبضة الحديدية التي استخدمت لم تكن كافية، وكادت تفضي إلى انهيار نظام بشار الأسد والدولة برمتها، لكن الدعم الذي حصل عليه من روسيا وإيران وحزب الله اللبناني، ودخول متغيرات إقليمية ودولية متنوعة على المشهد وفّرا فرصة لتماسك النظام واستمراره، حتى الآن، ضمن لعبة معقدة من التوازنات والمعادلات.
السودان يخلو من كل ذلك، ولديه ما يكفي من عوامل الهشاشة الداخلية التي يمكن أن تهز أركانه بغير حاجة إلى مؤامرة من هنا أو هناك، بالتالي لن يؤدي ترديدها سوى إلى الإساءة للنظام الحاكم، الذي أخفق في نسج شبكة من الأصدقاء والحلفاء يساندونه في لحظة حاسمة، ولم يستفد من تجارب الآخرين، الذين جرى التضحية بهم بعد أن تحولوا إلى ورقة مستهلكة.
هواجس المؤامرة، قد تجدي في دول مختلفة، تملك من القدرات والمقومات ما يمكنها من التأثير في من حولها، لكن بالنسبة للنظام السوداني الذي كان يصور نفسه على أنه يحتفظ بعلاقات جيدة مع الشرق والغرب والشمال والجنوب، فإن المسألة غير مقنعة، كما أن المنطقة المحيطة حافلة بصراعات ممتدة، والمعارضة النشطة في دولها لها امتدادات خارجية معروفة، احتاجت الكثير من الدول إلى تفاهمات إقليمية للسيطرة عليها، كما أن معظم المشكلات الداخلية لها روافد في الدول المجاورة، في الحرب والسلام.
المقصود أن العنصر الخارجي حاضر منذ فترة في السودان والدول المحيطة، وتوصلت الخرطوم إلى تفاهمات عديدة مع كل من تشاد وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان ودولة أفريقيا الوسطى، لوقف لعبة الحرب بالوكالة من خلال المعارضة، وتظل فكرة التآمر الإقليمي محدودة مع كل المعاناة التي تواجهها هذه الدول، والتي لا تملك رفاهية التخريب والقدرة على هز أركان نظام دولة مجاورة، قد ترتد التداعيات عليها في النهاية.

نقلا عن صحيفة العرب

روسيا توظّف التشتت الدولي في إدارة الأزمة الليبية

يؤكد تعامل روسيا مع الأزمة الليبية أنها قريبة وليست بعيدة كما يتصور كثيرون، أو على الأقل أن ليبيا محل اهتمام من قبل قادتها. والتردد الظاهر على تصوراتها يبدو مفهوما في سياق التعقيدات السياسية والعسكرية التي تمر بها ليبيا، وجعلت موسكو تتعمد جس النبض من خلال أدوات مختلفة، كي تتهيأ الفرصة لتنقض عليها، كما انقضت على الأزمة السورية في لحظة حاسمة، مستفيدة من الارتباكات التي خيمت على أدوار قوى إقليمية ودولية، جعلتها عاجزة عن مناطحة الدور الروسي.

كشف الإعلان عن زيارة مبعوث لسيف الإسلام القذافي إلى موسكو مؤخرا، وتسليمه رسالة للرئيس فلاديمير بوتين، أن روسيا بدأت تسارع خطوات الانفتاح على قوى متعددة، ولم تعد علاقتها قاصرة على المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، أو عقيلة صالح رئيس البرلمان في طبرق، ويمكن أن تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير، طالما قررت التقدم خطوة للأمام على صعيد الأزمة الليبية.

اتسعت المروحة السياسية لموسكو، بكلام ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي، عندما قال، الاثنين، “ينبغي أن يلعب سيف الإسلام القذافي، دورا في المشهد السياسي الليبي”، وهو ما تزامن مع محاولات حثيثة تقوم بها دوائر محلية وخارجية تريد المساعدة في انخراطه داخل العملية السياسية مباشرة.

يظل سيف الإسلام القذافي ورقة رابحة في أيدي الكثيرين، ليس لأنه نجل معمر القذافي، وينتمي إلى قبيلة عريقة (القذاذفة) لها حضور ونفوذ كبيران في أماكن متباينة، لكنه عنوان لمرحلة كان يسعى فيها إلى تقديم توليفة مصطنعة لمشروع مبتكر للحكم، قبل إجهاضه من جانب مناوئين للفكرة، احتلوا مكانا بارزا في السلطة، حتى ذهبت بعيدا عن الجميع، غير أن مكونات المشروع لا تزال تحظى بجاذبية لدى بعض القوى النافذة في ليبيا.

يحمل التودد الدبلوماسي لسيف الإسلام القذافي، قدرا من البراغماتية، ولا يعني أن موسكو تضع بيضها في سلته وحده، أو القطع بأن فرصته مضمونة في الوصول إلى السلطة، لكن هي فكرة من بين مقاربات عدة تسعى روسيا إلى القبض عليها، لتكون رقما في معادلة صعبة، وربما يتم استدعاؤها للفصل بين قوى سياسية وأمنية متناحرة، كل منها يميل إلى جهة خارجية أو محسوب عليها، ولتجنب الدخول في صدام مع قوى غربية تقلق من موسكو، أو بمعنى أدق طمأنتها بأن روسيا سوف تسير على طريقها.

تتمنى روسيا توظيف التشتت الدولي في إدارة الأزمة الليبية، وإخفاق أو تعثر المبادرات الأممية والإقليمية والفرنسية والإيطالية، للإمساك بتلابيب الأمور، باعتبارها المنقذ من الفوضى الحالية، وتمثل صورتها في المنطقة، وفي ليبيا بشكل خاص، رمزا للتعاون البناء، وبعيدة عن الأفكار المتداولة بشأن تاريخ قوى استعمارية مثل فرنسا وإيطاليا، ومهيمنة كالولايات المتحدة، أو قوى تأمل في فرض سطوتها لتعميم أجندتها الأيديولوجية مثل تركيا وقطر.

تعرف موسكو أنها تملك مقومات كثيرة تساعدها على المزيد من الحركة الإيجابية، ما جعلها تحتفظ بمسافة عن المشير حفتر، وتنأى عن تصويرها في شكل الحليف للشخص الواحد على الساحة، لذلك بدأت توسع نطاق شبكة التعاون، وتصل بها إلى قوى متعددة، وهو دليل على رغبتها في القيام بدور مؤثر داخل ليبيا، بعد أو قبل أن تلملم جيوبها في سوريا.

تنطوي الإشارات الروسية الزاحفة نحو سيف الإسلام القذافي على معان سياسية تتجاوزه كشخص طموح، لكنها تصب في خانة أنه رمز لتوجه يضم أطيافا متباينة من القوى، في مقدمتها جزء معتبر من أنصار العقيد الراحل معمر القذافي، تراودهم أحلام العودة إلى السلطة، مستندين إلى التدهور الذي أعقب سقوطه بالقوة، وندم مجموعة كبيرة من المواطنين على الأيام الخوالي، وما تلاها من كوابيس أمنية واقتصادية، لا يوجد أفق قريب للخروج منها.

يرى الكثيرون في نجل القذافي أنه على وفاق تام مع شريحة كبيرة من المنتمين إلى التيار الإسلامي، وظهوره على الساحة مجددا يحيي، ولو رمزيا، فكرة الجمع بين النقيضين، أي قطاع مهم من أتباع النظام القديم وجماعة الإخوان ومن يلفون لفها.

سيف الإسلام القذافي ورقة تضيفها موسكو إلى قائمة رهاناتها المتعددة

ظهرت ملامح الجمع بينهما حديثا في أماكن عدة مثل مؤتمر داكار في مايو الماضي، الذي كان شاهدا على عدم استبعاد التحالف بينهما، ما يمثل صيغة جيدة لقوى غربية تعمل على أن يكون للتيار الإسلامي وجود مؤثر في السلطة بالمنطقة، وتدرك أن هذا التيار ربما يتعرض لهزات عنيفة، إذا قرر المضي قدما في العملية السياسية والاستحواذ على الحكم بمفرده، في ظل وجود جهات إقليمية رافضة لمشاركته أصلا، وتقبل على مضض أن يكون جزءا في اللعبة وليس كل اللعبة.

يدعم هذا الاتجاه، أن جميع مغازلات الإخوان السياسية في ليبيا مع شخصيات مثل المشير حفتر أو عقيلة صالح، أو فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوفاق، تكتيكية ولتجاوز بعض العقبات الآنية، ولا تدخل في باب التحالفات الاستراتيجية، التي تتمنى بعض القوى الوصول إليها مع قوة مدنية لفك شيفرة السلطة في ليبيا، بعد أن وصلت إلى طريق شبه مسدود، يصعب معه توقع الشخص الذي يمكن الالتفاف حوله وينجح في ملء الفراغ الراهن.

كلما جرى الاستفتاء شفويا على شخص، وجد عقبات كثيرة تمنع حسم تفوقه، وكلما مالت بورصة التوقعات إلى جهة يمكنها إحكام السيطرة على السلطة، ظهرت عوامل تقلل من قدرتها على تخطي التحديات المتناثرة في ربوع ليبيا.

توحي التصرفات التي تقوم بها موسكو أنها تريد تقديم رؤية سياسية أو عسكرية في ليبيا، لأن انفتاحها على قوى كثيرة يصب في صالح هذا المنهج، بالتالي فالحديث عن دور مستقبلي لسيف الإسلام القذافي، لا يعني تبنيه ودعمه في الوصول إلى الحكم، لأن فئة كبيرة من الليبيين تدرك تضاؤل فرصته أمام شخصيات أكثر حضورا، قد تكون وازنة بما يفوق مؤهلات نجل القذافي.

ناهيك أن الرجل يمكن أن يتسبب في إشعال المزيد من النار على الأزمة، وليس العكس، فلا يزال هناك ليبيون محتقنون ويكنون عداء سافرا لرموز النظام القديم، فما بالنا بأحد أبناء الحاكم السابق؟

كما أن التعامل مع أتباع القذافي ككتلة واحدة خطأ جسيم، فثمة تشتت وتشرذم وترهل أصاب هؤلاء، جعل بعضهم يتبنون مواقف أبعد ما تكون عن ثوابت العقيد الراحل، في ما يتعلق بالعلاقة مع تيار الإسلام السياسي والدول الداعمة، أو في النظر إلى الآليات السياسية لحل القضايا الدقيقة في البلاد، ووصل البعض إلى حد الانحياز إلى مصالحهم الشخصية، من دون مراعاة للمصالح الوطنية.

يرى ليبيون أن الإصرار على إعادة سيناريو سيف الإسلام القذافي ومحاولة تصديره كوجه توافقي من جانب بعض القوى الدولية، قد تكون نكبة كبيرة، لأنها تشعل الأزمة ولا تطفئها، وتفتح جراحا عميقة، ومن يروجون له، عن قصد أو من دونه، ربما يقودونه إلى التهلكة، لتعود الأزمة الليبية إلى اليوم التالي لمصرع القذافي، ومحاولة ترتيب الأوراق مرة أخرى منذ هذه اللحظة، التي أجهزت فيها قوات الناتو على النظام السابق ودمرت قدراته العسكرية، بمعنى خروج مراكز القوى التي تتمترس وراء السلطة أو الميليشيات حاليا.

ولذلك بدأت عملية الترويج لأسماء محسوبة على النظام السابق، مثل أبوزيد دردة رئيس جهاز الأمن الخارجي في عهد النظام السابق، والذي يستطيع العمل وفقا للمعالم التي رسمها مشروع سيف الإسلام القذافي، لكن كل ذلك يتوقف على توازنات القوى الدولية، والتي تتغير بين فينة وأخرى، لأن الأزمة لم تدخل بعد مرحلة الحسم التام، وضجيج التحركات والمبادرات والمؤتمرات هو دليل على استمرار الارتباكات وفقدان البوصلة، ما يمهد الأجواء لروسيا للتدخل في ليبيا.

نقلا عن صحيفة العرب

هل نجح النظام السوري في دفن الثورات العربية؟

فيصل القاسم(القدس العربي) 

كلنا يتذكر الخطاب الأول لرئيس النظام السوري بشار الأسد في مجلس الشعب بعد اندلاع الثورة السورية بأسابيع قليلة. ولعل أبرز ما جاء فيه جملة مهمة للغاية قالها الأسد، وهي أنه سيوقف حركة دومينو الثورات في سوريا. بعبارة أخرى فهو قد تعهد لداعميه في الخارج ولكل الطواغيت العرب المهددين بالثورات أن يدفن حركة الربيع العربي، ويمنع أي شعب آخر من مجرد التفكير بالثورة على طغاته. ولا شك أن الأسد عندما قال تلك الجملة الشهيرة كان يتكلم بلسان ودعم السواد الأعظم من الحكّام العرب، إلا من رحم ربي، فغالبيتهم يواجهون شعوباً غاضبة ومقموعة وفقيرة تنتظر أي شرارة للانتفاض على جلاديها.
لقد كان تهديد الأسد إشارة البدء للدخول في المحرقة السورية، خاصة وأن ضباطه كانوا قد أخبروا بعض المثقفين السوريين بعد اندلاع الثورة في تونس ومصر بأن سوريا ليست مصر ولا تونس، وأن الأوامر قد صدرت لمواجهة أي تظاهرة شعبية فوراً بالرصاص الحي، وليس بالغازات المسيلة للدموع أو الرصاص المطاطي. وفعلاً هذا ما حصل. والمضحك في الأمر أن مخابرات النظام كانت تطلق الرصاص على المتظاهرين، وتقتلهم بالمئات ثم كانت تتهم وقتها ما يُسمّى بالجماعات المسلحة. لكن تلك الجماعات للمفارقة لم تستهدف سوى التظاهرات المعارضة للنظام، أما المسيرات المؤيدة التي كان يُخرجها النظام إلى الشوارع فلم تتعرض في ذلك الوقت لأي تهديدات، مما يؤكد أن الجماعات المسلحة التي صدّع النظام رؤوسنا وقتها بها لم تكن سوى جماعات أمنية قذرة تابعة لفروع المخابرات، وكان هدفها منع السوريين من الخروج إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط النظام.

ربما قد نجحت السعودية والإمارات في مساعدة الأسد وأمثاله في قمع الثورات بالثورات المضادة مؤقتاً، لكن هل ستسلم السعودية نفسها من الانتفاضات القادمة؟

لا شك أن الأسد سحق الثورة السورية بمباركة رفاقه من الطواغيت العرب حتى الذين كانوا يذرفون دموع التماسيح على الشعب السوري، ويزعمون تأييد الثورة. لقد كانوا جميعاً مؤيدين لما قام به الأسد من تدمير وتهجير كي يكون السوريون عبرة لمن يعتبر، وكي لا يفكر أي شعب عربي بعد أن شاهد الهولكوست السوري بمجرد الصراخ ضد حكّامه. نعم نجح الأسد في سحق سوريا وطناً وشعباً بمباركة ضباع العالم وكلابه، لكن الأسد لم يعد رئيساً لسوريا بعد هذا الانتصار المزعوم، بل أصبح كما وصفه حلفاؤه الروس أنفسهم بذيل كلب، أي أنه غدا تابعاً ذليلاً للذين أنقذوه من السقوط كالإيرانيين والروس. وقد سمعنا وزير الخارجية الروسي لافروف نفسه وهو يقول على الملأ لولانا لسقط النظام خلال أسبوعين. وقد ردد حزب الله وغيره من الميليشيات الإيرانية التصريح ذاته. بعبارة أخرى، نجح الأسد في قتل السوريين وتشريدهم، لكنه باع سوريا للغزاة والمحتلين كي يبقى على عرشه المهزوز. والأنكى من ذلك أنه لم ينجح مطلقاً في تحقيق وعوده للطواغيت العرب بوقف حركة دومينو الثورات مطلقاً، بل على العكس من ذلك فإن الشعوب رغم الأهوال التي شاهدتها في سوريا من قتل وتدمير وتهجير وتشريد لم تتعظ، بل راحت تنتفض في بلدان جديدة مستخدمة نفس الشعارات التي رفعها الشعب السوري ومن قبله الشعبان المصري والتونسي.
ليس بعيداً عن دمشق، فقد ثار الشعب الأردني قبل أشهر قليلة جداً وقد استخدم ذات الشعارات التي رفعها السوريون وأكثر. ولطالما سمعنا: الشعار الشهير: الشعب يريد إسقاط النظام. وعلى الرغم من أن القيادة الأردنية استجابت لبعض مطالب المحتجين، وقامت بطرد رئيس الحكومة واستبداله برئيس وزراء جديد، إلا أن الوضع في الأردن مازال يغلي، وهو على كف عفريت، مع العلم أن الأردنيين قد شاهدوا ما حلّ بالشعب السوري بسبب ثورته المجيدة. مع ذلك لم يترددوا في أن يفعلوا ما فعله بالضبط. والقادم في الأردن لا يبشر بخير بسبب الوضع الاقتصادي الكارثي.
ومن المضحك أنه بعد أيام فقط على زيارة طاغية السودان إلى دمشق للقاء بشار الأسد ودعمه، انتفض الشعب السوداني من أقصى السودان إلى أقصاه، وقد رفع أيضاً نفس الشعارات التي رفعها الشعب السوري. ويبدو أن البشير قد استشار بشار خلال زيارته إلى دمشق حول كيفية قمع التظاهرات فيما لو اندلعت ضده لاحقاً. وهذا ما حصل. والغريب أنه وصف المتظاهرين السودانيين بنفس الأوصاف التي وصف بها بشار المحتجين في شوارع سوريا كمندسين وعملاء وخونة. ومن الواضح أن ثورة السودان كثورة الأردن لن تهدأ، لأن كل الأسباب التي أشعلتها ما زالت موجودة، ولن تختفي لا اليوم ولا بعد سنوات، لأن الوضع الاقتصادي في البلاد من سيىء إلى أسوأ.
وقد توقعت منظمة العدل والتنمية لدراسات الشرق الاوسط وشمال افريقيا قبل أيام فقط «اندلاع انتفاضات شعبية كبيرة بعدة دول قريباً بالشرق الاوسط على رأسها العراق وتونس وليبيا والسودان ومصر بجانب لبنان والجزائر والمغرب في ظل ازمة اقتصادية عالمية وشيكة، مما سيؤدى لارتفاع أسعار المحروقات والوقود والسلع بمختلف دول العالم».
ربما قد نجحت السعودية والإمارات في مساعدة الأسد وأمثاله في قمع الثورات بالثورات المضادة مؤقتاً، لكن هل ستسلم السعودية نفسها من الانتفاضات القادمة؟ وهل يعتقد الأسد بعدما وصلت سوريا إلى هذه الحال أن يحكمها بنفس الطريقة القديمة؟ مستحيل طبعاً، حتى أن حلفاءه الروس باتوا يرون فيه عبئاً ثقيلاً على مشروعهم في سوريا. باختصار شديد، أيها الطواغيت العرب: توقعوا دومينو الثورات أن يتسارع من الآن فصاعداً، لا أن يتوقف كما وعدكم حليفكم بشار الأسد. تعيشوا وتاكلوا غيرها.

نقلاً عن: القدس العربي

مد رجليك ع قد “اللايف ماب” تبعك

خليفة خضر(عنب بلدي)
كان لي حلم أن أصبح كأستاذنا في جامعة حلب، الذي كان آنذاك يسكن في حي الفرقان بمدينة حلب، وفي ذات الوقت يسكن في منزله الكائن بمدينة الرقة، التي تبعد عن مركز مدينة حلب قرابة الـ 200 كيلومتر، إذ كان يوزع الدكتور أيام أسبوعه، بين الرقة وحلب والطريق الذي لم يكن يستغرق من الوقت ثلاث ساعات على الأوتوستراد الدولي الواصل بين المحافظتين.
كان البعض يمازحه ويقول لم جلد الذات وتضييع الوقت على الطرقات؟! فمن الأفضل له الإقامة في حلب، وفي العطل الصيفية، كما بقية الطلاب والموظفين، بمقدوره السفر إلى الرقة حيث يسكن وحيث ولد.

لكنه كان يعلق على ملاحظة تضييع الوقت على الطرقات أنه في الرقة يجد ذاته ويجد مكانًا لنفسه التي تتبدد بين زحمة مدينة حلب وكثرة المشاغل والأعمال، ولولا الطريق وتوزيع وقته بين الرقة وحلب لضاعت نفسه وتغيرت ولم يعد يعرف ذاته. ويضيف في بعض الأحيان أن لتربتك التي ولدت عليها حقًا، ثمة أمراض نفسية وجسدية يعجز الكثير من الأطباء عن علاجها، إلا أن زيارة الإنسان للتربة التي حملته وهو حافٍ علاج لبعض أمراضه النفسية والجسدية.
دائماً كان يختم الحديث للسائل والمستغرب من سفره المتواصل بين حلب والرقة، بالقول: قد تتعبك المدينة ومشاغلها وتستعين بمسكنات الآلالم وعقاقير وجع الرأس لكي تستمر في يومك، أما الفرات والطرقات والبدو فتعفيني من مسكنات الآلالم.
كنت دائمًا ما أستشهد به عندما يسألني أحدهم عن حلمي، أخبره أن لي حلمًا هو أن أكون دكتور جامعة وأحاضر في الجامعة، جامعة حلب بالذات، ليرد علي البعض، هل منكم من هو دكتور جامعة منكم، أي نسل الشوايا؟!
ولست حينها بصدد التفريق وإعادة تعريف الشاوي ومن هم الشوايا، ولا التفريق بينهم وبين البدو، لأن عشيرتنا من البدو وليست من الشوايا. فآنذاك، أي قبل اندلاع الثورة السورية في آذار عام 2011، لم يكن ثمة ما يساعدك على تعريف نفسك ومجتمعك للآخر، فلا مجال للمقاربات الذهنية بين مكونات المجتمع السوري، فكل فئة تنظر للفئات الأخرى كما رسمتها لها حكومة البعث وأطرتها ووصمتها بنمط حياة محدد، وكل فئة لا تستطيع رؤية الفئات الأخرى بنظرة غير تلك التي وصمها البعث لهذه الفئة.
كنت كلما يسألني أحد أصدقائي عن حلمي وكلما أخبره بحلمي ويسألني كيف لك أن تصبح دكتورًا وجل الدكاترة هم من طبقة محددة من المجتمع، أي من الأغنياء ومن محافظات محددة، كنت أذكر له الدكتور الرقاوي وفي حال يريد رؤيته، كنت أطلب منه الذهاب إليه حيث يعطي محاضراته في كلية الهندسة الكهربائية في جامعة حلب: “روح شوفه ياخي، والله إنسان ودكتور من الرقة وشاوي متل ما تشوفه!”.
كان يستملكني هذا الحلم، أن أصبح دكتورًا في الجامعة، أوزع أيامي بين الرقة ومدينة حلب، وآخذ بسيارتي -أي كان نوعها لا يهم- الطريق الواصل بين كلتا المحافظتين، تاركًا لتفكيري الشرود بين قرى ريفي المحافظتين المبعثرة على طرفي الطريق، تتخلل الطريق استراحة ذات ديكور يشبه أثاث خيم البدو تتحول زيارتي لها إلى عادة لا بد من ممارستها وإن كنت غير عطشان أو جائع.
كان يشرد تفكيري بمنزل لي على ضفاف الفرات، أشرب الشاي أمام باب المنزل متحدثًا مع النهر عن قضايا الحياة التي تكبر كلما كبرنا.
وإن كانت المظاهرات المناهضة لحكم الأسد آنذاك في بدايتها في جامعة حلب، إلا أنها لم تثنني عن استمرارية الحلم ورسم المشاهد والصور، في حال تخرجت وحققت حلمي وتم تعييني محاضرًا في جامعة حلب.
لم أكن أعرف ما سيحدث بعد سنوات الحلم، أن تتحول زيارة الرقة أو جامعة حلب إلى حلم ربما يصعب تحقيقه، ناهيك عن الحلم الأول بأن أصبح دكتور جامعة.
فبعد سبع سنوات من آخر مشهد كنت أرسمه في مخيلتي عن توزيع أيام الأسبوع بين حلب والرقة، تحولت الخارطة لجامعة يسيطر عليها نظام الأسد وأخذت اللون الأحمر بحسب موقع “لايف ماب- سوريا”، ومدينة الرقة التي تسيطر عليها “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) أخذت بدورها اللون الأصفر بحسب نفس الموقع، أما أنا فرماني قدري أن أقيم في المنتصف بريف حلب الشرقي الذي تسيطر عليه فصائل المعارضة، والتي وصمها موقع “لايف ماب” باللون العفني.


خريطة تظهر توزع السيطرة في الشمال السوري – 27 كانون الأول 2018 (Livemap)

لا قدرة لي على السفر إلى جامعة حلب، فمن خلال رسمي على جدران المنازل المدمرة عامي 2013 و2014 تحولت إلى مطلوب لقوى الأمن، التي منعت أحدًا من السكن في منزلنا بحجة أن لدى صاحبه أولادًا إرهابيين.
ولا قدرة لي على السفر إلى الرقة التي تسيطر عليها “قسد”، والتي ترى من توثيقي لسجونهم في مدينة راجو، أنني “داعشي” و”مفترٍ”، ولا مكان لسجن راجو في الخريطة، بحسب ما قال أحد قياديي “الوحدات” لصحفي أمريكي صديق لي زار الرقة وسأله عن انتهاكاتهم في عفرين.
طلب مني أحد أبناء عفرين الذهاب إلى السجن وتصويره إذا استطعت، استطعت وصورته وكانت تهمة لي تحول دون سفري إلى الرقة، ليتم حصاري في المنتصف بين مركز جامعة حلب ومدينة الرقة.
ضاع حلمي لأجل غير مسمى، فلا أنا تخرجت ولم أصبح دكتورًا ولا أستطيع السفر إلى مركز الجامعة ولا أستطيع السفر إلى الرقة.
ربما علي القول لمن يريد أن يحلم في هذه الأيام في سوريا، أن عليه في حال بدأ يرسم لنفسه مشاهد حلمه عليه أن يأخذ موقع “لايف ماب” بعين الاعتبار، خوفًا على نفسه من اعتقال أو قتل في حال مد بحلمه إلى منطقة يحظر عليه الدخول إليها بسبب مواقفه السياسية.
لذلك أمرّن أحلامي اليوم، أن تمد قدميها على قد خريطة “اللايف ماب” الخاصة بها.

نقلاً عن: عنب بلدي

إيران عشية الذكرى السنوية الأولى لبدء انتفاضة الشعب

نظرة إلى إنجازات عام واحد من الانتفاضة ضد الدكتاتورية في إيران

بقلم عبدالرحمن مهابادي*

عشية الذكرى السنوية الأولى لانتفاضة الشعب الإيراني اعترف ولي فقيه الملالي علي خامنئي مرة أخرى بعنوان المنافس والبديل الديمقراطي الوحيد لنظامه أي مجاهدي خلق وقال بأن أمريكا ومجاهدي خلق كانوا يخططون لخلق الفوضى في عام ٢٠١٨ ولكن لديهم مخطط من أجل عام ٢٠١٩.إن أهمية الموضوع هي في أن قائد الملالي الحاكمين ربط بدء ونهاية عام من الانتفاضة بهذه القوة الحقيقية والجدية الموجودة على الساحة، إن ذعر الدكتاتورية الحاكمة أيضا من نفس هذا الارتباط الوثيق بين انتفاضة الشعب و المقاومة الإيرانية الذي تحول الآن لحقيقة غير قابلة للإنكار في المشهد الإيراني تحت حكم الملالي .

على الرغم من أنه يمكن كتابة الكثير حول انتفاضة الشعب والبحث في أحداث عام كامل في إيران، لكننا نكتفي بالتطرق لذكر خلاصة لنتائج المواجهات بين هاتين القوتين المتخاصمتين .

إن انتفاضة الشعب الإيراني الشجاعة ضد حكم الملالي استمرت حتى اليوم بدون توقف وكل يوم تزداد قوتها واستحكامها وتجذرها. الآن تحولت معاقل الانتفاضة إلى قلب الانتفاضة النابض في أغلب نقاط إيران. إن معاقل الانتفاضة هذه هي من الشعب ومرتبطة مع المقاومة الإيرانية لتوجيه وتنظيم الانتفاضة. وعلى الرغم من أن الخطوة الأولى لمعاقل الانتفاضة هو توجيه الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة في قالب مطالب الشعب المعيشية ولكن سعة أهدافها كانت أكبر وأكثر عمقا وسيأتي يوم تعمل فيه هذه المعاقل بشكل مختلف ضد نظام الملالي. وكل واحد من هذه المعاقل هو جزء من جيش التحرير الشعبي الإيراني الذي هدفه هو إسقاط نظام الملالي في إيران. إن انتفاضة الشعب تستمر بشكر مباشر ومستمر متحولة من شكل لآخر ودائما ما تعمل كتهديد دائم لنظام الملالي. والملالي أنفسهم يعترفون بهذا وأن نظامهم مهدد من قبل الانتفاضة الشعبية .

وعلى الرغم من أنه مع بدء الانتفاضة ظهرت العديد من التيارات المشكوك بأمرها والتي لا تملك أساسا في المجتمع الإيراني مثل العشب بعد ظهور الربيع وادعت هذه التيارات أنها تيارات معارضة وتقود الانتفاضة وتهجمت بشكل وقح جدا على البديل الديمقراطي الوحيد أي المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وحاولت حرف الرأي العام وإطفاء الانتفاضة لكن بفضل صعوبة حقائق المشهد وفضحهم على حقيقتهم تم إخراجهم من الساحة لأن هذا البديل الجدي والحقيقي يتمتع بقوانين وخصائص فريدة لا أحد يملكها سواه .

وعلى الرغم من أن المقاومة الإيرانية في العام الماضي كانت دائما الهدف الأساسي للأعمال الإرهابية للملالي بالتوازي مع المؤامرات السياسية ولكنها تألقها كان يزداد توهجا كما أن موقعها كممثل حقيقي وبديل ديمقراطي في المعادلات الدولية فيما يتعلق بإيران كان يزداد ثباتا وحولت أنظار العالم على المستوى الدولي لدعم انتفاضة الشعب الإيراني. إن اعتقال ومحاكمة الدبلماسي الإرهابي وأعضاء الفريق الإرهابي التابع للملالي في الدول الأوروبية وأمريكا هو إثبات غير قابل للإنكار لهذا الموقع الذي تتحلى به المقاومة حيث أن حركة تحرير الشعب الإيراني بقيادة السيدة مريم رجوي الرئيسة المنتخبة هي الأمل الوحيد من أجل التغيير الأساسي في إيران الحالية.

ومع مرور عام كامل على بدء انتفاضة الشعب الإيراني وقع نظام الملالي في مأزق مستعص لا يملك فيه مفرا للخروج منه في مواجهة أزمة السقوط. لأنه في أعقاب استمرار وتوسع الانتفاضة وذعر الملالي منها أضعف حكم الملالي وأصبح أكثر هشاشة من أي وقت مضى بحيث أن علي خامنئي ومسؤولين آخرين في هذا النظام اعترفوا مرات عديدة بالخلافات والإضطرابات في داخل النظام وانهيار قواته أيضا.

فمن جهة الملالي الحاكمون غارقون في الاختلاس والفساد وغسيل الأموال وسرقة أموال الشعب وعاجزون عن الاستجابة لمطالب الشعب ومن جهة أخرى في أعقاب العقوبات الدولية القاسية وفشل السياسة الخارجية اتجه نظام الملالي نحو القمع الشديد في داخل الحدود ونشر الإرهاب المتسع في خارج الحدود. ولكن بفضل انتهاء عصر التماشي مع النظام والموقع الجديد للمقاومة الإيرانية في المشهد الدولي واستمرار تقدم الانتفاضة فإن الملالي لايرون سوى تسارع التطورات والأحداث نحو إسقاط نظامهم.

الآن الشعب والمقاومة الإيرانية مع التجارب التي خاضوها يريدون من عام كامل مستمر من الانتفاضة ضد دكتاتورية الملالي أن يبدؤوا العام الثاني من الانتفاضة بعزم وإرادة جديدين تنهي حكم الملالي المشؤوم بأسرع وقت. فهم يعتقدون بأن سقوط الملالي في متناول اليد بشكل كامل وقريب جدا وهذا الأمر سيتحقق فقط على أيديهم.

الحقيقة هي أنه بالنظر إلى المشهد اليومي في إيران والشوارع المحتجة يمكن بوضوح رؤية هذا العزم المعقود للوصول للهدف النهائي. الشعب وقف ثابتا ومصمما والمقاومة المتجذرة والمنظمة موجودة إلى جانب الشعب بكل شجاعة فائقة ولن تستكين هذه المقاومة حتى الوصول للحرية.

السيدة مريم رجوي في آخر حديث لها في تجمع الجاليات الإيرانية في ١٥ ديسمبر قالت: ” كما قال مسعود رجوي : إن ما نكافح نحن وشعبنا بكل قوانا من أجله هو استمرار لنفس الدرب والنضال التاريخي والطبقات ما بين الظالم والمظلوم وبين القمعي والمقموع. بين هذا الشعب الذي يطالب بسيادته وحقوق وحرياته البسيطة ونظام ولاية الفقيه تحت اسم الإسلام والدين والقرآن يوصل قمعه ومحاكمه الاقطاعية لأبعاد فلكية.

إن انتفاضة الشعب الإيراني تتسارع نحو أيام مصيرية يتوجب فيها على العالم مناصرة الشعب الإيراني. لأن مصلحة العالم تتمحور في دعم ومناصرة الشعب الإيراني والحكومات يجب عليها إغلاق سفارات هذا النظام الإيراني ووضع قوات الحرس ووزارة المخابرات وماكينته الإعلامية على قوائم الإرهاب الأمريكية والأوروبية. إن إغلاق الشريانات المالية للنظام وفتح قضايا انتهاك حقوق الإنسان وإرهاب النظام تحويل هذه القضايا والملفات لمجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة يعتبر بمثابة أعمال مصيرية من تاريخ الشعب الإيراني والعالم في هذه البرهة الزمنية.

الانسحاب الأمريكي والقلق الإيراني

  • حسن فحص(القدس العربي)

للوهلة الأولى، من المفترض أن تكون طهران من أكثر الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية ارتياحا وترحيبا بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قواته العاملة على الأراضي السورية إلى جانب الفصائل الكردية، فالقرار يمنح طهران نقاطا ميدانية عسكرية وسياسية واستراتيجية، عملت جاهدة من أجل فرضها كأمر واق انطلاقا من مبدأ تثمير الجهد الذي وظفته في الأزمة السورية وقتال الجماعات المتشددة، وتلك المطالبة بتغيير النظام في دمشق. ومن المفترض أن يوفر لطهران عدة نقاط منها:
ربط الخط البري بين سوريا والعراق وبالتالي امتداداته وصولا إلى طهران شرقا وإلى لبنان جنوبا، وهو الخط الذي تعتبره استراتيجيا في مساعي تثبيت نفوذها ومشروعها في منطقة الشرق الأوسط.
يقطع الطريق على إمكانية اللجوء إلى معركة عسكرية مكلفة لاستعادة هذه المنطقة من القوات الكردية المدعومة من الإدارة الامريكية.
يلغي إمكانية حدوث أي تصادم عسكري مع القوات والقواعد الأمريكية المنتشرة على الشريط الحدودي مع العراق وتركيا، وقد اختبرت هذا النوع من الصدام، وتكبدت مع القوات الحليفة لها خسائر قاسية خلال السنوات الأربع الماضية.
يسحب الذرائع التركية لشن عملية عسكرية ضد الفصائل الكردية ومعركتها، لمنع إقامة كيان كردي على حدودها، وما يحمله من تداعيات مستقبلية على وحدة الأراضي التركية أمام المطالب الكردية.
يدفع بالأكراد الذين باتوا بعد القرار في العراء، ومن دون أي دعم، يدفعهم نحو التفاهم مع حكومة دمشق، والعودة إلى حضن النظام، وتفويت الفرصة امام القيادة التركية لفرض أمر واقع جديد في المعادلة السورية من خلال سياسة ملء الفراغ الأمريكي.
عدم دخول إيران في مواجهة مع تركيا، التي تحتاج لها في المرحلة الحالية لمواجهة التداعيات الإقليمية المتسارعة، في حال قامت تركيا بهجوم عسكري على مناطق شرق الفرات.
الحفاظ على ما تبقى لها من نفوذ داخل حزب العمال الكردستاني (ب كه كا) وبالتالي توظيف هذه العلاقة وهذا النفوذ من أجل ترتيب الأوضاع بين النظام السوري والأكراد.
إمكانية توظيف الوضع المستجد لدى الأكراد بغياب المظلة الأمريكية والدفع بهم لاستكمال عملياتهم العسكرية ضد بقايا تنظيم “داعش” بالتنسيق مع دمشق وحلفائها.
أمام كل هذه المعطيات التي يقدمها قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، وما يمكن أن تحمله من أبعاد إيجابية لطهران، إلا أن الأوساط الإيرانية المعنية بهذه المستجدات تبدي كثيرا من القلق، خصوصا أنه يأتي بعد اعتقاد بأن الإدارة الأمريكية صرفت النظر عن هذه الخطوة، لتعود وتحدث مفاجأة بقرار الانسحاب خلال مئة يوم. ما دفع طهران لطرح عدة اسئلة حول هذه الخطوة:
*ما هي الدوافع وراء الانسحاب، في ظل تقديرات تحدثت عن إمكانية بقاء هذه القوات لمدة طويلة؟
*هل هو انسحاب لإعادة التموضع من أجل التحضير لمعركة جديدة تستهدف هذه المرة إيران مباشرة؟
*هل المطلوب إحداث تحول يعيد خلط المعادلات الأمنية وتوازنات القوة وبالتالي إرباك استراتيجيات اللاعبين المؤثرين في المنطقة؟ والمعادلات التي أفرزتها الأوضاع المتأزمة في المنطقة خصوصا في سوريا؟
خطوة ترامب المفاجئة، كما تصر طهران على وصفها، جاءت بعد يوم من الاعلان عن توصلها مع تركيا وروسيا ومشاركة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، لتشكيل اللجنة الخاصة لإعادة صياغة الدستور السوري الجديد. وحديث عن وجود نحو 15 ألفا من مقاتلي تنظيم “داعش” منتشرين في محيط دير الزور ومنطقة عمليات القوات الأمريكية، والتحضير لشن هجوم بالتعاون مع الفصائل الكردية الموالية لها ضد معاقل هذا التنظيم، وأنها تقوم بتدريب اكثر من 40 ألف مقاتل من القوى المحلية، وإمدادهم بمعدات وتجهيزات وأسلحة ثقيلة ونوعية. ما يعزز عدم قناعة إيران بما صرح به ترامب من أن قواته الحقت الهزيمة بـ”داعش” السبب الذي كان الدافع وراء دخول هذه القوات إلى سوريا، وبالتالي يدفعها للبحث عن دوافع غير معلنة من وراء الخطوة الأمريكية. وما يعزز شكوك إيران بالدوافع الأمريكية، أن هذه الإدارة سبق لها أن ربطت وجود قواتها في سوريا بالوجود الإيراني، وأن انسحابها يرتبط بالانسحاب والخروج الإيراني من هذا البلد، وهو ما ردت عليه إيران دائما بان وجودها في سوريا جاء بناء على طلب الحكومة الشرعية في هذا البلد، في حين أن الوجود الأمريكي هو وجود احتلالي لم يأت برغبة من حكومة دمشق. فضلا عن أنه كان يشكل عائقا امام الجهود الروسية والايرانية لنقل الازمة السورية من المستوى العسكري إلى مستوى الحل السياسي.
أهمية هذا الانسحاب وما يمكن أن يحمله من انعكاسات إيجابية على التطورات السياسية للأزمة السورية، إلا انه يحمل في طياته مصادر تهديد لإيران، التي وضعت عدة سيناريوهات لهذا القرار أهمها:
الأول: أن الانسحاب يأتي منسجما مع رغبة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتن ووزير الخارجية مايك بومبيو، اللذين يعتقدان بضرورة تركيز الجهود الأمنية والعسكرية ضد إيران، وعليه فإن واشنطن عمدت إلى سحب قواتها من سوريا باتجاه دول الخليح لتكون على مقربة في حال حصل أي عمل عسكري ضد إيران، وما يعزز هذا السيناريو الحشود العسكرية الأمريكية (البحرية) في مياه الخليج، إضافة للاعتقاد الأمريكي بإمكانية انسحاب إيران من الاتفاق النووي، وهذا يعني استئناف النشاط النووي، ما يعطي للطرف الأمريكي إمكانية القيام بعملية استباقية ضد المنشآت النووية الايرانية. وبالتالي يضع المنطقة أمام حرب مفتوحة تصب في إطار الهدف الأمريكي لتغيير النظام الإيراني.

هل الانسحاب الأمريكي لإعادة التموضع من أجل التحضير لمعركة جديدة تستهدف إيران مباشرة؟

الثاني: أن يكون الانسحاب قد جاء بناء على تفاهم مع روسيا وتركيا وهدفه اخراج إيران من سوريا، ما يعني أن الجانب الروسي سيعمد إلى ممارسة ضغوط كبيرة على إيران، لإجبارها على الانسحاب في حين أن هذا الوجود لا يختلف عن الوجود الروسي، لجهة انه جاء بناء على طلب من دمشق.
الثالث: أن يكون الانسحاب بمثابة “دية” لمقتل جمال خاشقجي، خصوصا أن القرار يعني سحب الدعم عن الأكراد السوريين وتركهم في العراء، وبالتالي هو تقديم هدية لتركيا لتخفيف الضغط عن السعودية وجاريد كوشنر صهر ترامب.
الرابع: أن يكون الهدف هو إفساح المجال أمام إسرائيل لتوجيه ضربات للقوات الايرانية في سوريا وحزب الله في لبنان، وبالتالي إبعاد قواتها عن أن تكون هدفا إيرانيا أو لبنانيا للرد على أي اعتداء إسرائيلي.
الخامس: أن يكون الهدف هو سحب جزء من القوات الأمريكية من سوريا، وبالتالي فتح المجال أمام تركيا للقيام بعملية عسكرية في شمال سوريا ضد الأكراد، ومن ثم الدخول في صفقة مع بشار الاسد. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، ويكون الانسحاب إشارة إيجابية عن استعداد واشنطن للتفاوض مع دمشق والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، بعد أن استطاعت التأثير السلبي على كل المساعي لإطلاق مسار الحل السياسي من قبل الأطراف الآخرين.
السادس: أن يكون الإعلان الأمريكي عن الانسحاب هو رفع وتيرة الأعمال العسكرية التركية في شمال سوريا، ما قد يؤدي إلى خلق فجوة في العلاقة بين تركيا وإيران وروسيا، ما يساهم في عودة التوتر بين هذه العواصم التي قد تؤدي إلى إفشال مسار آستانة للحل السياسي وتشكيل لجنة صياغة الدستور.
طهران التي تضع أمامها كل هذه السيناريوهات في قراءة القرار الأمريكي تعتقد بأن إصرار بعض الأطراف الإقليمية على دفع المنطقة لمزيد من التوتر والمواجهات، لن تكون نتيجته سوى غرق الجميع في مستنقع لن يكتفي بابتلاع طرف واحد، بل سيبتلع الآخرين أيضا، وبالتالي لن تكون النتائج لصالح أي من الاطراف. وعليه فهل ستكون المنطقة والعالم في السنة المقبلة أمام مخاطر كثيرة قد تؤدي إلى ضرب وتفكيك النظام الحاكم للعلاقات الدولية، كما توقع ايغور ايفانوف رئيس مجلس العلاقات الدولية الروسي، ووزير الخارجية الأسبق، في ظل عدم وجود نظام بديل، وان الولايات المتحدة الامريكية ستكون هي مصدر الازمات الاكبر دوليا، كما كانت عام 2018 عندما لم تحترم الأصول التي تحكم النظام العالمي، ولم تراع حتى بالحد الادنى الحقوق الدولية والبنى المتعددة في النظام الدولي.

نقلاً عن: القدس العربي

يوم فقد حزب الله أنفاقه!

يكاد المراقب ألاّ يرى في أنفاق حزب الله إلا فخاً أجادت إسرائيل نصبه عن سابق تصور وتصميم. تكشف الصحافة الإسرائيلية حكايات عن المسار المخابراتي المُستغرق منذ سنوات، والذي كان يراقب عن كثب تدحرج تلك الأنفاق داخل أعماق الشمال الإسرائيلي.

كان يمكن للطرف الإسرائيلي أن يحيّد هذه الأنفاق، أن يفجرها سراً أو علانية، ويجعلها مشلولة وعاطلة عن أي استخدام عسكري. غير أن إسرائيل، ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو بالذات، اختارا تحويل الأنفاق إلى أزمة بالنسبة للحزب في خياراته العسكرية، وفي علاقته مع بيئته من جهة، وفي علاقته مع لبنان حكومة وشعبا من جهة أخرى، وإلى أزمة بالنسبة للبنان بلدا ومؤسسات وشرعيات دستورية.

لا اتفاقات دولية بين إسرائيل وقطاع غزة. القطاع ليس دولة ذات سيادة معترف بها دوليا، وليس جزءا من المجموعة الدولية في منظمة الأمم المتحدة. وعلى هذا فإن حرب الأنفاق هناك هي جزء من منطق الصدام الذي لا تجوز عليه رؤى الحرب وقواعدها العسكرية. وعلى هذا تمعن “حماس” وأخواتها في حفر تلك الأنفاق، وتستمر إسرائيل في اقتفائها وتفجيرها وهدمها وجعلها أهدافا دائمة لجيشها، سواء في حالة الحرب، أو في الحالة الراهنة التي ينظمها اتفاق لوقف إطلاق النار هناك.

لكن أمر الحدود الجنوبية لإسرائيل مع قطاع غزة لا تشبه أمر حدودها الشمالية مع لبنان.

تطلّ إسرائيل على قضية الأنفاق بصفتها دولة قانون تتعرض لعدوان من ميليشيات تخضع لأحكام الإرهاب هنا وهناك. حزب الله “تنظيم إرهابي”، وفق قوانين إسرائيل، كما قوانين الولايات المتحدة، وحتى لو كانت دول العالم تسعى لتصنّع التمييز بين ما يسمى جناحيْ الحزب، السياسي والعسكري، فإن إسرائيل تقدم نفسها ضحية تدافع عن نفسها وتشتكي ممن يسعى للتسلل إلى داخل حدودها. بمعنى آخر، تعتبر إسرائيل، وتريد للعالم أن يشهد بذلك، أنها تتعرض لهجوم إرهابي مدمر، بتوقيت مستقبلي وافد من أراضي دولة ذات سيادة وعضو مستقل معترف بكينونته داخل المنظمة الدولية.

خلال دقائق فقط، وفي لحظة إعلان نتنياهو عن الكشف الكبير على حدود بلاده الشمالية في 4 ديسمبر الجاري، فقد حزب الله شبكة الأنفاق التي عمل على إعدادها بصمت خلال أعوام ما بعد حرب عام 2006. فقد الحزب أنفاقه قبل أن يستخدمها وقبل أن يُنهي بناءها. لم يفقدها بالقتال والحرب، بل بالسذاجة والبساطة التي تفهم بها الميليشيات المنظومة الدولية وخبث عدوها. والواضح أن إسرائيل التي خبرت طوال العقود الماضية تجارب العدوان والاحتلال، وأظهرت ارتباكا في التعامل مع الهجمات حين كانت تشنّ في جنوب لبنان أيام الاحتلال الإسرائيلي، أو تلك التي ما زالت تشنّ في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى الآن، وجدت في أنفاق حزب الله فريسة سهلة، استدرجتها بسهولة نحو عقر دارها وأوقعتها هناك أسيرة شلّت قدراتها.

يشبه ذهاب الأنفاق نحو إسرائيل مترا بعد متر ما كان يفاخر به أمين عام الحزب، السيد حسن نصرالله، في أكتوبر من عام 2000، حين أعلن عن أسر جاسوس إسرائيلي برتبة عقيد في جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (موساد)، جاء على رجليه إلى لبنان، ودخل بنفسه عن طريق مطار بيروت. تمت مبادلة الأسير في ما بعد برزمة من المطالب، فما الذي يستطيعه حزب الله لاستعادة أسيره؟

تمثل قضية أنفاق حزب الله عنوانا تحمله إسرائيل نحو مجلس الأمن يبرّئ تل أبيب من ذنوب محتملة قادمة ضد لبنان، ويحوّل لبنان بأكمله في عرف المنظمة الدولية، إلى بلد يشكّل، في حزبه الشهير وحكومته المبتورة ونظامه السياسي المتصدع، خطرا على أمن إسرائيل الاستراتيجي. فإذا ما كانت الصواريخ التي يملكها حزب الله في لبنان مزاعم يتقاطع حزب الله وإسرائيل على تأكيدها، فإن الأنفاق ليست احتمالا، بل حقيقة تؤكدها الـ”يونيفيل” وتنقلها الكاميرات، على نحو يحضّر الرأي العام الإسرائيلي الداخلي لتقبل الحرب المقبلة بسبب ضرورتها، وتحضّر الرأي العام الدولي لاحتمالاتها بصفتها حقا تضمنه شرائع الأمن والسيادة في هذا العالم.

قابل حزب الله حملة “درع الشمال” الإسرائيلية بالصمت. بدا الصمت تعبيرا عن ارتباك وليس تعبيرا عن “مداراة الحوائج بالكتمان”. ظهر أن استخدام الحزب لحملاته الدعائية، التي تنشر صور “الأهالي” آمنين على الحدود الجنوبية، ساخرين من جنود إسرائيل في الضفة الأخرى من الحدود، بات متقادما تفوح منها صبيانية لا ترقى إلى مستوى الحدث. والظاهر أن الحزب الذي سوّق كثيرا لدى “الأهالي” منطق المقاومة ضد إسرائيل، ثم بجلافة حرب “الدفاع عن المراقد” في سوريا، يواجه صعوبة في التسويق لديهم لأنفاق هجومية لا تندرج ضمن أدبيات الدفاع، بل داخل أجندات كبرى غريبة عن يومياتهم.

غير أن مسألة الأنفاق، وبغضّ النظر عن السيناريوهات الماكيافيلية التي تستخدمها إسرائيل والتوقيت الذي اختارته لذلك، أماطت اللثام عن تعفّن المنظومة الشرعية اللبنانية مقارنة عمّا كانت عليه أثناء حرب عام 2006، في عهد حكومة فؤاد السنيورة. بدت بيروت حينها قادرة على المبادرة وتحريك علاقاتها لدى الدائرتين العربية والدولية، وقادرة على فرض خيارات، على حزب الله، كما على المجتمع الدولي لإنقاذ لبنان ووقف الحرب ضده. بدا أن بيروت هذه الأيام مستسلمة للعواصف الإسرائيلية، مكتفية بما منّ عليها الطرف الأميركي من تطمينات انتشى بها رئيس الجمهورية ميشال عون، حول أن لا خطط عدوانية ضد لبنان لعملية “ردع الشمال” الإسرائيلية.

استسلم حزب الله عام 2006 للتفاهمات التي سعت إليها حكومة السنيورة للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. اضطر الحزب إلى القبول بقرار الحكومة اللبنانية بإرسال الجيش اللبناني النظامي إلى جنوب لبنان، كما اضطر للقبول بقرار مجلس الأمن رقم 1701، كما إرسال قوات الـ”يونيفيل” لترابط داخل الأراضي اللبنانية، وليس الإسرائيلية، لضمان أمن الحدود.

بيْد أن المنظومة السياسية اللبنانية تبدو عاجزة هذه الأيام، لا خطط لها، مستسلمة للمزاج الذي يمكن أن يخرج عن العالم إثر حملة إسرائيل الدبلوماسية المتواكبة مع ضجيجها العسكري على الحدود مع لبنان. فإذا ما صمت حزب الله، فإن في ذلك ما يوحي بأن هامش المناورة أمام الدبلوماسية اللبنانية بات أوسع وصار متاحا لها الإمساك بزمام الأمور للتعامل مع المأزق وتوفير مقارباته. بيد أن غياب ذلك كشف عن عقم بات بنيويا، بحيث أن أطراف الحكم ينتشون بما أمكن أن ينعم به عليهم الحزب من وزير هنا ووزير هناك داخل حكومة عتيدة يبني الحزب ويفك عقد ولادتها وسبل ظهورها.

تسقط أنفاق حزب الله. ويسقط الحزب أيضا بصفته ضرورة للدفاع عن لبنان. لم يعد “سلاح المقاومة” عاملا رادعا للعدوان، بل بات سببا مستدرجا لذلك العدوان. لم يعد باستطاعة نصر الله إقناع مريديه وخصومه بأن قواته “ستدخل إلى الجليل وما بعد الجليل في أي معركة مقبلة”. وفي ذلك السقوط ينكشف لبنان على نحو مخجل، بحيث لا يصدر عن بيروت إلا تعهد لا تملك مفاتيحه باحترام القرار رقم 1701.

ولِد القرار في عهد حكومة السنيورة التي أطلق عليها الرئيس نبيه بري اسم “حكومة المقاومة”، قبل أن تحاصره تلك “المقاومة” داخل مكتبه في السراي الحكومي بعد أشهر. والواضح أن حزب الله الذي يهوى، وفق عقائد الميليشيا، الحراك في الأنفاق، قد يخرج من أنفاقه، مقابل استغراق لبنان في أنفاق ليس متاحا له الخروج منها.

زيارة البشير للأسد.. اسفنجة امتصاص

محمد حاج بكري(القدس العربي) 

مساء الأحد 16 كانون الأول 2018 حطت طائرة روسية تقل الرئيس السوداني عمر البشير في مطار دمشق، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس عربي منذ اندلاع الثورة السورية قبل 8 سنوات.

زيارة قصيرة في مدتها لكنها كبيرة في مغزاها وتوقيتها، فبشار الأسد محاصر دوليًا وإقليميًا وتقتصر علاقته على روسيا وإيران، وبعض العلاقات العابرة التي لا تليق بمقام أي رئاسة.

لا يختلف البشير كثيرًا عن الأسد، فالاثنان نجحا في تدمير بلديهما وتقسيمها وقتلا شعبيهما وهجراه وحافظا على كرسي الحكم مغمسًا بالدم.

في تصريح قديم لصحيفة عكاظ أكد الرئيس السوداني أن نهاية بشار الأسد هي القتل وليس الرحيل، وقال حرفيًا “بشار لن يرحل سيقاتل الى أن يقتل”، معتبرًا أن الوضع في سوريا مختلف لأن من يحكمها هم طائفة أقلية.

هذه الزيارة الرسالة أتت من الرئيس السوداني ولم تأت من الجزائر والعراق التي كانت واضحة بمواقفها ومؤازرتها لنظام الأسد.

الأخطر أنها رسالة من مزاج حكم إسلامي كان معاديًا لنظام القتل وكان قد صرح وهدد بإرسال جيوش جرارة إلى دمشق.

من البديهي أن البشير لم يقم بهذه الزيارة من تلقاء نفسه بل لا بد من أن يكون هناك أطراف وراءها، فقد كسر حواجز لها تبعات مستقبلية على الشعب السوري وثورته.

القمة الخليجية الأخيرة، وفي الفقرة 53 من بيانها أكد المجلس على مواقفه وقراراته الثابتة بشأن الأزمة السورية والحل السياسي القائم على مبادئ “جنيف 1″، وقرار مجلس الأمن “رقم 2254″، الذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالي تتولى إدارة شؤون البلاد ومن قلقه على تصاعد هجمات النظام السوري وحلفائه على المدنيين وإدانته للوجود الإيراني وطالب بخروج القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها، ما يضعف احتمال أن يكون هناك دور خليجي في هذه الزيارة.

من المفترض أن يكون العامل الأساسي وراء هذه الزيارة علاقة البشير الاستراتيجية، والمميزة بالرئيس الروسي بوتين ولعلها خطوة سودانية بمباركة روسية، على أن يلعب البشير دور الوسيط بين الأسد والخليج، بالإضافة إلى أن تاريخ البشير يؤهله ليكون اسفنجة امتصاص لغضب الشارع العربي ليفتح طريق معبد لقادة آخرين يحذون طريقه.

قد تكون روسيا وجدت في البشير ضالتها وهو يعاني من عزلة دولية وملاحق من المحكمة الجنائية الدولية، بسبب جرائم حرب وذلك لكسر الحصار المفروض على الأسد، وأن يكون البشير بداية الغيث للأسد لزيارات أخرى محتملة وخاصة أن الطيارة التي أقلته روسية.

وهنا يكمن الهدف الروس:

  • حجز مكان دائم على الأراضي السورية بمباركة عربية وشرعنة قتلها واحتلالها وتدميرها من خلال شعارات الحرب على التنظيمات الإرهابية.
  • الوجود العربي له دور أساسي في تحجيم التدخل التركي والإيراني على الأراضي السورية ويفتح مجال لمساهمته في إعادة الإعمار.

هناك عامل آخر وهو اقتصادي وله أهمية كبيرة نظرًا لتدهور قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار وتزايد قمع نظام البشير للحركات المعارضة في السودان واحتمال العودة إلى الحضن الإيراني من بوابة الأسد.

وربما يعتقد البشير أنه أخطأ بموقفه في اليمن وأن نهاية حربها باتت وشيكة وأن قصور الخليج من خلال سياسة الابتزاز ستقفل في وجهه، ومن هنا يكون هدفه البحث عن رهان جديد يعتقده رابحًا، فالمجرم يطرق باب المجرم.

التنسيق المصري السوداني كان له دور هام أيضًا والذي بدأ فعليًا بمحاولة فتح سياسة بعيدة عن المؤثرات والقوى التي تقف مع الثورة السورية، فقد دعا البرلمان العربي قبل أسبوع فقط لعودة نظام الأسد للجامعة العربية ورفع قرار تجميد عضويتها ومعروف تماما الدور المصري الكبير في هذه الكيانات.

هذه الزيارة كانت مهمة كثيرًا للأسد فالبشير كسر حاجز الخجل من جرائم الأسد ومن كل التصريحات والتقارير الدولية التي تدين هذا النظام، ما يفتح المجال لغيره لإعادة شرعية نظام فقد شرعيته.

لن نقلل من أهمية الزيارة او نكبر من شأنها فاللاعبون الأساسيون واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران والإتحاد الأوروبي وإسرائيل ولا دور عربي ظاهر فلا الخرطوم ولا غيرها له دور مؤثر.

يقتصر الأمر على تمرير رسالة روسية إلى أمريكا والاتحاد الأوروبي لأن العرب مقدمون على تطبيع مع نظام الأسد وذلك لتخفيف حدة تصعيدهم، وربما يقابل هذه الزيارة تشدد أميركي وأوروبي أكثر مع عدد كبير من الدول العربية

اليوم المطلوب منا إعادة تفكيك الخطاب السياسي كاملا للدول العربية والإقليمية والدولية ولا يقصد هنا عدم التفاؤل والسير إلى الأمام في تحقيق أهدافنا إنما لنتذكر دائمًا أن هناك أشياء علينا ألا ننساها، ولا نريد زيادة الجروح التي ملأت أجسامنا إنما لنستوعب درسًا للمستقبل من أجل أن تكون ذاكرتنا جاهزة لكل الصدمات.

ليس للأسد أي قرار أو اعتبار. هو عبارة عن حجر شطرنج يحرك كيفما أراد اللاعب. الشعب السوري الثائر سيد في محنة، ولا يمكن أن يذله عبد في نعمة.

نقلاً عن:  عنب بلدي

بين سوريا طوباوية وسوريا الأمر الواقع

بكر صدقي(القدس العربي) 

إذا ألقينا نظرة عن قرب إلى خطوط الانقسامات العمودية في المشهد السوري اليوم، لرأينا أن إمكانيات التعايش بين مكونات المجتمع الأهلية، في مستقبل يطوي الصراع الدموي المديد، ضعيفة جداً. وذلك على رغم أن التعبيرات السياسية القائمة تتنكر لهذا الأمر باعتباره غير مقبول أو غير لائق بمقاييس الوطنية المقدسة. في حين أن الضمانة الوحيدة المتبقية لوحدة الدولة السورية هي، للمفارقة، القوى الدولية الفاعلة في الصراع السوري. وذلك بخلاف رهاب منتشر بيننا حول أن «الخارج» يريد تقسيم وطننا.
شارك كاتب هذه السطور شخصياً، في سنوات سابقة، بتحليلات تحذِّر من احتمال وجود نوايا دولية لتقسيم سوريا، بالاستناد إلى تنافرات داخلية قائمة. سبق ثبوت بطلان وجود تلك النوايا في المثال العراقي الذي كان، وما زال، أكثر نضوجاً لمشاريع مماثلة. لقد رأينا كيف أن الأغلبية العراقية ودول الجوار والمجتمع الدولي جميعاً قد وقفوا موحدين ضد الاستفتاء على استقلال الإقليم الكردستاني. وفي سوريا، نرى أن الحلول الدولية المقترحة، سواء في مسار جنيف أو في مسار سوتشي، تتعاطى مع موضوعها على أرضية سوريا موحدة، وإن كانت تلك المقترحات فاشلة لأسباب أخرى، ولا يبدو أنها قابلة للنجاح في الشروط القائمة. وربما يشير فشلها بالذات إلى غياب الإرادة الداخلية الجامعة للحفاظ على وحدة البلاد. لا يعني هذا الكلام إضفاء الفضيلة على القوى الخارجية، أو نزعها من القوى الداخلية، بقدر ما يعني وجوب التساؤل عما إذا كانت الوحدة خيراً مطلقاً أو الانقسام شراً مطلقاً.
ربما الكرد وحدهم، من بين المكونات الأهلية السورية، يعبرون عن طموحهم لوضع دستوري جديد يراعي خصوصيتهم القومية ـ الثقافية، من غير أن يصل إلى فكرة الانفصال في دولة مستقلة، ليس تعففاً عنها بقدر ما لأنهم لا يرون شروط تحققها الواقعية متوفرة. كذلك يتفاوت تعاطي الأكثرية العربية مع ذلك الطموح بين رفض قاطع وعدائي، وقبول مشروط وعلى مضض. وعلى امتداد هذا التفاوت، من أقصاه إلى أقصاه، ثمة تقبل أمر واقع لفكرة اختلاف المكون الكردي، مقابل رفض قطعي لأي انقسامات أخرى على أسس دينية أو مذهبية أو جهوية. مع العلم أن الدويلات الخمس التي قامت، في سوريا تحت الانتداب الفرنسي، بين عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، لاحظت هذه الانقسامات بالذات، وتجاهلت اختلاف المكون الكردي.

سيحتاج حل الصراع إلى قيام حكم انتقالي ما تتوافق عليه الدول الفاعلة، ويرغم السوريين على القبول به، يدعو إلى انعقاد مؤتمر وطني تأسيسي، تتمثل فيه المكونات الأهلية والتيارات السياسية

الشكوى الشائعة بصدد خروج مصير سوريا من يد السوريين، من المحتمل أن تنقلب إلى طلب متزايد على «حَكَم خارجي» يوفّق بين السوريين المتنافرين، وهو المجتمع الدولي المرذول في الخطاب السياسي السوري. صحيح أن التدخلات الخارجية زادت الأمور تعقيداً، وأمدّت بعمر الصراع الدموي، ولكن دعونا نتخيل الوضع بمعزل عن تلك التدخلات. كان من شأن عزل الداخل السوري عن أي تدخلات خارجية، في الأشهر الستة الأولى للثورة السلمية، أن تؤدي إلى سحقها من قبل النظام على مثال صراع مطلع الثمانينات. بالمقابل كان من شأن عدم تدخل إيران وروسيا، بين 2012 ـ 2015، أن يسقط النظام وتنتصر قوى إسلامية مسلحة، فيصبح الوضع السوري شبيهاً بنظيره الليبي، مفتوحاً أمام صراع مديد. أو كالمثال المصري الذي انتهى بعودة النظام القديم بصورة أسوأ مما كان عليه قبل 2011.
الغاية من طرح هذه الاحتمالات الافتراضية هي أن نعيد النظر بمسلمات مألوفة تنظر إلى الأمور بمنظار الأبيض والأسود، أو تتثبت على مقولات تجاوزها التاريخ. فلا معنى اليوم لاستمرار التغني بالأيام الأولى للثورة (شعبية، سلمية، وطنية جامعة، مدنية..) أو بالجيش الحر في عصره الذهبي أيام عبد القادر الصالح وأمثاله، أو للتمسك المرضي بنموذج الدولة المركزية، على سبيل المثال.
بالمقابل، لا تعني حاجة السوريين إلى تحكيم خارجي (دولي) لضمان وحدة بلدهم، تبريراً لتبعية الأطراف السورية لقوى دولية وإقليمية، سواء في ذلك النظام أو معارضيه. فتلك تبعيات تعمق الانقسامات بدلاً من الوحدة. وهي سائدة ما دامت القوى الخارجية نفسها متنافرة في الشأن السوري وغيره. القرار الوطني المستقل سوف يبقى مطلب حق وضرورة، بصرف النظر عن الحاجة إلى تحكيم دولي من عدمها. بل إن من شأن وجود القرار الوطني المستقل أن ييسر توافق القوى الدولية ذات الأجندات المتضاربة حول سوريا.
عاجلاً أم آجلاً، سيتضح أن التسويات المطروحة على أساس الغَلَبة غير قابلة للتنفيذ وبخاصة الديمومة، وسيحتاج حل الصراع إلى قيام حكم انتقالي ما تتوافق عليه الدول الفاعلة، ويرغم السوريين على القبول به، يدعو إلى انعقاد مؤتمر وطني تأسيسي، تتمثل فيه المكونات الأهلية والتيارات السياسية ـ الإيديولوجية جميعاً، يقوم بوضع دستور قائم على عقد اجتماعي جديد يشكل الحد الأدنى الممكن من التوافقات بين السوريين، ويقدم تصوراً لعدالة انتقالية لا بد منها لطي صفحة الصراع الدموي. كما يطمح إلى إقامة دولة عصرية «طبيعية» قابلة للحياة والتطور، بضمانة المجتمع الدولي إياه الذي كثيراً ما نهاجمه بحق. هذا إذا لم نذكر موضوع إعادة الإعمار الذي يبدو مستحيل التنفيذ بدون تضافر جهود عدد كبير من الدول.
بحل من هذا النوع يكون السوريون قد أرغموا على القبول بالعيش معاً في دولة أمر واقع مفروضة عليهم «من الخارج» بدلاً من التغني بسوريا طوباوية لم تعد تؤمن بها إلا قلة قليلة، وإن كانت الكثرة الكاثرة تزعم أنها تريدها.

نقلاً عن: القدس العربي