” قانون سيزر ” لماذا يعود الآن؟

ريما محسن

“سيف في المقتل” هكذا وصف البعض من حلفاء النظام السوري “قانون سيزر” الذي تم تمديده مؤخرا عشرة سنوات ضد النظام السوري.

يُعرف عن “قانون سيزر” أنه “قانون حماية المدنيين” والذي ينص على فرض العديد من العقوبات على النظام السوري والدول الحليفة له (روسيا، وإيران)
فكيف بدأ هذا القانون؟

قام أحد الضباط المنشقين عن النظام السوري عام 2014، والذي أطلق على نفسه اسم “قيصر” بتسريب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل ممن اعتقلوا وتعرضوا للتعذيب ثم قتلوا في سجون النظام, في حين قام قيصر بعرض تلك الصور على مجلس الشيوخ الأمريكي الذي بدوره نشرها على نطاق واسع، ولولا أن نشر “قيصر” تلك الصور لبقي موضوع الأسرى والمعتقلين مجرد أسطورة في رأي العالم العربي والغربي، سيما أنه من خلال تلك الصور تعرفت الكثير من العائلات على أبنائها وذويها ممن اعتقلوا وقتلوا نتيجة تعرضهم للتعذيب، مما أثار حفيظة الإعلام العالمي.

نتج عن ذلك، مشروع قانون “سيزر” والذي صادق عليه مجلس النواب الأميركي في 15 تشرين الثاني عام 2016 بأغلبية ساحقة، يفرض من خلاله عقوبات على النظام السوري المتهم بارتكاب جرائم حرب بحق أبناء الشعب السوري، وكذلك على حلفائه وكل من يدعمه ماليا أو عينيا، ويمهل الرئيس الأميركي من خلال مشروع القانون مدة 90 يوما لاقتراح آلية منطقة حظر جوي في سوريا، وفي حال تجاوز المدة يتعين على الرئيس الأميركي إدراج من يقدمون للدولة السورية دعما ماليا أو عينيا أو يسمح له بامتلاك أسلحة كيماوية أو بيولوجية إدراجهم ضمن تلك العقوبات لمدة عامين.

ومع حلول عام ٢٠١٩ وتحديدا في ٢٢ كانون الثاني، مرة أخرى أقر مجلس النواب الأمريكي بالإجماع “قانون سيزر” من أجل تمديده عشر سنوات أخرى، وانتظار تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي.
وبدأ السؤال لماذا الآن؟
سؤال يجول في البال; فالسياسة الأمريكية المتبعة في الشرق الأوسط منذ الأزل والتي كانت تمضي في غموض مستمر متخذة دور الأم الحنون الرؤوف في كل مناطق العرب، حيلة الذئب التي تخططها لم تعد تنطلي على تلك الشعوب، فأمريكا التي تذبذبت مواقفها مع جميع دول العالم حسب مصالحها هل حقا لم تر ما حل بأبناء الشعب السوري قبل أن يسرب “قيصر” تلك الصور، وهل حقا صدقت أن لا قصف ولا دمار ولا ضحايا نتجت عن تلك الحرب الطاحنة؟
أم أن ذاك القانون بات ورقة ضغط وتهديد لا أكثر لضمان بقاء وجودها وفرض هيمنتها وسيطرتها، لاسيما بعد أنا قامت دول عدة عربية وأجنبية بإعادة تفعيل علاقاتها مع النظام السوري الذي زعم الكثيرون بأنه المنتصر بعد تلك الحرب.

إن ما قامت به أمريكا وما أبرمته من اتفاقيات ومعاهدات، ادعت أنها لمصلحة العرب، الأمر الذي أذهل الآخرين فما الفرق بين أن يقتل شعب على يد حكومته وبين أن تقتله الطائرات الأمريكية؟
أوليس من ادعى أنه يقف في وجه نظام الأسد للإفراج عن المعتقلين ووقف شلال الدم وتأمين منطقة عازلة هو نفسه من قصف المدنيين والأطفال في العراق بذريعة وجود السلاح الكيماوي الذي لم نر منه شيئا، المصالح تعددت والقصف واحد.

ومع ظهور (الولايات المتحدة الأمريكية) واختلاف سياساتها بتعاقب رؤسائها، بقيت أمريكا على مدى سنوات غامضة المصالح، لكن سياستها باتت واضحة وضوحا جليا تمثلها خير مثال تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الذي طالب خلال تصريحاته من دول الخليج دفع المال مقابل حمايتها من إيران، متمثلة بالزيارة الأمريكية للسعودية، وما نتج عنها من شراء أسلحة وعقد شراكات بين الطرفين.
وبعد فترة وجيزة أعلنت أمريكا عن بدء انسحاب قواتها من سوريا بشكل مفاجئ، وتبعها تصريحات عدة لدول خليجية تدعم فيه التواجد الأمريكي في شمال شرق سوريا وبقاء قوات سوريا الديمقراطية هناك، رافق ذلك زيارات عدة قام بها بعض الدبلوماسيين من دول التعاون الخليجي إلى مدينة الرقة عاصمة الوجود الامريكي لدعم الوجود الأمريكي هناك، فهل بدأت مواقف تلك الدول بالتراجع ليبدأ الضغط الأمريكي من خلال تمديد مشروع “قانون سيزر” وهل سيغير تمديده من مواقف تلك الدول؟
هذا الامر سبب إرباكا في المجتمع الدولي وفي التوازنات الإقليمية والدولية لذا جاء الحديث الآن عن قانون سيزر والذي بات هدفه واضحا وهو كسب المال للخزينة الأمريكية التي بات اقتصادها غير مستقر في الآونة الأخيرة، ويعاني من جمود واضح بعد عملية إغلاق الحكومة الامريكية بشكل جزئي دون وجود مسار واضح لإعادة فتح أبواب الحكومة لاسيما أن انقطاع التمويل هو الأطول في التاريخ الحديث إذ تجاوز الإغلاق الرقم القياسي والذي بلغ 21 يوما في عهد بيل كلينتون.

المركز الصحفي السوري

رصاصةطائشة تقتل السعادة للطفل الجميل محمد!

قتل الرصاص الطائش الأعمى أكثر من 100 شخص بين رجل وطفل وامرأة في المناطق المحررة في الحرب السورية وفق إحصائيات حديثة .

محمد خميس غجر ذو الستة أعوام من بلدة التح بريف إدلب، ذهب مع أبيه ليجمعا حطبا عسى يقيهما قليلا من برد الشتاء، فأصابته رصاصةٌ طائشة في رجله.
مسرعاً وخائفاً وبلهفة الأب، أخذ والد محمد ابنه للمشفى في إدلب لتجرى له عمليةٌ جراحيةٌ علَّها تساعد في إخراج هذه الرصاصة بهدوء بلا أّذى، أو بدون أن تخرج الرصاصة وتقتل معها روح الحياة لمحمد أو لتحافظ على رجله لتعينه في حياته في في بلدٍ مزقت جسده آلة الدمار والحرب خلال 8 سنوات عجاف.
نقل محمد إلى تركيا لتُجرى له عملية أخرى ليستيقظ في صباح لن ينساه محمد ابداً، ليس كصباح المتزوجين الوردي السعيد ، ولا كصباح الناجحين المليء ثقة وأملاً لمتابعة الحياة ، بل صباحُ معاناة ، تبدا معه رحلة أبدية يتخللها الكثير من مظاهر الألم النفسي والجسدي.

استفاق محمد ليجد رجله مبتورة وبترت معها “الطابة” هواية محمد الأحب لقلبه. وبترت معها مخططات محمد ووالداه لمستقبل محمد !!

رجع محمد من تركيا حزينا كئيبا. ربما ليس بذاك الحزن الذي يشعر به الكبير بالسن الذي يدرك خطورة فقد الرجل. ربما كان حزن محمد كطفل بريء فقط أنه لا يستطيع لعب “الطابة”.
دخل محمد المدرسة بعكاز خشبي لم يعتد أن يراه إلا مع الشباب الذين أصيبوا في القصف أو في المعارك التي تجري مع النظام.
دخل المدرسة فلاقى أمراً لم يستطع بداية فهمه عندما سمع الأطفال البريئين يسخرون منه ويشيرون الى العكازة الخشبية التي حلت محل رجله. ربما كانت الصدمة الأولى والشعور الاول لمحمد.
يقول والد محمد: “جاءت الأخبار ان فيها تعفن واضطر الدكتور ايش ؟ يبتر ! والحمد لله رب العالمين !! هااد الي صاار” . قعدنا بالمشفى تقريبا 17 يوم علاج ..وقلي الدكتور منحاول قدر المستطاع .!! و يوم 16 تم بتر الرِّجْل والحمد لله رب العالمين “.
تعفنا أصاب رجل ابنه، ينطق هذه الكلمات ببسمة تخفي وراءها الم الأب المختبئ داخل صدره، وتخفي عزة الوالد المترفع عن التصريح بذل المصيبة ألا لله، إلا أن يحمد الله على قدره . وفي عينيه المتلألئتين بدمع يمنعه الوالد من الخروج أنفة وعزة يقرأ الواحد أنهما يقولان : لماذا قتلتم حلم ابني وقطعتم عنه ماء حياته! هو طفل، لم يكبر بعد ولم نشبع من طفولته!

في السنة الماضية أصيب طفل أيضاً من بلدة الناجية بريف إدلب الغربي برصاص طائش من قبل الأراضي التركية قتلت طفلا وحيدا لأهله.
تكرر المشهد في يناير2019 ، فقد أدت المعارك بين “فصائل الثورة” إلى مقتل الطفل ’’محمد هجر الشايش‘‘ الوحيد لأهله . من بلدة قطرة وهو نازح في مخيم معراتا شرق تلمنس بريف دلب الشرقي.
فرفقاً يا أهل السلاح، يكفي الناس ظلم النظام فلا تزيدوا معاناتهم وقهرهم!
محمد إسماعيل
المركز الصحفي السوري

المقاومة الإيرانية في قلب ثورة عظيمة !!

نظرة لمؤتمر وارسو و الوضع الهش للنظام الإيراني

بقلم عبدالرحمن مهابادي*

الملالي الحاكمون في إيران طوال مدة حكمهم، لطالما أرادوا من جهة الحسابات الدولية وخاصة الدول الغربية، القيام بإجراءات تقيدية أو حتى إجراءات مدمرة ضد القوة الأساسية للمعارضة الإيرانية أي منظمة مجاهدي خلق لأنها العمود الأساسي للمقاومة التي تناضل من أجل إسقاط الدكتاتورية الدينية الحاكمة في إيران. وهم في نفس الوقت سعوا لتدمير هذه القوة في داخل البلاد أيضا حيث وفقا للإحصائيات المنتشرة قاموا بقتل ما يزيد عن ١٢٠ ألف معارض ربعهم أي ٣٠ ألف شخصا منهم كانوا من السجناء السياسيين الذين تم قتلهم جميعا في عام ١٩٨٨ خلال مدة تصل لأقل من ثلاث أشهر.

وعلى الرغم من أنه خلال فترات ماضية كان يسعى مسؤولو هذا البلد لإنكار هذه المقاومة في داخل إيران، ولكن لم يخفى على العالم وجود مثل هذه المقاومة، و ذلك لأن قائد هذه المقاومة معروف في خارج الحدود بالنسبة للجميع بشكل رسمي.

مريم رجوي الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية استطاعت خلال حملة دبلوماسية التعريف بالمقاومة الإيرانية على أنها المنافس الوحيد لنظام الملالي.

فوجود امرأة في رأس هرم هذه المقاومة لطالما كان أمرا مثيرا للغضب بالنسبة للملالي الحاكمين في إيران لأن شريحة النساء كانت أكثر شرائح المجتمع التي ذهبت ضحية دكتاتورية الملالي.

وأغلب الأعضاء الأساسيين لهذه المقاومة كانوا تحت حصار الحكومة العميلة للملالي في العراق حتى عام ٢٠١٦ وتعرضوا عدة مرات لهجمات النظام البرية والصاروخية والنفسية. والملالي اغتنموا الفرصة التي أتيحت لهم لاحتلال العراق واستخدموا كل مساعيهم السياسية والعسكرية والإرهابية لكي لا يذروا ولو حتى شخصا واحدا من هذه القوة على قيد الحياة.

فهم كانوا غاضبين جدا من ثبات هذه المقاومة الصامدة. لأنهم ثباتهم أمام الملالي نادى بوجودهم ومشروعية المقاومة في داخل إيران ورفع من موقعهم في خارج إيران والأهم من هذين الأمرين ضمن هذا الصمود، بقائهم ومستقبلهم المشرق.

هذه القوة استطاعت العبور من الكمين الكبير الذي نصبه الملالي لها في العراق بكل فخر والمجيء لأرض أوروبا، حيث أعلنت عن هدفها الآتي أيضا، الأمر الذي كان مصدر قلق وإذعار للملالي، إيران الحرة والديمقراطية والعلمانية وطبعا بدون حكم الملالي الاستبدادي.

وقد استطاعت هذه القوة بفضل مقتدراتها وقوتها الخاصة التكثيف من حربها المستمرة مع الملالي من خلال تغيير الخارطة والأرض، واستطاعت من خلال استخدامها لإمكانات العصر الحالي أن تزرع البذور الأولى للانتفاضة التي انتشرت من عام ماضي في جميع أنحاء إيران وأخلت من توازن وموقف هذا النظام وغيرت المعادلات الدولية كليا ولكن بماذا تنشغل هذه القوة حاليا؟

فهم بالاعتماد على الطريق الذي قطعوه وعلى الثمن الباهظ الذي قدموا خلاله، لا يقبلون بالحلول والبدائل المصطنعة لأنهم يملكون بحد ذاتهم بديلا حقيقيا وقوانين و أسس قوية خاصة بهم حيث يمكن القول بكل جرأة بأن هذا البديل الحقيقي يتجلى في المجلس الوطني للمقاومة الذي يتمتع بقوة فدائية ومقاتلة وذات خبرة عظيمة منتخبة من الشعب ولأجل الشعب ومستقلة ومتشكلة مع بنية ديمقراطية ويتمتع بقيادة منسجمة ومعروفة في إيران وخارج إيران وتملك نظاما إداريا يعرف بالمرحلة الأولى بعد سقوط نظام الملالي وأيضا يملك منصة معلنة من أجل إيران الحرة غدا تم فيها عرض حل ديمقراطي وتقدمي من أجل أهم مشاكل المجتمع.

وحاليا أنشؤوا في داخل وطنهم آلاف معاقل الانتفاضة تقوم بتوجيه وقيادة الانتفاضة تحت رايتها، ولم يمر يوم ولم نجد فيه استهدافا لمظاهر النظام من قبل هذه المعاقل. والشعب الإيراني سيحافظ على انتفاضة ضد الملالي في ظل مثل هذا الدعم اللامتناهي.

فحضور معاقل الانتفاضة اليوم تحول لنقطة أمل للشعب من أجل التضامن والتوحد وإعطاء المعنويات من جهة، و إذعار الأجهزة الحكومية القمعية من جهة أخرى.

وقد أثبتت التجربة بأنه أينما تواجدت هذه القوة كانت قوة تحدد الوضع والمصير في إيران. لأن الحرب بين القوة الحاكمة وقوة المقاومة بدأت منذ أربعين عاما ماضية وماتزال مستمرة والآن دخلت مرحلتها النهائية.

الآن وعشية الذكرى الأربعين لسقوط نظام الشاه، الشعب الإيراني مصمم على إحياء ثوابته ومثله التي لم تتحقق حتى الآن في سبيل نيل الحرية والسيادة الوطنية والشعبية ومصمم على الاستمرار في نضاله لأن ميزان القوى يصب في صالحهم الآن أكثر وأفضل من أي فترة مضت. فمعنويات وإرادة الشعب قوية والقوة القيادة ثابتة ومستعدة والعقوبات في أشدها وحكم الملالي مضطرب ومختل أكثر من أي وقت مضى.

علي خامنئي وبقية المسؤولين الصغار والكبار يعلمون جيدا بأن المحرك الأساسي لانتفاضة الشعب الإيراني هي المقاومة الإيرانية التي جعلت من الانتفاضة مستمرة وزادت من حدة الانتفاضة في وجه الملالي عدة أضعاف .

من الجدير بالذكر أن الظروف تقترب من حدوث تطورات كبيرة فيما يتعلق بإيران، فالإيرانيون خارج البلاد ومن خلال عقدهم لمظاهرات كبيرة في الثامن من فبراير في باريس يريدون النداء بمطالب وثوابت ومثل الشعب الإيراني المنتفض لكي يدعوا مؤتمر وارسو والمشاركين فيه لدعم الانتفاضة والمقاومة الإيرانية. وهذا السبيل الوحيد والصحيح والعاجل في نفس الوقت لحل قضية إيران وتخليص العالم من الداعم الأساسي للإرهاب في العالم .

@m_abdorrahman
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

تراجع إيران يبدأ في سوريا

بدأت إيران في اليوم الأول من شباط – فبراير الجاري احتفالات تستمر عشرة أيام في مناسبة الذكرى الأربعين لعودة آية الله الخميني إلى طهران بعدما أمضى أربعة عشر عاما في المنفى.
عاد الخميني في طائرة ركاب (جمبو) تابعة لشركة “آر فرانس” نقلته من باريس إلى طهران ليعلن قيام “الجمهورية الإسلامية”. كانت لديه فكرة واضحة عمّا يريده، وعن النظام الذي سيقوم في إيران والمبني على دستور محدد المعالم يعتمد على نظرية “الوليّ الفقيه” التي لا إجماع شيعيا عليها.
لم يتنبه الإيرانيون أنفسهم إلى ما يمثّله الخميني وإلى أهدافه. ما كان ينطبق في تلك المرحلة على الإيرانيين الذين كانوا يعتقدون أن بلدهم سيصبح بلدا ديمقراطيا منفتحا تحكمه قوانين عصرية، انطبق أيضا على العرب عموما، وعلى المجتمع الدولي الذي ضاق ذرعا بالشاه محمد رضا بهلوي وتردده.
لا يزال العالم العربي يدفع إلى اليوم ثمن الاستخفاف بالخميني وقدرته على نقل شعار “تصدير الثورة” إلى واقع. بدل عقد قمة عربية تخصص للتعامل مع إيران الجديدة، انصرف العرب إلى البحث في كيفية مواجهة مصر التي كانت وقّعت مع إسرائيل اتفاقي كامب ديفيد في خريف العام 1978 والتي كانت في طريقها إلى توقيع معاهدة سلام معها في آذار – مارس 1979. أي بعد شهر من عودة الخميني إلى طهران ومباشرته التأسيس لنظام جديد يعتمد قبل أي شيء آخر على الميليشيات المذهبية التابعة لـ“الحرس الثوري”. هذه الميليشيات منتشرة حاليا على نحو واسع في العراق وسوريا ولبنان واليمن…
ما افتقده العرب في تلك المرحلة هو النظرة الشمولية إلى المنطقة. افتقدوا عمليا معنى أن أنور السادات اتخذ قرارا نهائيا لا عودة عنه بتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وذلك في ضوء الانهيار الداخلي في مصر، والذي كان انهيارا اقتصاديا قبل أيّ شيء آخر. ليس معروفا إلى اليوم كيف كان ممكنا تجاهل الخطر الإيراني والتركيز على مصر والبحث عن طريقة لنقل الجامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس بعد إخراج مصر منها.
كان طبيعيّا في ظلّ المعطيات الإقليمية السعي إلى الاستفادة من اتفاقي كامب ديفيد. كان الأوّل يتعلّق بالعلاقات بين مصر وإسرائيل، والآخر بمستقبل الضفة الغربية وغزّة. في العام 1978، لم يكن عدد المستوطنين في الضفة الغربية يتجاوز بضعة آلاف. هناك الآن ما يزيد على 800 ألف مستوطن في الضفة الغربية، فيما قطاع غزّة محاصر. ماذا فعلت إيران من أجل فلسطين والفلسطينيين منذ أربعين عاما؟ لا شيء يذكر باستثناء الاستثمار في القضيّة وخطفها من العرب والمتاجرة بالفلسطينيين وبالقدس تحديدا.
غابت العقلانية عن العرب في العام 1979، بل قبل ذلك. لم يحصل أي تعاط عربي مع الواقع الذي خلقه أنور السادات عندما سافر إلى القدس في تشرين الثاني – نوفمبر من العام 1977 وألقى خطابه أمام الكنيست. ماذا لو أدرك صدّام حسين وقتذاك، وكان في طريقه إلى إزاحة أحمد حسن البكر من الرئاسة، أنّ مشكلة ذهاب أنور السادات إلى القدس ليست مشكلته، بل مشكلة البعثي الآخر حافظ الأسد الذي كان حليف الرئيس المصري في حرب 1973 والذي كان يراهن على استمرار حال اللاحرب واللاسلام في المنطقة إلى يوم القيامة، كون هذه الحال تخدم مصالح نظامه وتسمح له بابتزاز أهل الخليج إلى أبعد حدود الابتزاز.
ما هو مطروح اليوم في سوريا لا يتعلّق بالنظام، الذي صار في مزبلة التاريخ، ولا بإعادة البناء
لم يكن لدى أحمد حسن البكر وصدّام حسين في مرحلة ما بعد زيارة السادات للقدس أي فكرة عن اللعبة الجديدة التي تدور في المنطقة. في الواقع، جرّ البعثان السوري والعراقي العرب الآخرين إلى مقاطعة مصر. وقع الجميع في الفخّ الذي نصبه لهم حافظ الأسد الذي استفاد من الغياب المصري كي يعزز وجوده العسكري والأمني في لبنان من جهة، ويعمّق العلاقة التي أقامها مع إيران- الخميني من جهة أخرى.
من الضروري بين حين وآخر العودة إلى تلك المرحلة لعل ذلك يفيد في تفادي تكرار خطأ عربي ضخم من نوع التركيز على طرد مصر من جامعة الدول العربية، بدل التركيز على الخطر القادم من إيران الجديدة التي أصرّ الخميني على إطلاق تسمية “الجمهورية الإسلامية” عليها مستبعدا أيّ طرح آخر، بما في ذلك طرح رئيس الوزراء مهدي بازركان الذي ترأس الحكومة الأولى التي تشكّلت بعد انهيار نظام الشاه.
ما ينطبق على تلك المرحلة، ينطبق على المرحلة الراهنة التي تحتاج إلى فهم في العمق للحاجة إلى التعاطي مع الوضع السوري بطريقة مختلفة بعيدة كلّ البعد عن الأفكار القديمة. من بين الأفكار التي توجد حاجة إلى تجاوزها فكرة أنّه لا يزال هناك شيء اسمه النظام السوري، وأنّ هذا النظام قابل لإعادة تأهيل. سوريا التي عرفناها صارت جزءا من الماضي. كلّ ما في الأمر أن النظام استخدم في شنّ حرب على الشعب السوري لا هدف منها سوى تفتيت البلد. وقع النظام ضحيّة لعبة الابتزاز التي لم يتقن غيرها يوما. سوريا مدمّرة. ساذج من يعتقد أن لبنان يمكن أن يستفيد من إعادة إعمار سوريا في الوقت الراهن. وساذج أكثر من يظنّ أن السلام استتب فيها، وأن النظام استعاد حيويته وأنّه سيشرف على إعادة بناء ما هدّمته الحرب.
ليس عيبا أن تكون هناك بعثات دبلوماسية عربية في دمشق. السيء هو جهل ما يدور تماما في دمشق وإلى أيّ حد لم يعد هناك نظام قادر على الوقوف على رجليه. فمن دمشق ومن غير دمشق يمكن استشفاف المرحلة الجديدة التي تبدو سوريا مقبلة عليها وكيف أن سوريا ستشهد بداية انحسار المشروع التوسّعي الإيراني الذي يواجه في الوقت ذاته صعوبات، لا يمكن الاستخفاف بها في العراق، خصوصا في الوسط الشيعي العراقي. لعب النظام السوري، سواء أكان في عهد الأسد الأب أو الأسد الابن، دورا في غاية الخطورة على صعيد تمكين إيران من اختراق المنطقة العربية. يكفي وقوف النظام السوري مع إيران في حربها مع العراق بين 1980 و1988 للتأكّد من ذلك.
ما هو مطروح اليوم في سوريا لا يتعلّق بالنظام، الذي صار في مزبلة التاريخ، ولا بإعادة البناء. ليس هناك من هو على استعداد للتوظيف في إعادة بناء سوريا وإعمارها في الوقت الحاضر. من هو مهتم بإعادة البناء والإعمار، مثل روسيا، لا يمتلك الأموال التي تسمح له بذلك. روسيا دولة تعاني من مشاكل اقتصادية ضخمة ولم تجد بعد من يشتري منها ورقة سوريا إلا إذا استطاعت وضع حدّ للوجود الإيراني في هذا البلد العربي.
إذا كان الخطر الإيراني غاب عن العرب في العام 1979، يفترض ألّا يغيب في 2019 خطر من نوع آخر هو خطر الوجود الإيراني في سوريا والحاجة الروسية إلى تقليصه قدر الإمكان. متى سيكون في استطاعة موسكو القول إنهّا قادرة على مواجهة إيران في سوريا… سيتوفّر من هو على استعداد للأخذ والرد معها من منطلق أنّ لديها ورقة اسمها سوريا.

صحيفة العرب_خيرالله خيرالله

أميركا تعترف بأخطائها في العراق

رغم اعتراف الأميركيين ببعض أخطائهم إلا أنهم لم يعتذروا لأحد من الضحايا، وهم بعشرات الملايين. فمتى يعتذرون، ومتى يعوّضون الشعب العراقي عما أصابه على أيديهم من خراب.

الأحد 2019/02/03

أخطاء كثيرة

سئل ونستون تشيرتشل رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية عن رأيه في حلفائه الأميركيين فقال إنهم دائما يفعلون الشيء الصحيح، لكن بعد أن يرتكبوا أخطاء عديدة. ويبدو أن الجيش الأميركي أراد أن يؤكد نظريته.

اعترفت قيادة القوات البرية الأميركية، أخيرا، في تقرير مؤلف من 1300 صفحة حول الأنشطة والعمليات الأميركية في العراق، ما بين عامي 2003 و2018 بأن “إيران الجريئة وصاحبة السياسات التوسعية هي الرابحُ الوحيد”. واعترفت أيضا بأن “إيران وسوريا كانتا توفران الدعم للمقاتلين السنة والشيعة، والولايات المتحدة لم تضع أي استراتيجية شاملة لمنع ذلك”.

وعطفا على هذا الاعتراف الرسمي المثير والخطير، يحق للشعب العراقي أن يسأل الولايات المتحدة، حكومة وجيوشا ومخابرات ونوابا وشيوخا، هل كان خطأ واحدا فقط أم حزمة من الأخطاء؟ ثم ماذا سينفعه اعتراف من هذا الوزن ومن هذا النوع بعد أن جعل الجيش الأميركي بلده العراق وطنا بلا حكومة، وحكومة بلا وطن؟، هل يبكي أم يضحك وهو يكتشف أن الذين دمروا حياته، وسلموا رقاب أبنائه وأرضَهم وكراماتهم وثرواتهم ومصير أجيالهم القادمة لإيران ووكلائها، يَعتبرون ما حلَّ بالوطن وأهله من خراب خطأً عابرا لا يستحق أن يُحاسبَ عليه أحد؟

وقبل أن نمضي في تفصيل أخطاء الأميركيين في العراق ينبغي أن نوضح أن أميركا وطن التخصص بامتياز. فطبيب العيون المتخصص بالقرنية، مثلا، لا شأن له بغيرها من أجزاء العين. وجرّاح اللثة لا شغل له بالقلع والتركيب والتقويم.

وحين أوفد الحاكمُ المدني الأميركي، جي غارنر ثم بول بريمر، والقادة العسكريون، ديفيد بتريوس ونائبه ريموند أوديرنو وكبار ضباطه الآخرون، لم يكن أيٌ منهم يعرف عن تاريخ العراق وأديانه وقومياته وطوائفه غير عموميات من قبيل أنه كان مغارة علي بابا والأربعين حرامي، ووطن صدام حسين وأحمد الجلبي فقط لا غير. وبسبب ذلك الجهل والفقر المعرفي كان القادة الأميركيون هؤلاء مضطرين لتعلم الكثير عن حقل تجاربهم الجديد.

ولسوء حظهم وسوء حظ الشعب العراقي لم يكن قريبا منهم وفي موضع ثقتهم سوى حلفائهم الشطار العراقيين السبعة (أحمد الجلبي، مسعود البارزاني، جلال الطالباني، عبدالعزيز الحكيم، إبراهيم الجعفري، موفق الربيعي، أياد علاوي)، فاتخذوهم معلمين وناصحين وملقنين.

ولأن هؤلاء الحلفاء شطار ويعرفون من أين تؤكل الكتف فقد استثمروا جهل أصدقائهم الأميركيين بالعراق والعراقيين، وضخوا في رؤوسهم مفاهيم ووقائع ومعلومات أقل ما يقال عنها إنها مغشوشة دوافعُها حزبية أو طائفية أو عنصرية، أو جوع إلى سلطة وجاه ومال.

والمشكلة أن القادة الأميركيين المدنيين أو العسكريين وهم المحتكرون الوحيدون للسلطة في العراق في فترة الفوضى الأولى التي أعقبت الغزو كانوا يُقفلون عقولهم على ما لُقَّنوا به، ويظنون بأنهم أصبحوا به خبراء بالشأن العراقي، ويرفضون ما يقال خلاف ذلك بإصرار.

ثم لم يكتفوا بقناعاتهم لأنفسهم وحسب بل كانوا يرفعون ما يتلقونه من بيانات وأخبار ومعلومات إلى رؤسائهم في واشنطن ليتخذوا، بناء عليها، قرارات مصيرية يتقرر بها مصير وطن.

وأول أخطائهم كان إطلاقهم أيدي حلفائهم الشطار السبعة في شؤون البلاد والعباد بمجلس الحكم سيء الصيت.

وثانيها وأخطرها اعتمادُهم على المرجع الديني السيستاني موجّها ومقررا ومُشرّعا لعراقهم الديمقراطي الجديد.

وثالثها أنهم تركوا حدود العراق مع إيران وسوريا مفتوحة على مصراعيها ليدخل منها من يشاء متى يشاء، ويخرج منها من يشاء متى يشاء.

ورابعها كان غضَّ أنظارهم عن جموع المسلحين المتدفقين من إيران، ومعهم أسلحتهم وراياتهم وشعاراتهم، ليبدأ عصر الميليشيات الطائفية التي راحت تهيمن على الدولة ومؤسساتها رويدا رويدا، وليصبح العراق دولة فاشلة بكل المقاييس.

وخامسها أنهم كانوا يرون حلفاءهم يسرقون المال العام، ويحتلون قصور صدام حسين ومعاونيه ووزرائه ومستشاريه وأقاربه، ويغتصبون المباني والأراضي العامة، ثم يطنشون.

والخطأ السادس أخذُهم بوشاية الحلفاء الشطار السبعة القائلة بأن كل أبناء المحافظات السنية صداميون وإرهابيون، ليملأوا سجونهم ومعتقلاتهم ومعسكراتهم برجالهم ونسائهم الكبار منهم والصغار، معمقين بذلك الشرخ الطائفي ومشعلين حروب القتل على الهوية.

أما الخطأ السابع فهو التقاطهم، من آخر الصفوف، نوري المالكي ليجعلوه مؤتمنَهم على رئاسة الحكومة، حتى وهم يعلمون بأنه وكيل معتمد لإيران. ورغم أنهم كانوا شهود عيان على ما ارتكبه في رئاسته الأولى من موبقات ومخالفات واعتداءات فقد سهّلوا له رئاسته الثانية بالتواطؤ مع مسعود البارزاني، وبضغوط شديدة من الإيرانيين.

ومن أخطائهم أيضا أنهم منحوا الأحزاب الكردية، وخاصة حزبي مسعود وجلال، حق الوصاية والتعالي على حكومة المركز وابتزازها. وما زالوا يباركون سياساتهم الاستغلالية حتى هذه الساعة، وسيظلون.

ورغم اعترافهم الأخير ببعض أخطائهم لا كلها إلا أنهم لم يعتذروا لأحد من ضحايا أخطائهم، وهم بعشرات الملايين. فمتى يعتذرون، ومتى يعوّضون الشعب العراقي عما أصابه على أيديهم من خراب؟

إبراهيم الزبيدي_صحيفة العرب

37 عاماً مضت على مجزرة حماة .. و إجرام الأسد مستمر

في ذكرى تصيب القلوب بالهلع والحزن وتشهد على ماضٍ لنظام الأسد بالإجرام وقتل الأبرياء منذ 37 عاماً، كان الأب حافظ الأسد هو القاتل في حماة، ليخلفه ولده بشار، ليفوق في القتل أباه .

يصادف اليوم السبت 2 شباط الذكرى 37 لمجزرة حماة، و التي ارتقت لتصبح خلال 27 يوماً آنذاك، حملة إبادة جماعية بحق أبناء مدينة حماة، حيث لا إعلام حر ينقل الوقائع، و المجازر التي ارتكبها نظام الأسد يومها، لترمى جثث أبناء مدينة أبي الفداء في الشوارع، و يدفن بعضها بالحفر وتهدم منازلهم فوق رؤوسهم ولكن لماذا ..؟

قد يتساءل الكثيرون عن أسباب مجزرة حماة، و اجتياحها من قبل سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، شقيق حافظ برفقة مصطفى طلاس وزير دفاع النظام وقتها، و الجواب هو أن حافظ الأسد اعطى الأوامر لهم بقتل أبناء المدينة، ظنّاً منه أن أهالي المدينة سينقلبون على حكمه و كرسيه .

وفي مثل هذا اليوم من عام 1982؛ بدأت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد بالتوجه إلى حماة، و ضمت هذه القوات عدد كبير من المرتزقة، برواتب تصرف من النظام، لتبدأ بقصف أحياء المدينة بالقذائف المدفعية، و كان صوت القصف يصل لأكثر من 60 كيلو متراً في ريف حماة، وتركز القصف على المساجد والأحياء السكنية، و دمر النظام أكثر من 30 مسجداً، و ذلك بمشاركة قوات قوات اللواء 47 دبابات واللواء21 ميكا، و تركزت القوات في جبل زين العابدين المطل على حماة، ليستمر القصف في الليل و النهار .

لم يرضَ أهالي حماة بالذل؛ وقرروا مواجهة قتلة الأطفال، لكن المعادلة لم تكن متوازنة، فمدنيون يصارعون ألوية وكتائب مدرعة ومسلحة بالدبابات والمدفعية والرشاشات والقذائف الصاروخية، جعلت قوات حافظ الأسد و أخيه رفعت تسيطر على المدينة بعد 20 يوماً فقط، وذلك بسياسة الأرض المحروقة .

في صباح 23 شباط، انتهت المقاومة الشعبية في حماة، وخيّم الصمت على المدينة، ولم يبقى سوى صوت جنازير دبابات الأسد وصوت أزيز الرصاص في عمق حي البارودية في المدينة القديمة، فكل من يخرج بوجه سرايا الدفاع سيكون مصيره الموت المحتم، بأبشع الطرق و أوحشها .

وفي صباح 24 شباط من العام نفسه، بدأت عناصر النظام والمتحالفين معهم، بنهب وحرق منازل المدينة وقتل كل من يمانع أو يتفوه بكلمة، و بدأت الإعدامات الميدانية في الأزقة والشوارع و الساحات و المنازل، وسط أكوام الركام و المنازل المتهدمة .

وفي 26 شباط بعد 3 أيام من السيطرة على حماة، اعتقلت سرايا الدفاع 1500 شخصاً من المدينة، لتقوم باقتيادهم إلى الأطراف الجنوبية من المدينة وتعدمهم ميدانياً بدم بارد وبطريقة وحشية، لتملأ الجثثُ المكان، وتلبس حماة ثوبها الأسود، بعد أن قتل الآلاف من أبنائها خلال أقل شهر واحد .

لم يكن ولد القاتل طبيب عيون يداوي المرضى، ويرجع النور إلى أبصار المدنيين، بل على العكس، بدأ بقتلهم على نهج أبيه حافظ، فنظام بشار الأسد و هو امتداد لنظام حافظ بل هو عينه فالمجازر توالت والاعتقالات استمرت منذ أن سيطر حافظ على الحكم في سوريا .

في حماة مجازر خالدة، لن ينساها السوريون، وسط تغافل دولي عن هذا النظام، إلا أن السوريين لن يكونوا في صفوف المتغافلين، بل طالبوا بالحرية حتى إسقاط النظام الدموي .

المركز الصحفي السوري ــ خاطر محمود

لماذا عاد نصر الله إلى سياسة التهديدات

بعد غياب بارز، استمر أكثر من شهرين، وشائعات مجنونة تقول إنه يعاني من سرطان فتاك ولعله لم يعد بيننا، ظهر أمين عام حزب الله حسن نصر الله لأول مرة أمس على شاشة «الميادين» اللبنانية وبدا بالضبط مثل حسن نصر الله.
للحقيقة، يجب أن نعترف بأن ظهور الأمين العام العلني في المقابلة، نبرة حديثه ولغة جسده المعروفة، لم تؤيد الاستنتاج المتسرع بعض الشيء لمحلل التلفزيون السعودي الذي قال إن هذا كان بديلاً له. هذه تبدو كأمنية سعودية أكثر منها دليلاً مثبتاً.
بالمقابل، لا شك في أن المقابلة مثل حملة التسويق الهستيرية، لها في شبكة «الميادين» التي يملكها صديق نصر الله المقرب تحت عنوان «نصر الله يحطم الصمت»، والتي استهدفت غاية واحدة فقط: الإثبات بأن نصر الله حي يرزق ويسيطر على الوضع. لقد فهم أحد ما في حزب الله بأن صمتاً لأكثر من شهرين لمن عود مؤيديه على خطابات متواترة، قد يضر.
حتى لو لم يكن في صحة تامة ـ من الأفضل أن يتحدث. هناك الكثير من الأسباب للافتراض بأنه لولا هذا الاعتبار فمن المحتمل أن نصر الله بات يفضل إطالة صمته قدر الإمكان. فالتطورات في المنطقة ومحيطها القريب في الأشهر والأسابيع الأخيرة ليست مريحة له، وما ليس مريحاً صعب شرحه حتى لخطيب مصقع مثله.
بداية كشف إسرائيل للأنفاق ليس أقل من خازوق علني وفعل مهين لاستراتيجية المنظمة العسكرية، التي أملت في إبقاء المشروع الأكثر سرية من تحت الرادار. فكيف تشرح حقيقة أن رجاله، الذين لا يفترض أن يتواجدوا في جنوب لبنان وفقاً لقرار الأمم المتحدة 1701 يحفرون أنفاقاً هجومية إلى أراضي إسرائيل، الأنفاق التي ستوقع الدمار والخراب على دولة لبنان في كل سيناريو حرب. وكان الانتقاد ضده «نصر الله يجر كل لبنان إلى نفق مظلم».
لقد بذل أمين عام حزب الله أمس جهداً جباراً لتقزيم ضرر الأنفاق ـ «موضوع ضخم أكثر مما ينبغي»، «عامل مساعد هامشي فقط لخطة حزب الله الشاملة لاحتلال الجليل» ـ وهزأ بالجيش الإسرائيلي «الذي استغرقه وقت طويل جداً لكشف الأنفاق». ولا كلمة عن السيطرة الاستخبارية التي سمحت لإسرائيل باكتشاف السر.
أيام غير بسيطة لنصر الله. وعزلة متزايدة لإيران، حليفة وراعية حزب الله. ونظام العقوبات الذي فرضه الأمريكيون، والأزمة الاقتصادية في إيران مسا منذ الآن بالدعم المالي الذي تقدمه طهران لنصر الله، وأكثر من ذلك، يتبين أن المساعدة العسكرية الإيرانية لحزب الله ستبقى تصطدم بالتصميم الإسرائيلي لمنع ذلك بكل ثمن.
نصر الله، في أثناء صمته الطويل، راهن على أن الحظ بدأ يقف على جانبه. فقد أعلن ترامب عن إخراج القوات الأمريكية من سوريا، ويبدو بالخطأ أيضاً أضاف بأن إيران يمكنها الآن أن تفعل في سوريا «كل ما تشاء». وأظهر الروس استياء علنياً من استمرار الهجمات الإسرائيلية ضد أهداف إيران وحزب الله في سوريا، والناطقة بلسان وزارة الخارجية الروسية قالت إن هذا مس بسيادة دولة أخرى.
ولكن في هذه الأثناء، حصل التحول. فالرئيس ترامب يفكر بجدية بإبقاء القاعدة الأمريكية الهامة في منطقة التنف، في ملتقى الحدود بين العراق وسوريا والأردن. والمعنى: استمرار إغلاق الطريق البري الإيراني لتوريد السلاح لحزب الله من العراق عبر سوريا إلى جنوب لبنان.
ونائب وزير الخارجية الروسي، بخلاف تام مع ملاحظة الناطقة بلسانه، يقول لـ «سي.ان.ان» إنه لا يجب تعريف علاقات بلاده مع إيران كـ «حلف»، وإضافة إلى ذلك قال إن روسيا «لا تستخف بأهمية الأمن لإسرائيل.
لعل نصر الله كان يفضل مواصلة الصمت، ولكن الظروف فرضت عليه خلاف ذلك. من هنا الطريق قصير للعودة إلى التهديدات المعروفة. حزب الله، يقول إنه غير معني بفتح حرب ولكنه سيرد رداً غير متوازن إذا هاجمت إسرائيل أهدافاً في لبنان، والجديد: سيرد حتى لو هاجمت إسرائيل أهدافاً لحزب الله في سوريا: يدعي أن لدى حزب الله ما يكفي من الصواريخ الدقيقة للمواجهة التالية، ويحذر نتنياهو من خطوة عسكرية مغلوطة «كي يروج لنفسه في حملة الانتخابات»؛ ويهدد بأنه في الحرب التالية «كل فلسطين ستكون تحت التهديد». من أجل هذا لا حاجة لتحطيم الصمت.

عوديد غرانوت
إسرائيل اليوم 27/1/2019

نقلا عن القدس العربي

بروجيكت سنديكيت: نهاية الوهم الغربي في سوريا

القدس العربي_ إبراهيم درويش
تحت عنوان “نهاية الوهم الغربي في سوريا” كتب منسق السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي السابق، والسكرتير العام للناتو ووزير خارجية إسبانيا السابق خافيير سولانا مقالا بموقع “بروجيكت سيندكيت” ، ذكر في بدايته بصورة رئيس النظام السوري بشار الأسد الذي صور نفسه في آذار (مارس) 2018 وهو يقود سيارته وسط أنقاض الغوطة الشرقية الواقعة في نواحي العاصمة دمشق.
وفي ذلك الوقت كانت قوات النظام وبعد سبعة أعوام من الحرب الأهلية تحقق تقدما ضد مقاتلي المعارضة التي ظلت تحت الحصار حوالي نصف عقد. وكشفت الصورة عن عودة انتصار لرئيس بدا مرتاحا وكانت بالضرورة نوعا من الدعاية. ولكن الصور لخصت سنوات الحرب المأساوية وهي أن سوريا قد دمرت وبقي الأسد.

بعيدا عن الإجماع على مواجهة تنظيم “الدولة التي تركته ضعيفا ومهزوما، ظلت سوريا ساحة للمنافسة الدولية.

وقال سولانا مدير المركز لدراسات الاقتصاد العالمي والجيوسياسة، إن الأرقام وحدها لا تستطيع تحديد الكارثة الإنسانية وضخامتها ولكنها تقدم المنظور الضروري. فقد كان عدد سكان سوريا عام 2011 وهو العام الذي بدأت فيه الحرب 21 مليون نسمة. وبعد ثماني سنوات من الحرب نقص العدد إلى النصف حيث مات نصف مليون أو أكثر في الحرب بسبب هجمات المؤيدين للأسد بشكل عام. وهناك 5.5 مليون سجلوا أسماءهم كلاجئين لدى الأمم المتحدة بالإضافة إلى أكثر من 6 ملايين نازح في داخل وطنهم. ويقول سولانا إن الأرقام تعكس بحد ذاتها فشل “المجتمع الدولي” والذي بدا في سوريا وغيرها من السياقات لا يستحق حتى الاسم. ومنعت الخلافات داخل الأمم المتحدة أي تحرك قوي بشأن سوريا. ويرتبط الفشل في مستوى كبير بالتدخل الذي قامت فيه دول حلف الناتو في ليبيا والذي وافق عليه مجلس الأمن الدولي وامتنعت كل من روسيا والصين عن التصويت عليه. وتزامن القرار مع بداية الثورة السورية، وما حدث هو أن الدول التي شاركت في تنفيذه تجاوزت صلاحيته الإنسانية وبدأت عملية تغيير للنظام، انتهت بقتل وحشي وبشع لمعمر القذافي على يد المقاتلين الليبيين. وقدم التدخل الغربي في ليبيا بعدا جديدا للشك الصيني والروسي بالنوايا الغربية وبأي تدخل عسكري بذريعة “مسؤولية توفير الحماية” والتي تم تقديمها لمواجهة تجاوزات نظام القذافي. ومنذ ذلك الوقت زاد استخدام الفيتو في مجلس الأمن. ولوحت به روسيا 12 مرة حيث منعت قرارات تتعلق بسوريا. كما ومنعت الصين التي استخدمت الفيتو 11 مرة ستة قرارات ذات علاقة بالأزمة السورية. ومنع فيتو روسي-صيني مشترك من إحالة سوريا لمحكمة الجنايات الدولية، مقارنة مع القرار الذي صوت عليه مجلس الأمن لتحويل ليبيا إلى محكمة الجنايات. ونظرا للشلل الذي أصاب التعددية الدولية فقد ترك مصير سوريا بيد القوى الدولية ومصالحها الجيوسياسية. وأصبح أي مظهر من مظاهر الدعم الإنساني مقتصرا على قرارات ثانوية وليست منتجة. منها قرار لتدمير ترسانة النظام السوري من السلاح الكيماوي وعمليات عسكرية عليها علامات استفهام لمعاقبة النظام بسبب خرقه شروط اتفاق تدمير ترسانته. وبعيدا عن الإجماع على مواجهة تنظيم “الدولة التي تركته ضعيفا ومهزوما، ظلت سوريا ساحة للمنافسة الدولية. وبناء على هذه المصاعب فمن الواضح عدم نجاح أي مهمة دبلوماسية. وفي الحقيقة فقد قرر كوفي عنان الاستقالة من منصبه كمبعوث خاص للأمم المتحدة والجامعة العربية ، وشعر أن الاتهامات المتبادلة بين القوى العظمى تعرقل مهمته. إلا أن فشل المفاوضات لم يكن ولا يزال محتوما. ولم ينبع من عوامل سياقية فقط بل وكان نتيجة لسلسلة من الأخطاء التي ارتكبها الغرب من ناحية الفعل أو الإهمال. فرغم التردد الأمريكي للتدخل في سوريا إلا أنها لم تخف حماسها للإطاحة بنظام الأسد. فبعد اندلاع الانتفاضة السورية عبرت إدارة باراك أوباما عن موقفها وبوضوح وهو تغيير النظام. وكان هذا موقف الاتحاد الأوروبي بشكل أضعف جهود كوفي عنان الدبلوماسية. وكما لاحظ باتريك سيل، المراقب الراحل للشأن السوري فإن الهوس بتغيير النظام “لا يعد خطة للسلام”. وفي الحقيقة وضع هذا النهج الأسد في موقع الدفاع وأدى لتوقعات عالية من المعارضة المتشرذمة.

الغرب وبشكل واضح يتصادم مع الواقع، فبعد خفوت الغبار الذي أثاره تنظيم “الدولة”، فسوريا التي تظهر بعد الحرب لا تختلف من الناحية السياسية عن تلك التي كانت موجودة قبل الحرب. وهذا لا يعني خروج الأسد سالما وقادرا على فرض سلطته بدون ضوابط.

وبعد جولة جنيف التي عقدها عنان عام 2012 دخلت اللعبة الدبلوماسية في سلسلة لولبية من النكسات. وتميز موقف الاتحاد الأوروبي بالسلبية المفرطة أمام نزاع يدور في بلد مشارك في سياسة الجوار الأوروبية. وعلينا تذكر أن الحرب في سوريا هي التي قادت عامة 2015 لأكبر موجة لجوء هزت أسس الاتحاد الأوروبي وقادت إلى معاناة إنسانية ضخمة. ومع ذلك ظلت دول الاتحاد تجرجر أرجلها وفضلت البحث عن حلول جزئية، مثل الاتفاق مع تركيا بدلا من مواجهة المشكلة وبقوة. واليوم يظهر الارتباك الأوروبي بالمسألة السورية ، في وقت يقدم فيه الرئيس دونالد ترامب منظرا مخجلا من خلال دفعه بسحب القوات الأمريكية من سوريا. ويظل الوضع غامضا حول خطط أمريكا مواجهة التأثير الإيراني في سوريا ، وما هي طبيعة الضمانات التي قدمت للأكراد بعد مشاركتهم في الحرب ضد تنظيم “الدولة”. وفي النهاية يرى سولانا أن الغرب وبشكل واضح يتصادم مع الواقع، فبعد خفوت الغبار الذي أثاره تنظيم “الدولة”، فسوريا التي تظهر بعد الحرب لا تختلف من الناحية السياسية عن تلك التي كانت موجودة قبل الحرب. وهذا لا يعني خروج الأسد سالما وقادرا على فرض سلطته بدون ضوابط. إلا أنه وفي غياب البدائل ورغم ما ارتكبه من جرائم بدعم من إيران وروسيا فسيكون له دور في مستقبل سوريا، وعلى المدى القريب. ومن الواضح أن وقتا وجهودا استثمرت في السياسة الخطأ وهي تغيير النظام التي من الصعب التخلي عنها. ولكن لا خيار. وعلى الغرب التخلي عن وهمه ، والجلوس للتفاوض بجدية وعلى كل المستويات بشأن سوريا.

القدس العربي_ إبراهيم درويش

النفاق الروسي دفاعا عن إيران


فاروق يوسف

عبرت روسيا عن انزعاجها من مؤتمر وارشو الذي سيُعقد الشهر القادم. وهو موقف مؤسف من دولة يعتبرها العرب صديقة لهم.

ذلك الانزعاج مصدره شعور الروس بأن ذلك المؤتمر سيُعقد من أجل البحث في الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى تحجيم إيران. ردع إيران في مشروعها التوسعي ليس ضروريا بالنسبة للروس.

ذلك يعني أنهم يقفون مع ذلك المشروع بكل تفاصيله. وهي تفاصيل تمس مصائر شعوب صارت إيران تتحكم بدولها.

ما يعرفه الروس جيدا، من خلال تجربتهم في سوريا، أن إيران تدير وتمول ميليشيات مسلحة، صارت بمثابة أذرعها في المنطقة.

الروس يعرفون أيضا أن إيران، وهي دولة دينية تسعى إلى فرض شريعتها الطائفية على دول عاشت شعوبها بسلام في ظل تعددية مذهبية، كانت عنوانا للتنوع الفكري والإنساني.

هناك دول في المنطقة تذهب إلى المجهول بسبب الفتن الطائفية التي تغذيها إيران بالمال والسلاح. العراق ولبنان واليمن. وقد اعترف الإيرانيون أن أذرعهم الناشطة في تلك الدول مكنتهم من التمدد من البحر المتوسط حتى البحر الأحمر.

دول تعيش حروبا أو ما يشبه الحروب. لا لشيء إلا لأن هناك من يسعى إلى فرض طاعة الولي الفقيه على شعوبها مدعوما من نظام آيات الله. هناك دول أخرى تشعر بالتهديد، لأنها تقع على خط الزلزال الإيراني الذي يمكن أن يضر بالسلام الأهلي فيها ويخلخل فكرة العيش الآمن.

في الوقت نفسه فإن الروس لا يظهرون عدم ارتياحهم لسباق التسلح الذي تشهده المنطقة بسبب إصرار النظام الإيراني على تطوير قدراته العسكرية التي حولت إيران إلى ما يشبه اللغم الذي يمكن أن ينفجر في أية لحظة.

إيران التي يدافع عنها الروس ويحاولون تعطيل المسعى الأممي لكبح جماحها ليست حملا بريئا. إنها تتحمل مسؤولية جزء كبير مما جرى في المنطقة من خراب.

فالعراق اليوم هو صناعة إيرانية. ما من شيء فيه يذكر بالاحتلال الأميركي. كما لو أن الولايات المتحدة تركت الأرض ومَن عليها لإيران تفعل بهما ما تشاء بعد أن تمكنت من السيطرة على ما تحتها.

العراق الإيراني هو بلد معاق استولى الفاسدون الموالون لإيران على ثروته، فيما تعاني غالبية سكانه من فقر مدقع.

وفي لبنان الإيراني تتحكم ميليشيا طائفية بالمصير السياسي للدولة، فلا تتشكل حكومة إلا بعد موافقتها.

أما في اليمن فإن السلاح الإيراني وهب عصابة طائفية القدرة على أن تطيح بالشرعية وتعلن الحرب على الدولة لتقيم دولتها.

إيران التي تدافع عنها روسيا هي التي نشرت من خلال ميليشياتها الفقر والتخلف والجهل والفساد في ثلاث دول عربية، يصعب اليوم تخيل مستقبلها من غير أن يكون مطوقا بالموت بعد أن صارت لغة السلاح هي اللغة الوحيدة الممكنة فيها.

لقد عسكرت ميليشيات إيران مجتمعات تلك الدول، وعبأت شبابها بالفكر الذي يعلي من شأن الموت تحت شعار ديني مضلل هو الشهادة. وهو ما يعني أن قيام مجتمع مدني في تلك الدول صار نوعا من المستحيل في ظل هيمنة الميليشيات الإيرانية عليها.

ما تفعله الولايات المتحدة حين تدعو إلى قيام تحالف دولي، تكون مهمته إنهاء الهيمنة الإيرانية في المنطقة هو المطلوب أمميا، من أجل أن يكون المجتمع الدولي متصالحا مع مبادئه وقوانينه. ذلك لأنه يهب البشرية أملا حقيقيا في السلام.

لقد صار مؤكدا أن منطقة الشرق الأوسط لن تهنأ بالعيش الآمن المستقر في وجود النظام الإيراني الذي رفع شعار الحرب غاية لاستمراره.

لذلك فإن الدفاع الروسي عن إيران بعد كل ما صار معروفا من سياسات نظامها إنما ينطوي على قدر هائل من الاستخفاف بالمصير البشري في منطقة الشرق الأوسط. إنه موقف قذر لا يليق بروسيا التي لطالما دافعت عن حق الشعوب في التحرر.

موقف روسيا المنزعج من مؤتمر وارشو ينم عن قدر هائل من النفاق السياسي الذي سيصيبها بخسائر كبيرة.

نقلا عن صحيفة العرب


باحث فرنسي: انسحاب ترامب من سوريا يهدف لاختبار التحالف الروسي مع تركيا وإيران

آدم جابر

باريس-“القدس العربي”:

في مقال بصحيفة ‘‘لوموند’’ الفرنسية، رأى جوليان نوستي الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلانه سحب قوات بلاده من سوريا، يكون قد عزز بشكل ميكانيكي نظام بشار الأسد، تاركاً في الوقت نفسه لموسكو شارعاً دبلوماسياً عريضاً.
واعتبر الكاتب أن تدوينة الرئيس الأمريكي التي أعلن فيها نيته سحب قوات بلاده من سوريا؛ جاءت لتكمل نجاحات روسيا في المنطقة؛ بعد أن حققت موسكو جميع أهداف تدخلها العسكري في سوريا والمتمثلة أساساً في تثبيت نظام الرئيس بشار الأسد وتأمين قواعدها العسكرية في طرطوس وحميميم والقضاء على المعارضة باستثناء تنظيم “الدولة” ، وترك بصمتها في الشرق الأوسط وإنهاء عزلتها على الصعيد الدولي.
وأضاف الكاتب أن هذا القرار الأحادي بسحب الوحدات العسكرية الأمريكية في سوريا، ليس من أجل وضع المكاسب التي حققتها موسكو؛ بل يأتي لاختبار قدرة روسيا على الحفاظ على موقعها في الشرق الأوسط عبر فرض تسوية سياسية للصراع السوري أو على الأقل إعطاء انطباع بقدرتها على القيام بذلك مع احتواء الطموحات المتناقصة لحلفائها الاستراتيجيين وخاصة الإيرانيين والأتراك.
ويؤكد الكاتب أن مبادرة ترمب تؤيد الموقف الروسي من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال عقد ونصف والتي تصفها موسكو بـ المتناقضة. وقد فرضت روسيا بوتين نفسها كبديل للغرب سواء فيما يتعلق بالملفين العراقي والسوري أو الملف النووي الإيراني وتداعيات ثورات الربيع العربي. ويعزز قرار الرئيس الأمريكي و تدويناته المستمرة عن سوريا، موقع نظام بشار الأسد ويفتح الباب على مصراعيه أمام روسيا.
ويستبعد جوليان نوستي أن يتجاوز الرئيس الروسي مقاربة الحرب الباردة التي ينتهجها إزاء ملفات الشرق الأوسط. ويمكن تفسير الحذر الذي تتعاطى به موسكو مع إعلان ترمب سحب قواته من سوريا؛ بثلاثة أسباب مبدئية، وفق الكاتب،أولها؛ أن موسكو خسرت فرصة مناسبة للتفاوض مع أمريكا؛ حيث وجد القادة الروس في الملف السوري فرصة مثالية لفتح حوار مع واشنطن. ويدرك الجانب الروسي أن الترتيبات التكتيكية وجدول الانسحاب الأمريكي لم تتضح بعد؛ كما أن الإبقاء المحتمل على الضربات الجوية الأمريكية لن يغير المعادلة الاستراتيجية على الجانب الشرقي من نهر الفرات.
ثاني الأسباب، هو أن الكريملين ليس من السذاجة بحيث تنطلي عليه مناورات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وأبرزها أن الانسحاب قد يشكل ضغطا علي التفاهم التركي الروسي بشأن الملف السوري؛ حيث يمكن أن تسعى أنقره في ظل انسحاب الجيش الأمريكي إلى التدخل ضد الأكراد وبالتالي تعرض تفاهماتها السابقة مع موسكو للخطر.
كذلك فإن انسحاب أمريكا الذي يثير مطامع الأتراك في اجتياح المناطق الشمالية الشرقية من سوريا؛ سيتسبب في رفع حساسية موسكو وطهران تجاه أنقرة خاصة أن المناطق المذكورة غنية بالثروات والموارد المائية والزراعية.
والسبب الثالث و الأخير، هو أنه بإخلاء الضفة الشرقية لنهر الفرات، تكون الولايات المتحدة قد عززت من الأهداف القصوى لطهران في سوريا وسيزداد نفوذ إيران في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي. هذا الوضع قد يتسبب في صدام روسي إيراني خاصة بشأن مستقبل العملية السياسية في سوريا ومصير الأسد و سيتعيين على موسكو تحديد مستوى حضور إيران في سوريا من أجل استمرار التعاطي الإيجابي مع ملفات كبرى في المنطقة، بما فيها العلاقات الإيرانية الإسرائيلية.
وفي الوقت الحالي- يتابع الكاتب – ونتيجة عدم وضوح الرؤية بشكل كامل؛ ستتعاطى موسكو مع مبادرة ترمب بالحذر مع الاستفادة من تعميق حضورها الإقليمي.
ومع ذاك ؛ لا يزال الملف السوري يظهر أن روسيا لا تمتلك استراتيجية كبرى في الشرق الأوسط وأن تعاطي موسكو يعتمد طريقة التأقلم المستمر مع سياق المرحلة ووضعية خصومها، يختتم الكاتب.

نقلا عن القدس العربي