أمة كبيرة بذاكرة قصيرة

القدس العربي _ منصف الوهايبي

قد يغيب عن كثير أو قليل منا أن أدبنا العربي الحديث شعرا ونثرا «مستحدث» من حيث الشكل (شعر التفعيلة وقصيدة النثر) والجنس (الرواية والقصة القصيرة والمسرحية)، وفيه ما فيه من المؤثرات الأجنبية؛ منذ أن برحت الثقافة/ الثقافات العربية مداراتها المألوفة مع أدباء الشام ومصر خاصة، فأدباء المغرب العربي. على أن الموقف من «العزوف» عنه عالميا، إنما يُكْتَنَهُ في ضوء التقبل من حيث هو مفهوم جمالي يتسع لشتى المواقف المزدوجة أو المختلفة، وهذه ليست إلا محصلة أفق التوقع وأفق التجربة معًا؛ حتى عند الشاعر أو الكاتب نفسه. فهو متقبل ما أن يشرع في الكتابة عبر مشادة أو مصالحة أو تفاعل بين تجارب الفن، الحاضر منها والماضي، والحديث منها والقديم؛ والوافد منها والمتأصل.
إنها باختصار مخِل لا ريب حوار خفي أو لعبة أسئلة وأجوبة محتجبة ذات قواعد وقوانين ق ندرك فعلها وأثرها؛ ولكننا قد لا ننفذ إلى منشئها وكنهها. ونحن أحوج ما نكون إلى إعادة ترتيب علاقتنا بأدبنا، عسى أن نفهم أسباب العزوف عن ترجمته ونقله إلى اللغات العالمية.
وفي حوار أجريناه أنا والشاعر التونسي محمد الغزي عام 1984 مع الشاعر السويدي أوستون شوستراند عضو لجنة نوبل للآداب وقتها، ونشرناه مع نماذج من شعره، في مقدمة كتابنا «تحت برج الدلو«(منشورات ديميتير تونس 1984 بالاشتراك مع جامعة لوندت في السويد)؛ اكتشفنا أننا حقا أمة كبيرة، لكن بذاكرة أدبية قصيرة. وكنا في ضيافة السيدة سيغريد كاهل ابنة المستشرق نوبرغ، وصديقة سلمى الخضراء الجيوسي، وقد أخذت تشيد أمام شوستراند بالحضارة العربية الضاربة في الزمن، وتقول إنه لفرق شاسع بين حضارة تستند إلى أكثر من خمسة عشر قرنا هي حضارتكم العظيمة، وحضارة السويد التي ليس لها هذا الامتداد في التاريخ، بل إن نهضة السويد الأدبية لم تبدأ إلا في القرن الثامن عشر مع الملك غوستاف الثالث، وإليه يرجع الفضل وهو الذي نهض بدور كبير في بعث المسرح والأدب والأوبرا؛ وهو الذي عمل على تطوير اللغة السويدية، وجعل التأثيرات المتأتية من فرنسا خاصة تستجيب لظروف السويد وشروط الحياة فيها. ولم تكن هناك قبله تقاليد مسرحية، كما هو الأمر في ثقافتكم.

مسؤولية نقل الأدب العربي إلى اللغات العالمية تقع على كاهل العرب قبل غيرهم، وأن الأكاديمية مستقلة عن السياسة وعن الأحزاب مثلما هي مستقلة عن الدولة؛ حتى إن كانت تتلقى هبات من جهات شتى.

ثم إن هذا الملك المثقف وكاتب الأوبرا، هو الذي أسس الأكاديمية؛ وجعلها مستقلة عنه وعن الدولة. وقد شاطرها شوستراد الرأي، وانتهزنا نحن الفرصة لنسأله عن ضعف انتشار الأدب العربي في السويد، وما إذا كان هناك عربٌ مرشحُونَ لجائزة نوبل.
والحق أن الرجل كان صريحا، وأفادنا بأن مكتبة نوبل تكاد لا تحوي من هذا الأدب شيئا يؤبه له؛ وهو ما يحز في النفس. وقال: «ومع ذلك فإن هناك أسماء عربية مرشحة للجائزة» وهي جديرة بها لا شك. وأضاف إن مسؤولية نقل الأدب العربي إلى اللغات العالمية تقع على كاهل العرب قبل غيرهم، وأن الأكاديمية مستقلة عن السياسة وعن الأحزاب مثلما هي مستقلة عن الدولة؛ حتى إن كانت تتلقى هبات من جهات شتى. ولكن هذا يؤثر في استقلاليتها، بل إن أعضاءها لا يحصلون على أي أجر. ما الذي يحول إذن دون ذيوع هذا الأدب العربي المعاصر عالميا؟
يشير روجر ألن في مصنفه «مقدمة للأدب العربي»، ت. رمضان بسطاويسي ومجدي أحمد توفيق وفاطمة قنديل، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003» والكتاب موجه إلى طائفة من القراء الأجانب الناطقين بالأنكليزية في مطلع القرن الحادي والعشرين، وليس الناطقين بالعربية؛ وهو يتنزل في حيز الأدب العالمي المقارن؛ إلى أن النعت «عربي» يفصح كما يقول عن اللغة التي صيغت بها المادة. ولكن هذا النعت أو المصطلح يحوي دلالة مزدوجة، إذ يشير إلى الناس أي العرب، من جهة وإلى العلاقة بين العالمين: العربي الإسلامي والغرب، من جهة أخرى. وهي في معظم هذه المرحلة المتخيرة من القرن السادس للميلاد (وليس قبل الميلاد كما جاء سهوا في الترجمة) إلى الحاضر، علاقة مواجهة مستمرة غالبا؛ ينزع فيها كل طرف إلى نوع من التعتيم على «بعض الحقائق المؤسفة للطرفين كليهما». ومثال ذلك أننا إذا نظرنا إلى الصليبيين وغزو إسبانيا مجددا، فسقوط غرناطة عام 1492، نجد أن الحدثين عدا من المراحل المجيدة في تاريخ أوروبا الغربية. ولكنهما خارج هذا السياق، يكتسبان معنى مختلفا تماما، إذ هما اللذان يمهدان السبيل للفصل الثاني حيث يطرح الباحث جملة القضايا الأدبية المستجدة في سياقها البيئي واللغوي والتاريخي، وأهمها قضية الأجناس الأدبية في اللغة العربية. و منها الشعر العربي في شرق البلاد العربية وغربها، فهو تجربة إنسانية كونية مفتوحة لم يكن السبق فيها للعرب، ولن يكونوا فيها حلقة الاختتام.
وإنما هم يتبوؤون فيها منزلة لا يفضلون بها منازل غيرهم من الأمم، ولا هم في ذلك أدنى منهم. على أن ذلك لا يبخسهم في الوقت نفسه حق التفرد بكثير من الميزات التي تجعل شعرهم مخصوصا بخصائص حضارتهم، مطبوعا بطبائع بيئتهم، ولطائف لغتهم. وهذا التفرد هو الذي دفع المستشرقين إلى ترجمة الشعر العربي القديم، ونقله أحيانا في أوزانه العربية نفسها؛ على نحو ما فعل المستشرق الشاعر فريديريش ريكرت؛ وكان لترجمته وقع غريب على أذن القارئ الألماني، وهو يكتشف عالما شعريا غريبا عنه، وفي أوزان لم يعهدها؛ والوزن العربي العروضي كمي، في حين أن الوزن في لغات أوروبية مثل الألمانية نبري (كيفي). وقد ترجم ريكارت وهو شاعر أيضا ديوان «الحماسة» لأبي تمام وقصائد من الشعر الجاهلي، وخاصة لامرئ القيس.
ولولا الخشية من أن يحجزنا الاستطراد عما نحن بصدده، لسقنا أكثر من مثال على صورة الشعر العربي القديم، مترجما إلى أكثر من لغة أوروبية، عسى أن ندرك أنها صورة قديمة في المشهد العالمي والأوروبي تحديدا؛ وليست حديثة الميلاد كما قد يقع في الظن؛ ناهيك عن أثر الشعر العربي الأندلسي في الشعر الأوروبي في القرون الوسطى، سواء في أبنيته وإيقاعاته أو في أغراضه وموضوعاته، وبخاصة العذري منه (العفيف) أو«الكورتيزيا» الغربية (شعر الغزل وما يتميز به من رقة ولطف وأدب)؛ مما يحتاج إلى وقفة غير هذه. لعل المشكل في أن كثيرا أو قليلا من أدبنا المعاصر لم يتجرد عن رق المدونة الأدبية القديمة، وطرائق مقاربتها اللغوية. وهي التي وسمت الأدب بميسمها. على أن هذا من مباحث علم اجتماع الثقافة، ولسنا مؤهلين للخوض فيه. وإنما نثبت رأينا بكثير من الحذر والاحتراز.

صحيح أن كثيرا من شعرائنا تعاني نصوصهم من قلة محصول في الوزن أو في موسيقى الشعر، ولكن هذا التفسير على ما به من بعض حق، يحجب البنية الجمالية بالقدر ذاته الذي يحجب به دلالة ذيوع الظاهرة.

وربما يرجع إلى ذيوع أنماط من الكتابة لم تستوعب تماما منجزات الحداثة الغربية في الرواية والشعر خاصة. وصحيح أن كثيرا من شعرائنا تعاني نصوصهم من قلة محصول في الوزن أو في موسيقى الشعر، ولكن هذا التفسير على ما به من بعض حق، يحجب البنية الجمالية بالقدر ذاته الذي يحجب به دلالة ذيوع الظاهرة. وقد يكون الأمر أعمق ما استأنسنا بـ«جمالية التقبل» التي تبني التأويل على قاعدة حوار بين الماضي والحاضر، وتعيد الاعتبار إلى القراء في تمثل معنى العمل الأدبي عبر التاريخ تمثلا متلاحقا، والوقوف على مكوناته من خلال التفاعل أو تبادل الأثر بين فعل الكتابة وفعل التقبل. فليس النص «جنة كلمات غارقة في العزلة»؛ وإنما هو ضرب من التواصل الإبداعي تتضايف في حيزه علائق حوارية متنوعة بين النص ومتقبليه من جهة والمتقبلين أنفسهم من جهة أخرى. ولا يساورنا الشك في أن الترجمة هي التي يمكن أن ترسخ هذا التواصل الإبداعي، على الرغم من «حياديتها الظاهرية» كما تقول باسكال كازانوفا في مصنفها «الجمهورية العالمية للآداب». وهي السبيل إلى دخول كل الكتاب والشعراء العرب البعيدين عن المركز الغربي، إلى العالم الأدبي؛ خاصة أن الترجمة كما تقول باسكال صيغة اعتراف أدبي وليست مجرد لغة منقول إليها؛ وقيمتها لا تتحدد بحجم التبادلات في مستوى النشر، وإنما الترجمة هي «رهان المنافسة العالمية» مثلما هي وسيلة لتجميع الموارد الأدبية، بل الاستحواذ على «رأس مال أدبي» مصدره لغات مثل العربية والصينية وغيرهما. ونقدر أننا في سياق كهذا يمكن أن نتقصى حالة أدبنا في المشهد العالمي أي وهو مترجم؛ بدون وجل أو تهيب، بحثا في أسباب العزوف عنه، أو وفي أوجه العلاقات المعقودة بين العلامة والمدلول، وبين العلامة ومستعمليها، وبين العلامات بعضها ببعض، وما هو راجع إلى التداخل اللغوي أو مؤثرات اللغات الأجنبية واللهجات المحلية. ونذكر بقول الشاعر البرتغالي فرنندو باسوا «وطني هو اللغة البرتغالية، ولن يحزنني أن يُجتاح البرتغال أو يُحتل، طالما لم يصبني الأذى شخصيا». ونحن كما يقول أميل سيوران «لا نقيم بوطن، إنما نقيم في لغة».

نقلا عن القدس العربي

بروجيكت سنديكيت: نهاية الوهم الغربي في سوريا

القدس العربي_ إبراهيم درويش
تحت عنوان “نهاية الوهم الغربي في سوريا” كتب منسق السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي السابق، والسكرتير العام للناتو ووزير خارجية إسبانيا السابق خافيير سولانا مقالا بموقع “بروجيكت سيندكيت” ، ذكر في بدايته بصورة رئيس النظام السوري بشار الأسد الذي صور نفسه في آذار (مارس) 2018 وهو يقود سيارته وسط أنقاض الغوطة الشرقية الواقعة في نواحي العاصمة دمشق.
وفي ذلك الوقت كانت قوات النظام وبعد سبعة أعوام من الحرب الأهلية تحقق تقدما ضد مقاتلي المعارضة التي ظلت تحت الحصار حوالي نصف عقد. وكشفت الصورة عن عودة انتصار لرئيس بدا مرتاحا وكانت بالضرورة نوعا من الدعاية. ولكن الصور لخصت سنوات الحرب المأساوية وهي أن سوريا قد دمرت وبقي الأسد.

بعيدا عن الإجماع على مواجهة تنظيم “الدولة التي تركته ضعيفا ومهزوما، ظلت سوريا ساحة للمنافسة الدولية.

وقال سولانا مدير المركز لدراسات الاقتصاد العالمي والجيوسياسة، إن الأرقام وحدها لا تستطيع تحديد الكارثة الإنسانية وضخامتها ولكنها تقدم المنظور الضروري. فقد كان عدد سكان سوريا عام 2011 وهو العام الذي بدأت فيه الحرب 21 مليون نسمة. وبعد ثماني سنوات من الحرب نقص العدد إلى النصف حيث مات نصف مليون أو أكثر في الحرب بسبب هجمات المؤيدين للأسد بشكل عام. وهناك 5.5 مليون سجلوا أسماءهم كلاجئين لدى الأمم المتحدة بالإضافة إلى أكثر من 6 ملايين نازح في داخل وطنهم. ويقول سولانا إن الأرقام تعكس بحد ذاتها فشل “المجتمع الدولي” والذي بدا في سوريا وغيرها من السياقات لا يستحق حتى الاسم. ومنعت الخلافات داخل الأمم المتحدة أي تحرك قوي بشأن سوريا. ويرتبط الفشل في مستوى كبير بالتدخل الذي قامت فيه دول حلف الناتو في ليبيا والذي وافق عليه مجلس الأمن الدولي وامتنعت كل من روسيا والصين عن التصويت عليه. وتزامن القرار مع بداية الثورة السورية، وما حدث هو أن الدول التي شاركت في تنفيذه تجاوزت صلاحيته الإنسانية وبدأت عملية تغيير للنظام، انتهت بقتل وحشي وبشع لمعمر القذافي على يد المقاتلين الليبيين. وقدم التدخل الغربي في ليبيا بعدا جديدا للشك الصيني والروسي بالنوايا الغربية وبأي تدخل عسكري بذريعة “مسؤولية توفير الحماية” والتي تم تقديمها لمواجهة تجاوزات نظام القذافي. ومنذ ذلك الوقت زاد استخدام الفيتو في مجلس الأمن. ولوحت به روسيا 12 مرة حيث منعت قرارات تتعلق بسوريا. كما ومنعت الصين التي استخدمت الفيتو 11 مرة ستة قرارات ذات علاقة بالأزمة السورية. ومنع فيتو روسي-صيني مشترك من إحالة سوريا لمحكمة الجنايات الدولية، مقارنة مع القرار الذي صوت عليه مجلس الأمن لتحويل ليبيا إلى محكمة الجنايات. ونظرا للشلل الذي أصاب التعددية الدولية فقد ترك مصير سوريا بيد القوى الدولية ومصالحها الجيوسياسية. وأصبح أي مظهر من مظاهر الدعم الإنساني مقتصرا على قرارات ثانوية وليست منتجة. منها قرار لتدمير ترسانة النظام السوري من السلاح الكيماوي وعمليات عسكرية عليها علامات استفهام لمعاقبة النظام بسبب خرقه شروط اتفاق تدمير ترسانته. وبعيدا عن الإجماع على مواجهة تنظيم “الدولة التي تركته ضعيفا ومهزوما، ظلت سوريا ساحة للمنافسة الدولية. وبناء على هذه المصاعب فمن الواضح عدم نجاح أي مهمة دبلوماسية. وفي الحقيقة فقد قرر كوفي عنان الاستقالة من منصبه كمبعوث خاص للأمم المتحدة والجامعة العربية ، وشعر أن الاتهامات المتبادلة بين القوى العظمى تعرقل مهمته. إلا أن فشل المفاوضات لم يكن ولا يزال محتوما. ولم ينبع من عوامل سياقية فقط بل وكان نتيجة لسلسلة من الأخطاء التي ارتكبها الغرب من ناحية الفعل أو الإهمال. فرغم التردد الأمريكي للتدخل في سوريا إلا أنها لم تخف حماسها للإطاحة بنظام الأسد. فبعد اندلاع الانتفاضة السورية عبرت إدارة باراك أوباما عن موقفها وبوضوح وهو تغيير النظام. وكان هذا موقف الاتحاد الأوروبي بشكل أضعف جهود كوفي عنان الدبلوماسية. وكما لاحظ باتريك سيل، المراقب الراحل للشأن السوري فإن الهوس بتغيير النظام “لا يعد خطة للسلام”. وفي الحقيقة وضع هذا النهج الأسد في موقع الدفاع وأدى لتوقعات عالية من المعارضة المتشرذمة.

الغرب وبشكل واضح يتصادم مع الواقع، فبعد خفوت الغبار الذي أثاره تنظيم “الدولة”، فسوريا التي تظهر بعد الحرب لا تختلف من الناحية السياسية عن تلك التي كانت موجودة قبل الحرب. وهذا لا يعني خروج الأسد سالما وقادرا على فرض سلطته بدون ضوابط.

وبعد جولة جنيف التي عقدها عنان عام 2012 دخلت اللعبة الدبلوماسية في سلسلة لولبية من النكسات. وتميز موقف الاتحاد الأوروبي بالسلبية المفرطة أمام نزاع يدور في بلد مشارك في سياسة الجوار الأوروبية. وعلينا تذكر أن الحرب في سوريا هي التي قادت عامة 2015 لأكبر موجة لجوء هزت أسس الاتحاد الأوروبي وقادت إلى معاناة إنسانية ضخمة. ومع ذلك ظلت دول الاتحاد تجرجر أرجلها وفضلت البحث عن حلول جزئية، مثل الاتفاق مع تركيا بدلا من مواجهة المشكلة وبقوة. واليوم يظهر الارتباك الأوروبي بالمسألة السورية ، في وقت يقدم فيه الرئيس دونالد ترامب منظرا مخجلا من خلال دفعه بسحب القوات الأمريكية من سوريا. ويظل الوضع غامضا حول خطط أمريكا مواجهة التأثير الإيراني في سوريا ، وما هي طبيعة الضمانات التي قدمت للأكراد بعد مشاركتهم في الحرب ضد تنظيم “الدولة”. وفي النهاية يرى سولانا أن الغرب وبشكل واضح يتصادم مع الواقع، فبعد خفوت الغبار الذي أثاره تنظيم “الدولة”، فسوريا التي تظهر بعد الحرب لا تختلف من الناحية السياسية عن تلك التي كانت موجودة قبل الحرب. وهذا لا يعني خروج الأسد سالما وقادرا على فرض سلطته بدون ضوابط. إلا أنه وفي غياب البدائل ورغم ما ارتكبه من جرائم بدعم من إيران وروسيا فسيكون له دور في مستقبل سوريا، وعلى المدى القريب. ومن الواضح أن وقتا وجهودا استثمرت في السياسة الخطأ وهي تغيير النظام التي من الصعب التخلي عنها. ولكن لا خيار. وعلى الغرب التخلي عن وهمه ، والجلوس للتفاوض بجدية وعلى كل المستويات بشأن سوريا.

القدس العربي_ إبراهيم درويش

القراءة بين الإثراء المعرفي وقلق التأثر

لطالما كانت القراءة عبر التاريخ موضوعاً شائقاً وأثيراً تتناوله بالبحث والتحليل عشرات الأقلام، ويلهج بذكر فضائله ومزاياه الكثير من المفكرين والكتّاب، وتُحلّه الكتب السماوية في مكان الصدارة من سورها وفصولها وأسفارها. فالعهد القديم يستهل أسفاره المتلاحقة بعبارة «في البدء كان الكلمة»، في إشارة بالغة الدلالة إلى أن الكون برمته ما هو إلا كلمة الله التي تسبق التكوين وتضعه في خانة التحقق. وإذا كان الخالق قد علّم آدم الأسماء فليس لكي ينطقها فحسب، بل لكي يكتنه من خلالها آيات الوجود وأسراره ومعانيه. وليس أدل على تعظيم شأن القراءة في الإسلام من كون الوحي الإلهي قد استهل مخاطبته للرسول الأكرم بكلمة «اقرأْ» التي هي مفتاح فهم العالم وتبيُّن السبيل الحقيقي إلى تغييره وجعله مكاناً أفضل للعيش. كما يحيلنا الفعل الثلاثي «قرأ» في «لسان العرب» إلى معنى آخر يتعلق باللحمة والالتئام، حيث إن قراءة الشيء تعني جمْعه وضمّ بعضه إلى بعض. وقد سمي كتاب الله بهذا الاسم لأنه يجمع السور ويضمها في نسق أو سياق. وهو ما تؤكده الآية الكريمة «إن علينا جمْعه وقرآنه». لكن من اللافت أيضاً أن يتصل معنى القراءة بالولادة والإنجاب وبصناعة الحياة نفسها. فالقول عن امرأة حامل بأنها «ما قرأت جنيناً قط» يعني أن رحمها لم ينضمّ على ولد سوي إلا وأجهضه قبل أن يكتمل. هكذا يصبح للقراءة معنى الالتئام واكتمال الكينونة، ولغيابها معنى النقصان والتشوه وإجهاض الحياة. وثمة في لغة العرب ومعاجمهم، من جهة ثانية، ما ينأى بالقراءة عن الاطلاع والتصفح العابرين ليعطي القارئ معنى الناسك والقراءة معنى التنسك. وإذا كان لهذا الأمر من دلالة فهي أن القراءة في عمقها ليست مجرد تسلية أو تزجية للوقت، بقدر ما هي اختلاء بالآخر من خلال نصه ونتاجه الإبداعي. إنها تمثّلٌ وتفحّصٌ واستبطان ورياضة ذهنية وروحية وتمرينٌ ممتع وشاق على نشدان الحقيقة الأدبية والفنية. ولأن النص الإبداعي هو نص ملتبس وحمّال أوجه فهو يشي دائماً بنقصانه وينفتح على عشرات التفاسير والتأويلات، بما يتيح لقارئه أن يعيد اكتشافه من منظور مختلف وأن يصبح بالتالي شريكاً فاعلاً في كتابته.

يصعب تبعاً لذلك أن نتصور شاعراً أو روائياً أو فناناً كبيراً لا يولي القراءة جلّ اهتمامه ولا يمحضها ما تتطلبه من عناية ودأب بالغين. فالموهبة مهما ارتفع منسوبها تظل عرضة للتآكل والنفاد ما لم يسندها قدْر وافر من المعرفة والاطلاع اللذين يمدان الكاتب بما يلزمه من لوازم الحيوية والتجدد وتلافي الدوران على الذات. لكن السؤال الذي لا يكف المرء عن طرحه على نفسه هو: ماذا علي أن أقرأ في ظل قصر الحياة والغزارة اللامتناهية للكتب؟ فإذا كانت القراءة أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للكثيرين، حتى في ظل المنافسة غير المسبوقة لمحركات البحث وتكنولوجيا المعرفة الحديثة، فإنها تأخذ بالنسبة للمشتغلين بالكتابة والفن شكل الضرورة القصوى والممر الإلزامي الذي لا بد منه للولوج إلى عوالم الإبداع الغامضة والمعقدة. وإذا كان المشتغلون بالكتابة يجمعون على دور القراءة الهام في تطوير لغتهم وتجاربهم، فإنهم يبدون من جهة أخرى منقسمين حول أولويات قراءاتهم ومصادرهم المعرفية. فحيث بعض التشكيليين لا يقرأون شيئا يذكر خارج مجال التشكيل، يجهد البعض الآخر في إثراء المصادر المعرفية التي تسهم في إثراء لوحاته وأعماله البصرية عبر قراءة الشعر أو تتبع الأعمال السينمائية. وحيث بعض الشعراء لا يجدون أنفسهم معنيين بقراءة الرواية، التي يرون في لغتها الكثير من الحشو والمباشرة والترهل، يلح آخرون على قراءة الروايات بوصفها منجماً هائلاً للإلهام والتخيل وإثراء اللغة. وقد يكون محمود درويش، مثالاً لا حصراً، هو أحد أكثر الشعراء ابتعاداً عن القراءة التخصصية واهتماماً بالقراءات المتنوعة أو الشاملة. فهو يصرح في أحد حواراته الصحافية بأنه يقرأ كل شيء، بدءاً من التاريخ والفلسفة والفكر السياسي والرواية والفلك وعلوم الطبيعة، وصولاً إلى المعاجم والقواميس التي يعترف بأنه يجد متعة بالغة في تصفحها وتعقب اشتقاقاتها ووظائف مفرداتها.

على أن أكثر ما يلفت في هذا السياق هو تحول القراءة عند البعض، بما هي فكرة وإدمان وتجربة، إلى هاجس إبداعي ومحلاً للكتابة والتأليف. ولعل الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل هو التجسيد الأمثل لتحول الشغف بالقراءة إلى موضوع للتأمل والتمحيص والتأليف الأدبي عبر أعمال لافتة من مثل «فن القراءة» و«تاريخ القراءة» و«ذاكرة القراءة». ويعود هذا الاهتمام البالغ بالقراءة إلى كون صاحب «المكتبة في الليل» قد عمل قارئاً لبورخيس منذ كان في السادسة عشرة من عمره، بحيث أن ما اتخذه مهنة للعيش في مطالع حياته تحول عنده لاحقاً إلى مشروع حياة وإلى محل للافتتان والشغف الخالص. وفي كتابه «ذاكرة القراءة» يتحدث مانغويل عن اعتقاده بأن في كل كتاب نقرأه نوعاً من التواصل مع الآخرين الذين نحتاج إلى وجودهم للخروج من عزلاتنا المغلقة وبلورة هويتنا في العالم. وحيث كل كتابة تصون شيئا ما فإن «القراءة مطالبة باسترداد الحق في هذا الخلود الإنساني» الذي بدأه الكتّاب الموتى، أو من يطلق عليهم هوميروس تسمية «الأغلبية الصامتة»، وصولاً إلى يومنا هذا. أما الناقد الأميركي الشهير هارولد بلوم فيذهب في كتابه «فن قراءة الشعر» إلى القول بأن الهدف من القراءة هو إثراء الوعي المعرفي من جهة، والوقوف على الجمال الملغز للنصوص التي تمنحنا متعة اكتشافها من جهة أخرى. ويرى بلوم أنه لا يمكننا قراءة أي قصيدة دون تحديد علاقة الشاعر بأسلافه وكيف تتم عملية التأثر والتأثير بين شعراء العصور المختلفة. وهو ما يتصادى مع مقولة بورخيس التي ترى في كل كتابة جديدة نوعاً من العمل الاستعادي لما سبقت كتابته، وصولاً إلى القول بأن كل واحد من الكتاب يخلق عبر الكتابة، وعن وعي أو غير وعي، أسلافه الخاصين به. أما هنري ميلر فيقف بالمقابل على الضفة المضادة للقراءة الاعتباطية أو العشوائية، معتبراً أنها لا تتجاوز الخمسين تلك الكتب الملهمة التي تساعدنا على تجاوز أنفسنا وتحريرها من البلادة أو الانعزال. ويعترف ميلر في كتابه الشيق «الكتب في حياتي» بأن معظم النتاج الأدبي في العالم مؤلف من أفكار مستهلكة وبائسة، حيث يظل من دون جواب ذلك السؤال المعلق حول تقليص الفائض من «العلف الرخيص» الذي يُقدّم لغالبية القراء المغفلين. وإذ يخلص الكاتب إلى الاستنتاج بأن الأميين ليسوا بالقطع الأقل ذكاء بيننا، يقرر جازماً بأن ما يجدر بالمرء أن يفعله هو التوجه إلى المنبع الحقيقي للمعرفة، الذي لا يجسده الكتَاب أو المعلم، بل الحياة ذاتها.

قد لا يكون علينا، أخيراً، أن نضع الحياة والقراءة في خانتين متضادتين، أو أن نختار إحداهما على حساب الأخرى بشكل قاطع لا يقبل اللبس. فإذا كانت المشكلة في أساسها ناجمة عن قصر الحياة وعدم اتساعها لكل هذا الكم اللامتناهي من الكتب، فإن ثمة مجالاً لرسم الحدود بين ما ينبغي أن نكتسبه عبر القراءة والتحصيل النظري والمعرفي، وما ينبغي أن نختبره عبر التجربة المحسوسة والانغماس في العيش. فالحياة ليست معادِلة للواقع المرئي فحسب، بل هي تجد قيمتها المضافة فوق أرض التخيل والدهشة وتقصي المجهول. والحياة لا تُتذوق بالحواس وحدها، بل بنشوة الروح وفرح الحدوس الذي تساعده الكلمات على التفتح والانبثاق. لكلٍ منا بالطبع أن يبحث عن الطريقة الأنجع لتلقف المعرفة، وأن ينتقي ما يوافق طباعه ومزاجه من الكتب والمؤلفات والوسائط المعرفية المستجدة، ولكن علينا ألا ننسى في غمرة انهماكاتنا المادية أن الكتب هي «عيادة الروح»، كما كتب المصريون القدماء على مدخل إحدى مكتباتهم الكبرى، وأن أفضل ما مُنحناه، نحن المتأخرين في القدوم إلى العالم، هو الاستمتاع بما قدمه لنا أسلافنا السابقون من ثمار عقولهم المستنيرة ومحاصيل مكابداتهم الشاقة مع اللغة والحياة.

أما خوف الكتّاب والشعراء من التأثر بمن يرون فيهم مُثُلهم ونماذجهم العليا، فلا يمكن أن يُتلافى بالعزوف عن القراءة والاحتكام إلى الفطرة، بل بمنازلة من نتأثر بهم فوق حلبة المغايرة والاختلاف والسجال الندي. كما أن الكاتب الحقيقي لا بد أن يتخلص من شبْهة ما يقرأه ويحوله إلى مادة أخرى مغايرة، كما تذيب الشجرة ما تتلقفه من التربة والسماد وتحوله إلى ثمار شهية. ولعل الناقد الفرنسي جان ليسكور قد استطاع بحذق بالغ أن يعبر عن العلاقة الإشكالية بين القراءة والكتابة بقوله: «يجب أن ترافق المعرفة قدرة موازية على نسيانها. ونسيان المعرفة ليس نوعاً من الجهل، بل هو تجاوز صعب لها. وهو الثمن الذي لا بد من دفعه لجعل الكتابة بداية خالصة، والذي يجعل من خلْقها تمريناً على الحرية».

نقلا عن الشرق الاوسط

{تل الورد}… البلاد التي انتهك الجميع حرمتها

تتعاقب الأحداث وتتداخل، في رواية أسماء معيكل «تلّ الورد» الصادرة حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

و«تلّ الورد» في هذه الرواية لا يُراد به مكان له وجود على خريطة الأرض السورية، فهو حيّز متخيّل يرمز إلى البلاد كلها، مع أن اسم المكان شائع، ويطوي كثيراً من الدلالات الثرية، وفيه يتجسّد المصير المأساوي لعائلة «راغد المعرّاوي»، الأب التقيّ، والرجل الورع، الذي يرتبط بنسب بعيد بشيخ المعرّة أبي العلاء، ويعاني محنة موازية لمحنة سلفه العظيم.

ولئن لاذ السلف بعماه احتجاجاً على أحداث عصره، فقد استجار الخلف بالصمت معرضاً عن بلاد تناهبَتْها الأهواء والأطماع، ودنَّسها الاستبداد والإرهاب، وعاضدته زوجته «حسيبة اللاذقاني» في امتناعها عن قبول مرور الزمن، فأوقفت تياره منذ اللحظة التي أجبرها فيها ابنها على التوبة كونها من طائفة دينية أخرى، وعاشت في ماضيها الجميل، تمضع أحلام السعادة العائلية طعاماً يومياً، وقد حل النسيان في عالمها محل التذكّر. ولم تقبل، على الإطلاق، بزمن المنون الذي حكم مصير أسرتها، وقلب عاليها سافلها، فشغلت نفسها لسنين بحياكة ملابس زواج ابنها عمران كأنّ الزمن لم يمض بها، فتستعيد ذكرى بعيدة قبل تشتّت أسرتها كأنها واقع دائم الحضور، فحسيبة نظيرة «أورسولا» في رواية «مائة عام من العزلة» لماركيز، لكنها عملت على وقف الزمن قصداً، والأخذ بالنسيان عمداً، وهي في منتصف عمرها، فيما وقعت أورسولا ضحية نسيان كامل جراء تخريف الشيخوخة، وقد جاوزت مائة عام من عمرها.

بين أب احتجّ بالصمت على المهانة التي حلَّت به وببلاده، وأمّ انطوت على نفسها مما شاهدته وعرفته، كشفت رواية «تلّ الورد» عن مصير ثلاثة من الأبناء: ابنة وابنين. ثبتت الابنة باهرة، وقاومت الآثار الهائلة التي تعرّضت لها، وعانت من اغتصاب الأنصار والخصوم لها، وقد تمرغ على جسدها الإرهابيون وأزلام النظام، وتناوبوا عليها في فتك وحشي لعفافها من غير رحمة، وكأنها المكافئ السردي لسوريا في انتهاك الجميع لحرمتها، وكانت تنال من مغتصبيها بالاغتيال. أما الابنان: عمران وربيع، فهما الأمثولة السردية للشباب السوري الذي باغتته الأحداث، فهرب منها، أو انجرّ معها، في خيارين كلاهما شديد المرارة، وما ثبت أنه مفيد لأحد.

وفي تفاصيل الرواية، يلوذ عمران برفقة زوجته كافي وابنه حيان بتركيا حيث ظن أنه سيعتصم بها إلى أن يحل السلام بسوريا، لكن الملاذ الذي استجار به جزّ آماله جزّاً، وفيه تآكلت أحلامه بالسعادة والأمن، فقد أرسل ابنه بمعية المهربين إلى هولندا، وهو دون العاشرة، ليتولى جمع شمل الأسرة بعد محنتها، وبلغها فعلاً بعد أشهر من الأسفار الصعبة بين البلاد الأوروبية قبل أن ترأف به عائلة في هولندا، وتؤويه، بانتظار أن تلتحق به أسرته. وفي ظل غياب الابن – الأمل تفكّكت العلاقة بين الأبوين، فأدمنت الأم الشابة تعذيب نفسها بالوشم، ووخزه بالإبر تعبيراً عن القلق النفسي، واستعذبت ذلك، واستحلّته، ثم استغرقتها هلاوس دينية بالطهارة جرّاء الاغتصاب الذي أخفته عن زوجها بعد أن تعرضت لاغتصاب جماعة من الأوباش الأتراك، فتوهمت النقاء المطلق بعد أن جرى اغتصابها، فراحت تكافح أوهام العفاف الجسدي والروحي في عالم صرف اهتمامه بها، فيما غاص عمران في بوهيمية فردية طوال السنوات التي قضاها في تركيا، ولاذ بالمخدّرات، والتهريب، والإدمان على مشاهدة الأفلام الماجنة، يعالج بذلك توتراً أصابه بسبب انقطاع أخبار ابنه حيان عنه، وسقوط زوجته في «المازوكية» التي أحالتها إلى شبح امرأة، طوال وجودهما في إسطنبول.

وحينما التحق الأبوان بابنهما في هولندا، بعد سنوات طويلة، إذا بالفتى المراهق قد نشأ على غير ما تخيله له أبوه وأمه، وما لبث أن توارى عن الأنظار في مشهد يوحي بأنه رمى نفسه في البحر. وقد اختار الابتعاد عن أسرته التي جاءت بأعرافها وقيمها وعاداتها إلى مجتمع يختلف عنها بكل ذلك. زاد هروب الابن من علل الوالدين، فانهارا جراء فقدان حلمهما في فيافي الغرب، وعادا يائسين إلى تلّ الورد في رحلة معاكسة للطريق الذي سلكه الابن، يجرّان أذيال الخيبة، وهما أشبه بالحطام، إذ دُفنت كافي في ظل شجرة الزيتون حيث دفن المعرّاوي من قبل، وهي الشجرة الوحيدة الوارفة في تل الورد بعد أن جفت سائر الأشجار، فكأنها تتغذّى من رفاته.

فيما كان مصير الأخ الأصغر ربيع أكثر مأساوية، فجراء أعمال قمع الثوار السلميين، والتنكيل بهم، ترك عمله شرطياً، والتحق بالثورة، وحينما اخترقتها الجماعات الدينية المتطرّفة انضم إليها، وبالغ في تشدّده المذهبي، وجعل من أسرته موضوعاً لتطبيق رؤيته السلفية الضيقة، فحاكم أباه المعرّاوي لامتناعه عن دعم «المجاهدين»، وذوده عن قبر أبي العلاء، فألقاه في السجن لامتناعه عن تقديم العون للقتلة، واتهمه بعبادة القبور، وأُجرِيَت له محاكمة انتهت بتكفيره وقتله، ورمى جثته أمام بيته، وأرغم أمه على الاستتابة، والتبرّؤ من طائفتها كونها تنحدر من أصول بعيدة في جبال اللاذقية. وعلى خلفية من هذا العقوق لازم الأب الصمت، وامتنعت الأم عن قبول الزمن الذي تعيش فيه، وقد فُجِعا بابنهما يقترف آثام الجحود بحقهما من غير شعور بالعار. خاض ربيع تجربة الجهاد الديني بحذافيرها، وآمن بها إيمان التابع الأعمى لأمراء الجهاد، وانتهى معاقاً، وعاجزاً، مقطّع الأوصال، يعالج في إحدى المشافي التركية، ويعاني أهوال الذل والهوان، وهو يحلم بحوريات الجنة فيما كان جسده كسيحاً.

وبقليل من التأويل يصحّ القول إن عائلة المعرّاوي في رواية «تلّ الورد» مرآة «تمرأت» على سطحها ويلات مجتمع ضربته الفوضى في صميمه، وأحالته حطاماً كاملاً، أو بتعبير الرواية جعلته «حبطراش»، وهو عنوان آخر فصول الرواية. و«حبطراش» لفظة شائعة في المحكيّة السورية تدلّ على الخراب الذي لا سبيل لإعادة بنائه، والدمار المتعذّر إصلاحه، وبهذا المعنى المخصوص وردت في سياق الرواية بما يكشف مآل البلاد السورية بعد المحنة التي عصفت بها، فالفصل الأخير هو ذروة الأحداث حيث تنطمر «تل الورد» تحت الأحداث، ولا يتجول في طرقاتها المهجورة إلا المجانين من أكلة لحوم البشر، ولا يرى غير الحطام الذي شمل كل شيء فيها جرّاء الأعمال العسكرية. وفي اتصال قوي بفكرة الازدهار والأفول بدأت الرواية بالزهور والعطور، والشذى والأريج، وانتهت بروائح الموت من نتانة الجثث المجهولة، وعفونة البيوت المهجورة، والتهمت المقبرة الصغيرة بجوار بستان المعرّاوي القرية كلها، حتى أمست تل الورد مقبرة لا يحدها حدّ، ولا يحيط بموتاها عدّ.

لا يوجد في رواية «تل الورد» بطولة فردية، فقد جعلت الكاتبة من جميع شخصياتها أبطالاً، ولكل بطل قصته الفاجعة، ومصيره المأساوي الذي لم يختره، بل سيق إليه رغماً عنه، بفعل الأحداث التي عصفت بالبلاد والعباد، فقد تلاعبت الأقدار بالناس البسطاء الذين دفعوا ثمن نزاع لم يكونوا طرفاً فيه، ولتكون «تل الورد» بأهلها معادلاً موضوعياً لسوريا كما هو واقعها الآن. وقد ابتعدت الكاتبة في سردها الشائق عن الأدلجة والتقريرية، أو ما تذهب إليه الروايات حينما تتناول مثل هذه الموضوعات من طريقة وثائقية وتسجيلية، وركزت على معاناة الجميع في ظل الحرب، فالحروب الأهلية لا رابح فيها. الكل خاسرون.

 

نقلا عن الشرق الأوسط

معرض بيروت للكتاب يبدأ فعاليته اليوم

تبدأ اليوم في العاصمة اللبنانية، الدورة الجديدة من فعاليات معرض بيروت الدولي للكتاب، التي ستستمر حتى السادس عشر من هذا الشهر.
هذه هي الدورة الثانية والستون للمعرض، وتقام في مركز «سي سايد آرينا» (البيال) وسط بيروت، وينظمها «النادي الثقافي العربي» منذ انطلاقة المعرض، الذي يعد أقدم معرض كتاب عربي 1956.
ويبلغ عدد دور النشر المشاركة في هذه الدورة 235 دار نشر من بلدان عربية وأجنبية، ويبلغ عدد الدور العربية 170 داراً والأجنبية 65. أما البلدان العربية المشاركة فهي الكويت، وسلطنة عمان، مصر، والسودان، ولبنان، وسوريا، وأما الأجنبية فأوكرانيا، وإيران، وتركيا وقبرص.
وتقدم خلال المعرض عدة ندوات منها، مناقشة كتاب «سير عشر جامعات حكومية عربية» الذي صدر عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» ويشارك فيها كل من الأكاديميين كامل برهم، وفارس أشتي، وعزة سليمان، وعدنان الأمين، وخالد زيادة. وندوة بعنوان «الطيب صالح في عيون الأجيال»، تستعرض تجربة الروائي السوداني الشهير من خلال شهادات نقدية مختلفة يشارك فيها فضيلة الفاروق وأبو بكر سوار الذهب وسمر خيري وسهير قوبر ونوال الحوار. وهناك أيضاً محاضرة حول الشاعر أدونيس عنوانها «هذا هو اسمي» يشاركه فيها الإعلامي بيار أبي صعب، ولقاء آخر بعنوان «أنا الموقّع أدناه» وفيه استعادة للشاعر محمود درويش يشارك فيها الروائي الفلسطيني يحيى يخلف.
وخصص المعرض الاثنين المقبل يوماً لذكرى كمال جنبلاط ويتضمن قراءات شعرية وتواقيع كتب حول سيرة وتجربة جنبلاط وعرض فيلم «الشاهد والشهادة» للمخرج هادي زكاك، ترافقه ندوة تتناول فكر جنبلاط.

 

نقلا عن الشرق الأوسط

الروائية السورية أسماء معيكل تعالج بالسرد حال بلادها في «تل الورد»

صدرت حديثا رواية بعنوان «تلّ الورد» للروائية السورية أسماء معيكل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، وجاءت موزعة على العناوين التالية: جنّة الورد، ربيع بلا زهور، في بيت آل عثمان، هبّات ساخنة، العبور إلى أرض الأحلام، الدكتور، جواز سفر إلى الجنة، العودة، حبطراش».

ختمت الكاتبة روايتها بفصل هو ذروة الرواية، وجاء بعنوان «حبطراش»، وحبطراش لفظة مستخدمة في اللهجة الشامية، تحيل على الخراب الذي لا سبيل لإصلاحه. وفي اتصال قوي بفكرة الازدهار والأفول بدأت الرواية بالزهور والعطور، والشذى والأريج، وانتهت بروائح الموت من نتانة الجثث المجهولة، وعفونة البيوت المهجورة، والتهمت المقبرة الصغيرة القرية كلها. بدأت الرواية بتل يزهو بالورود، وربيع يخلب الألباب، وشخصيات طافحة بالزهو والكبرياء، وانتهت بحطام كامل «حبطراش».
صوّرت الرواية حياة عائلة راغد المعرّاوي وزوجته حسيبة اللاذقاني، وأبنائه عمران وربيع وباهرة، وكنّته كافي زوجة عمران وحفيده حيّان، وهي تعيش في قرية افتراضية تدعى «تلّ الورد» حياة مطمئنة هادئة، ما لبثت أن اضطربت لتتشظى العائلة ويلقى أفرادها مصائر متقاطعة تشبه مصائر الشخصيات في الملاحم القديمة. وقد مهّدت الكاتبة في الفصل الأول، جنّة الورد لطبيعة الحياة التي كان يعيشها الناس في تل الورد، البلاد التي تشبه الجنة بأشجارها وورودها وعلاقات المحبة والتآخي والتعاون بين أهلها، لكنها كشفت من جانب آخر عن وجود بؤر عميقة كامنة، سرعان ما ستنفجر وتشتعل مثل النار في الهشيم، ليتحول السكون والهدوء والوداعة التي كانت تحياها تل الورد وأهاليها إلى اضطرابات وفوضى عارمة بدأت سلمية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى عنف غير مسبوق، بعد أن سفكت الدماء، فعمّت الفوضى، وتشتت الأسر بين مؤيد ومعارض لما يحدث، ولم تنج عائلة المعراوي من هذا الصراع، فقد وجد المعـــراوي ابنيه على طرفي نقيض الأول ربيع الذي دُفع للانشـــقاق عن المخفر الذي كان يعمل فيه بعد تعرضه للاعتقال والتعذيب، لأنه رفض إطلاق النار على أبناء قريته، ومضى ليصنف على أنه إرهابي، والثاني عمران الذي لم يكن يرغب في أن يكون طرفا في هذا النزاع، لكنه وجد نفسه في الطرف النقيض لأخيه، وأمام هذا المأزق ما كان من المعراوي وزوجته حسيبة بتشجيع عمران وعائلته الصغيرة إلا النزوح، فالوالدان لا يرغبان برؤية أحد أبنائهما يقتل الآخر.

ختمت الكاتبة روايتها بفصل هو ذروة الرواية، وجاء بعنوان «حبطراش»، وحبطراش لفظة مستخدمة في اللهجة الشامية، تحيل على الخراب الذي لا سبيل لإصلاحه.

فرّ عمران مع زوجته وابنه الصغير تحت جنح الظلام إلى تركيا، وانتهى الأمر بتسليم ابنهما حيان للمهربين ليلقوا به بين العشرات في قارب عرض البحر ليخوض رحلة النزوح إلى أوروبا، وليكون وسيلة لإنقاذ والديه. وبالتزامن مع وجود عمران وزوجته في تركيا، تعود الكاتبة لتكشف ما حل بتل الورد عبر شخصية الأخت الكبيرة باهرة الشاهدة على مصائر فاجعة لبقية أفراد العائلة، ولم تنج هي من أكثر المصائر قتامة، فبعد أن كانت الفتاة التي يتمنى كل شاب في تل الورد أن يقترن بها، فقدت عذريتها على يد مجهولين اختطفوها في وضح النهار واغتصبوها، ثم تعرضت للاغتصاب أكثر من مرة من قبل أطراف متعددة، ولم تجد من يذود عنها. وكانت شاهدة على اعتداء أخيها ربيع على والدتها وإجبارها على توقيع ورقة الاستتابة بعد أن صار متطرفا، ورأى في أمّه مارقة عن الدين، لأن أصولها تعود إلى جبل العلويين، ما نتج عنه صدمة أفقدت الأم عقلها وأسلمتها للنسيان، فلم تعد تذكر أي شيء بعد حادثة الاستتابة وأن لها ابنا اسمه ربيع، وانكفأت لتعيش في وهم عرس ابنها المهاجر عمران، الذي تجهّز له وهي تقبع خلف ماكينة خياطتها القديمة، كما شهدت باهرة اعتقال والدها على يد الجماعات الدينية المتطرفة، ليعاد إليها بعد أيام شبه جثة هامدة ملقاة أمام باب الدار، ولتكتشف بعد أن يتعافى أنه دخل في الصمت الذي لن يخرج منه حتى وفاته.
ومع «فصل الجنون ورحلة العبور إلى أرض الأحلام» نتعرف على الجنون الذي أصاب كل من عمران وكافي بعدما تعثر لم الشمل مع ابنهما، ما جعلهما ينتقلان إلى أسطنبول استعدادا للسفر، لكن الأمد طال إلى سنوات، وتعثر لمّ الشمل. لم تعترض كافي على إرسال وحيدها للموت بعدما تعرضت له من اغتصابات لم يدر عنها أحد ولا حتى زوجها، وجعلتها تذبل وهي منكفئة على آلامها، فصارت ترى في عــــلاقة زوجـــــها بها نوعا من الاغتصاب، ثم بدأت تعذب نفسها، فراحت تمعن في وخــــزه بالإبر ووشمت كل جـــزء فيه، كما أدمنت زيارة الأولياء والصـــــالحين، بينما انخرط عمران في أعمال غير مشروعة من تهـــريب وغيــــرها وصار يدمن الشراب والنساء الرخيصات والأفلام الإباحية، بعد أن استعصت عليه زوجته، فلم يعد بإمكانه أن يقربها.
تنقلنا الكاتبة في فصل «الدكتور» إلى حيان الذي لا يتجاوز عمره عشر سنوات، لتصوره وهو يستعيد حياته الماضية ورحلة الموت إلى أوروبا ويعاني الأهوال إلى أن يصل إلى هولندا ليجد نفسه في معسكر للّاجئين، ولتتلقفه أسرة، فيجد نفسه محاطا بعائلة جديدة غير عائلته، تختلف عنها في كل شيء، ولتبدأ معاناته بعد أن صار فردا في أسرة سيدتها صارمة ومنظّمة، بعد أن كان طفلا مدللا يفعل ما يحلو له، ثم ليندمج فيها بعد أن يتعثر لمّ الشمل مع أهله لسنوات، لكن الطفل الذي صار فتى مراهقا لم يحتمل طريقة التفكير التي صعقته من قبل والديه، فقرر الهرب بعيدا إلى مكان مجهول.

لم تعترض كافي على إرسال وحيدها للموت بعدما تعرضت له من اغتصابات لم يدر عنها أحد ولا حتى زوجها، وجعلتها تذبل وهي منكفئة على آلامها، فصارت ترى في عــــلاقة زوجـــــها بها نوعا من الاغتصاب.

وفي فصل «جواز سفر إلى الجنة» تظهر شخصية ربيع، فإذا به في أحد المشافي في تركية، يخضع لعمليات جراحية بعد أن أصيب في الحرب، ونقل إلى ذلك المشفى، ونتج عن إصابته عجز كامل فتحول إلى شاب مبتور الساقين، وفاقد لذكورته، يحيا في مأوى للعجزة، ويتذكر حياته الماضية منذ أن كان طفلا وسيما ووديعا يخشى رؤية الدم، مرورا بتطوعه في سلك الشرطة، ومن ثم ذهابه مع الثائرين، وانضمامه إلى مجموعة متطرفة ليصبح بتر الرؤوس متعة لديه معتقدا أنه بذلك يمحق الكفرة، ويتشبع بفكرة الشهادة وأن ما يقوم به هو الجهاد، ثم محاكمة والده بتهمة ملفقة، وإرغام أمه على التبرّوء من طائفتها، وعدم فوزه بالشهادة والجنة، وانتهائه حائرا في المصير الذي آل إليه، فلا هو حي ولا ميت، وإنما لم يبق له من كل ما قام به سوى اللقب الذي خلعوه عليه أبو المثنى، فحتى اسمه الحقيقي ربيع ضاع لأنه في تل الورد هو في عداد الأموات، وفي تركية حي بلا هوية. ويأتي فصل «العودة، خوض عمران وكافي رحلة عودة من هولندا إلى سوريا، وهما محملان باليأس، وخيبة الأمل، وفي طريق العودة تزداد حالة كافي سوءا، وتزداد حالة عمران يأسا وإحباطا وهو يشاهد الدمار الذي طال بلاده، وفي كثير من الأحيان كان يخيل له بأنه سيفقد زوجته على الطريق ولن يصل بها إلى تل الورد حية، لكنها لفظت أنفاسها الأخيرة على مشارف القرية، ودفت في مقبرتها.
ختمت الكاتبة روايتها بفصل «حبطراش» حيث يلتقي فيه عمران بأخته باهرة فلا يتعرف أحدهما على الآخر في البداية بعدما تغيرت أحوالهما، وبدا وكأن واحدهما قد شاخ قبل الأوان، ثم يتعرف على حال أمه الصادم إذا لا تتعرف عليه وتتحدث معه بوصفه غريبا وتبقى ذاكرتها معلقة بابنها عمران ذلك الشاب الوسيم الذي تستعد لعرسه، بينما هو ماثل أمامها، وتعلمه باهرة بمصير والده ووفاته صامتا، ثم تصحبه في طريقها لملء الماء ليكتشف الدمار الذي طال تل الورد كلها فغير معالمها، كل شيء مدمر، ورائحة الموت حلّت مكان رائحة تل الورد التي كان يعرف قريته منها ويميزها عن جميع روائح القرى والبلدان المجاورة، كل شيء تحول إلى ركام، لتنتهي الرواية بهذه النهاية الفاجعة فكل شيء استحال إلى حبطراش.

نقلا عن القدس العربي

أدب اليافعين في العالم العربي.. رعاية جيل بالخيال والكلمة

استلهاما للطفرة التي عرفها الأدب الموجه لليافعين في الغرب، انفتح العالم العربي خلال السنوات الأخيرة على تجارب حققت تراكما أوليا في هذا المجال، جسدته روايات لكتاب وكاتبات من المغرب والمشرق.

وشجعت أدب اليافعين جوائز كبرى، على غرار جائزة “كتارا“، التي أحدثت منذ دورتها الثالثة في 2017 فئة جديدة تعنى بروايات الفتيان غير المنشورة، التي تستهدف جمهورا تتراوح أعماره بين 12 و20 عاما.

وترى الكاتبة والأكاديمية الأردنية سناء شعلان الكتابة للفتيان “حرفة مشاركة في بناء النشء الذي يعوّل عليه في القادم المشرق، ولذلك لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أمدّ يدي للمشاركة في بناء الإنسان عبر الكتابة لليافعين”.

وتسجل الروائية الفائزة بجائزة كتارا 2018 بأسف أن هذا الجنس الأدبي التربوي لا يزال فنا يشق دربه بصعوبة وتعثر في المشهد الأدبي العربي، وسط حالة من الفوضى والتأخر في إدراك أهمية هذا الفن، وقلة الخبرة فيه، وتخبط التجارب، “لا سيما أن الكثير ممن يدخلون هذا البحر لا يملكون من مهارات الكتابة فيه أكثر من رغبتهم في هذا الحقل لاعتقادهم المغلوط بأنّ الكتابة في هذا الجنس سهلة ومغفورة الزلّات، ولا تحتاج إلى الكثير من الملكات والأدوات والخبرات”.

وفي مقاربتها لخصوصية هذه الكتابة على مستوى الأسلوب والمواضيع، تشدد سناء شعلان -صاحبة رواية “أصدقاء ديمة” الفائزة بجائزة كتارا، إلى جانب أربعة كتاب آخرين- على أن هذا الفن يحتاج إلى مبدع مدجج بالمعرفة والثقافة العامة والخاصة، التي تؤهله للدخول في عوالم الطفل بأبعادها جميعاً، مع القدرة على التعاطي معها بذكاء وحرفية، مع وجود خطة تربوية وأخلاقية وجمالية واضحة ومتسقة.

وتؤمن أستاذة الأدب الحديث بالجامعة الأردنية بأن تشجيع هذا النوع من الأدب يحتاج ابتداءً إلى خطط وطنية ومؤسساتية من أجل خلق ذراع ناشرة لهذا الأدب، ومن ثم تسويقه وترويجه، إلى جانب تنشيط المؤسسة التربوية والأسرية لتبدي اهتمامها بتقديم هذا الأدب للطفل واليافع، وتوفيره له في المدرسة والبيت والمكتبات والأسواق، بما يلفت نظره، وينال اهتمامه.

من جهته، يرى الناقد والجامعي ابراهيم الحجري أن رواية اليافعين، أو السرد الخاص بهذه الفئة العمرية، تأخذ سماتها من مجموعة الميزات التي تخص مرحلة من السن مفصلية، ومن الصعب القبض عليها؛ فاليافع حساس جدا، وتكون حاجته إلى التقدير والاعتبار مفرطة، فهو في مرحلة بينية تجعل وضعه التصنيفي متأرجحا بين الطفل والراشد؛ فيكون أحوج إلى إثبات ذاته، ولو من خلال كسر المعتاد، والتهجم على النظم الثابتة.

يرى أن هذا النوع من الكتابة أصعب أنواع الإبداع، باعتبار أنها توجّه للمراهقين، وتزداد صعوبتها بتعقد طبيعة الجيل الجديد المدمن على الويب، العازف عن القراءة.

يقول الحجري إن هذا النوع من الكتابة السردية لم يحظ بالعناية اللازمة، كما أن عدد المتعاطين لها والمتخصصين فيها يحصون على رؤوس الأصابع، وتلاقي أعمالهم جفاء في سوق التداول لغياب أفق قرائي ومدرسي محفز على المطالعة الحرة.

نادية السالمي: نشر الكتب الخاصة باليافعين لا يثير اهتمام إلا القليل من الناشرين في العالم العربي (الجزيرة)

غياب الدعم
لذلك، يرى أنه في غياب دعم مؤسسي يشجع الكتاب، ويدعم نشر أعمالهم وقراءتها، وتكوين فرق متخصصة في مجال المراهقة؛ في أبعادها الاجتماعية والنفسية، لمراجعة هذه الأعمال، وتدقيق نظامها اللغوي والقيمي والسيكولوجي، ودفع المنظومات التربوية لإقحام مثل هاته الأنشطة ضمن المقررات والبرامج الدراسية؛ ستبقى جهود هؤلاء الكتاب معزولة.

وفي المغرب، تقدم الكاتبة والناشرة نادية السالمي تجربتها في دار النشر “يوماد” التي تكاد تكون الوحيدة المتخصصة في إصدار كتب خاصة باليافعين، بينما يفترض أن تكون مثل هذه الدور بالعشرات -على حد قولها- قياسا بالأغلبية الشابة للمجتمع المغربي.

وبالنسبة لها، فإن النهوض بأدب اليافعين لا ينفصل عن الحاجة إلى سياسة اجتماعية حقيقية تنبثق من وعي جاد لدى المسؤولين السياسيين بأهمية تقريب الكتاب لليافعين، كما تضع الأصبع على دور ومسؤولية الإعلام، خصوصا العمومي منه، داعية إلى تطوير برامج ثقافية تنمي خيال الشباب وتعزز علاقتهم بالأدب والكتاب بوجه عام، بدل هيمنة “برامج الاستبلاد والسطحية”.

وتلاحظ السالمي أن نشر الكتب الخاصة باليافعين لا يثير اهتمام إلا القليل من الناشرين في العالم العربي الذي لا ينتج إلا قدرا لا يذكر من هذه الإصدارات قياسا إلى الوضع العالمي، وهو ما يضاف إلى مؤشرات أخرى تكرس الوضع الهامشي لليافعين في الفضاء العام.

وتخلص السالمي إلى ضرورة تأهيل النظام التعليمي كقاعدة لأي تطور اجتماعي وذاتي، تضع الكتاب ضمن الانشغالات اليومية لليافع. والتلفزيون واجهة أساسية لتفعيل مشروع من هذا النوع، على اعتبار أنه يدخل كافة البيوت.

المصدر : الجزيرة

لا تكن أسيراً!

العرب _ العنود آل ثاني

«قررت أن أترك عملي! فهو لا يناسبني أبداً، سوف أغيره وأنتقل إلى مكان آخر أعطي فيه أكثر، وأشعر فيه بالراحة والإنجاز»، هذا ما تردده إحدى الأخوات منذ زمن، ومضت السنوات ولم تفعل ما أرادت!
إن بعض القرارات قد تكون صعبة وتبعث المخاوف في نفوسنا، ولكنها تحررنا من الملل والروتين، وتكشف لنا طرقاً أخرى، وفرصاً جديدة، ومهما كانت المغامرة فإنها جديرة بالتجربة، لنتخلص من بعض القيود.
فلا تكن أسيراً لشيء، تحرر.
لا تكن أسيراً لمخاوفك، فالخوف يعرقل كل شيء، ويجرّك إلى الوراء، خاصة عند اتخاذك للقرارات، فالإنسان يعشق أن يعيش في دائرة الأمان التي صنعها لنفسه، ويخشى أن يتعدى حدودها، ولكنه لن يتقدم ولن ينجز إذا استسلم لمخاوفه!
كثيراً ما نلتقي مع أشخاص يعيشون في الماضي ويحلمون بعودته، ويأكلهم الندم على فرص أتيحت لهم في ذلك الماضي ولم يقوموا باستغلالها، كثير منا يسترجعون ماضيهم وترتسم على وجوههم ابتسامة باهتة، ويتألمون على رحيله! يفعلون ذلك ولا يدركون أن يومهم الذي يعيشون فيه سيصبح ماضياً غداً، وهم يملكون يومهم ويملكون خيارات جديدة ومتعددة لرسم حياة جميلة، ولكنهم لا ينتبهون لذلك، لانشغالهم بما مضى وتذكرهم لما مضى، يشعرون فقط بالألم على ما فاتهم، ويتمنون رجوعه! ويضيع يومهم دون أن يدركوا قيمته!
لا تكن أسيراً لأفكارك، جدّد منها، وطوّرها، لا تتعلق بأحلام قديمة قد لا تتحقق!
جدّد أحلامك، ولا تكن متعلقاً بالماضي وأسيراً له، فتفكيرك في الماضي جدير بأن يضيع منك لحظات يومك التي تعيشها الآن، ويمضي يومك دون تحقيق أي شيء.
جدّد أفكارك وأحلامك وحياتك، فكل يوم هو فرصة جديدة وجميلة لتحقيق ما نريد والوصول للرضا والسعادة.
لا تكن أسيراً لكلام الناس، تحاسب وتخشى من انتقاداتهم، فالناس مجرد بشر وأحكامهم مؤقتة وصادرة من نفوس مختلفة، فمنهم الحاسد ومنهم المبغض، ومنهم من لا يفقه شيئاً ولكنه يحب إصدار الأحكام وانتقاد الآخرين، ربما لإثبات وجوده وملء النقص الذي يشعر به، ومنهم من يكون ناصحاً ومحباً ولكن مستوى وعيه قليل، وأنت تفوقه في الوعي، فيجب ألا تكون أسيراً لهؤلاء، وامض قدماً في طريقك.
كثير من أسرى العقول حولنا، من أسرتهم أفكار معينة، وعاشوا في عالم ضيق، وأصدروا أحكامهم على الآخرين، وهم بشر والآخرون بشر، فكلنا معرضون للأخطاء، ليس من حقنا أن نصدر أحكاماً مزعجة وننتقد وقد نجرح، وقد نهمز ونلمز ونغتاب ونسبّ ونسخر، ونذكر آراءنا ونصدّقها وكأنها وحي من السماء، وليست من صنع عقول البشر، ومن يخالفنا فهو ضال حتماً، نغضب منه ونعاديه!
ويبقى الأجمل لنا أن نعيش لأنفسنا نحاسبها ونراقبها، ونرقى بها ونحررها من كل شيء قد يبعث الشرور فيها!;

المصدر : العرب

الملاح التائه

إذا أردت أن أكتب عن شعر قرأته يوما، وكان من دأبي التصفح فيه بشكل تميق بين الحرف والكلمة، بين البيت والبيت بين النثر والقصيدة، إلى الطريقة والنهج وإلى ما وراء الكلام من بواعث النفس الشاعرة وداوفع الحياة فيها وعن أي أحوال في النفس تصدر هذه المشاعر، وأيها يتسبب بالإلهام، وفي أيها يتصل الوحي وكيف يتصرف بمعانيه ويسترسل في طبعه.
انظر في قريحته وذكائه وفكره والملكة النفسية البيانية لديه، وهل هي متعسفة تملك البيان من حدود اللغة في اللفظ إلى عالم البيان في المعنى، ملكة يمتلكها بقوة ورصانة أو ضعيفة رخوة ليس معها إلا الاختلال والاضطراب وليس لها إلا ما يحمل الضعيف على طبعه المكدود كلما عنف به سقط به؟
أتبين كل هذا في كلام علي طه وشعره، أقرأ من الشعر ثم أزيد عليه انتقاد بما كنت أصنعه أنا لو أني عالجت هذا الغرض أو تناولت هذا المعنى بنفسي ثم أضيف إلى ذلك كله ما أثبته من أنواع الاهتزاز التي يحدثها الشعر في نفسي.
إذا نافرت المعاني ألفاظها واختلفت الألفاظ على معانيها قال إن هذا في الفن، هو الاستواء والاطراد والملائمة وقوة الحبك، وإذا عوض وخانه اللفظ والمعنى وأساء ليتكلف وتساقط ليتحذلق، فقد يأتيك على أنه أعلى من إدراك معاصريه وإن عجرفة معانيه هذه آتية من أن شعره من وراء اللغة ومن وراء الحالة النفسية ومن وراء العصر من وراء الغيب،…..

كأن الموجود في الدنيا بين الناس هو ظل شخصه لا شخصه، والظل بطبيعته مطموس مبهم لايبين إبانة الشخص وإذا أهلك الشاعر الاستعارة وأمراض التشبيه وخنق المجاز بحبل قال إنه على الطريقة العصرية وإنما سدد وقارب وأصاب وأحكم وإذا سمى المقالة قصيدة قصدية وخالط فيها ركاكة قال هذه وحدتها .
وديوان الملاح التائه روح قوية فلسفية بيانية تؤتيك الشعر الجيد الذي تقرؤه بقلب وعقل وذوق, إنه متين رصين بارع الخيال واسع الإحاطة يصعدك بمحيطها ويهبط ملتفا مندمجا موزونا مقدر.
أسلوبه جزل وللغته لون خاص من ألوان النفس الجميلة يزهو زهوه .
وأسلوب علي طه بالغ في الاتقان متعمق في أسرار الألفاظ وماوراءها، وتلك هي الروهة البيانية التي تكون وراءالتعبير وليس لها اسم في التعبير،
يا قلبـــ عنـــدك أي أســـرار
ما زلـــن في نشـــر وفي طيـــ
ياثـــورة مشــــبوبة النــار
أفلقت جسم الكائن الحي
أسر الجمال وريقة الحب
وتلفت المتكبر الصلف
عن ذلة المقهور في الحرب..
وأخيرا تظهر في هذا الديوان جديدة الجمال في كل صباح لأن وراء الصباح مادة الفجر وكذلك القصائد من نفس الشاعر.
مجلة الحدث – محمد اسماعيل

الشاعر الأسير العدد الثالث والعشرون من مجلة الحدث “تموز/ يوليو” أدب

حديثنا اليوم عن أبي فراس الحمداني وقصيدته الشهيرة (أراك عصي الدمع ) إحدى أبرز القصائد في الشعر العربي هو ابن عم سيف الدولة أمير حلب , ولد في الموصل سنة 932 م . قتل أبوه وهو ما زال في الثالثة من عمره ، فعاش تحت رعاية ابن عمه سيف الدولة ونشأ في بلاط الحمدانيين في حلب بين نخبة مختارة من رجال العلم والأدب . فكان شاعرا وكاتبا وفارسا
قاتل الروم مع سيف الدولة ، وأُسر في إحدى مواقعه معهم . ثم فك أسره ووقع نزاع بينه وبين أبي المعالي ابن سيف الدولة الذي قضى عليه في إحدى المعارك . وهكذا مات وعمره 37 .
الأبيات التي بين أيدينا أخذناها من ” روميّات ” أبي فراس ، التي نظمها الشاعر خلال أسره في بلاد الروم وأرسلها إلى ابن عمه سيف الدولة ( بسبب التباطؤ في فدائه ) ، وهي كيوميات سجّل فيها الشاعر تأثره بالفرقة والأسر والغربة ، وكذا فخره بنفسه واشتياقه لأيام الحرية والرغد والفروسية
أبيات رائعة في الحكمة والشجاعة والشوق، صار بعضها مثلا سائرا بين الناس ، إليكم بعضاً منها:
أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ * أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة * ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى * وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ
تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي * إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ
معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ * إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ !
حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا * و أحسنَ ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ ، العذرُ
و ما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ * لأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ
بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ً * هوايَ لها ذنبٌ ، وبهجتها عذرُ
تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ لي * لأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَة ٍ، وَقرُ
بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني * أرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ
وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ * وإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ

يقولونَ لي : ” بعتَ السلامة َ بالردى ” * فَقُلْتُ : أمَا وَالله، مَا نَالَني خُسْرُ
و هلْ يتجافى عني الموتُ ساعة ً * إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضّرّ ؟
هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه * فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذكرُ
وما هذه الأيامُ إلا صحائفٌ * لأَحْرُفِهَا من كَفِّ كاتبها بِشْرُ
و لا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة ٍ * كما ردها ، يوماً بسوءتهِ ” عمرو”
وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ * وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ
تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا * و منْ خطبَ الحسناءَ لمْ يغلها المهرُ.
مجلة الحدث : إعداد ريم حداد