لماذا عاد نصر الله إلى سياسة التهديدات

بعد غياب بارز، استمر أكثر من شهرين، وشائعات مجنونة تقول إنه يعاني من سرطان فتاك ولعله لم يعد بيننا، ظهر أمين عام حزب الله حسن نصر الله لأول مرة أمس على شاشة «الميادين» اللبنانية وبدا بالضبط مثل حسن نصر الله.
للحقيقة، يجب أن نعترف بأن ظهور الأمين العام العلني في المقابلة، نبرة حديثه ولغة جسده المعروفة، لم تؤيد الاستنتاج المتسرع بعض الشيء لمحلل التلفزيون السعودي الذي قال إن هذا كان بديلاً له. هذه تبدو كأمنية سعودية أكثر منها دليلاً مثبتاً.
بالمقابل، لا شك في أن المقابلة مثل حملة التسويق الهستيرية، لها في شبكة «الميادين» التي يملكها صديق نصر الله المقرب تحت عنوان «نصر الله يحطم الصمت»، والتي استهدفت غاية واحدة فقط: الإثبات بأن نصر الله حي يرزق ويسيطر على الوضع. لقد فهم أحد ما في حزب الله بأن صمتاً لأكثر من شهرين لمن عود مؤيديه على خطابات متواترة، قد يضر.
حتى لو لم يكن في صحة تامة ـ من الأفضل أن يتحدث. هناك الكثير من الأسباب للافتراض بأنه لولا هذا الاعتبار فمن المحتمل أن نصر الله بات يفضل إطالة صمته قدر الإمكان. فالتطورات في المنطقة ومحيطها القريب في الأشهر والأسابيع الأخيرة ليست مريحة له، وما ليس مريحاً صعب شرحه حتى لخطيب مصقع مثله.
بداية كشف إسرائيل للأنفاق ليس أقل من خازوق علني وفعل مهين لاستراتيجية المنظمة العسكرية، التي أملت في إبقاء المشروع الأكثر سرية من تحت الرادار. فكيف تشرح حقيقة أن رجاله، الذين لا يفترض أن يتواجدوا في جنوب لبنان وفقاً لقرار الأمم المتحدة 1701 يحفرون أنفاقاً هجومية إلى أراضي إسرائيل، الأنفاق التي ستوقع الدمار والخراب على دولة لبنان في كل سيناريو حرب. وكان الانتقاد ضده «نصر الله يجر كل لبنان إلى نفق مظلم».
لقد بذل أمين عام حزب الله أمس جهداً جباراً لتقزيم ضرر الأنفاق ـ «موضوع ضخم أكثر مما ينبغي»، «عامل مساعد هامشي فقط لخطة حزب الله الشاملة لاحتلال الجليل» ـ وهزأ بالجيش الإسرائيلي «الذي استغرقه وقت طويل جداً لكشف الأنفاق». ولا كلمة عن السيطرة الاستخبارية التي سمحت لإسرائيل باكتشاف السر.
أيام غير بسيطة لنصر الله. وعزلة متزايدة لإيران، حليفة وراعية حزب الله. ونظام العقوبات الذي فرضه الأمريكيون، والأزمة الاقتصادية في إيران مسا منذ الآن بالدعم المالي الذي تقدمه طهران لنصر الله، وأكثر من ذلك، يتبين أن المساعدة العسكرية الإيرانية لحزب الله ستبقى تصطدم بالتصميم الإسرائيلي لمنع ذلك بكل ثمن.
نصر الله، في أثناء صمته الطويل، راهن على أن الحظ بدأ يقف على جانبه. فقد أعلن ترامب عن إخراج القوات الأمريكية من سوريا، ويبدو بالخطأ أيضاً أضاف بأن إيران يمكنها الآن أن تفعل في سوريا «كل ما تشاء». وأظهر الروس استياء علنياً من استمرار الهجمات الإسرائيلية ضد أهداف إيران وحزب الله في سوريا، والناطقة بلسان وزارة الخارجية الروسية قالت إن هذا مس بسيادة دولة أخرى.
ولكن في هذه الأثناء، حصل التحول. فالرئيس ترامب يفكر بجدية بإبقاء القاعدة الأمريكية الهامة في منطقة التنف، في ملتقى الحدود بين العراق وسوريا والأردن. والمعنى: استمرار إغلاق الطريق البري الإيراني لتوريد السلاح لحزب الله من العراق عبر سوريا إلى جنوب لبنان.
ونائب وزير الخارجية الروسي، بخلاف تام مع ملاحظة الناطقة بلسانه، يقول لـ «سي.ان.ان» إنه لا يجب تعريف علاقات بلاده مع إيران كـ «حلف»، وإضافة إلى ذلك قال إن روسيا «لا تستخف بأهمية الأمن لإسرائيل.
لعل نصر الله كان يفضل مواصلة الصمت، ولكن الظروف فرضت عليه خلاف ذلك. من هنا الطريق قصير للعودة إلى التهديدات المعروفة. حزب الله، يقول إنه غير معني بفتح حرب ولكنه سيرد رداً غير متوازن إذا هاجمت إسرائيل أهدافاً في لبنان، والجديد: سيرد حتى لو هاجمت إسرائيل أهدافاً لحزب الله في سوريا: يدعي أن لدى حزب الله ما يكفي من الصواريخ الدقيقة للمواجهة التالية، ويحذر نتنياهو من خطوة عسكرية مغلوطة «كي يروج لنفسه في حملة الانتخابات»؛ ويهدد بأنه في الحرب التالية «كل فلسطين ستكون تحت التهديد». من أجل هذا لا حاجة لتحطيم الصمت.

عوديد غرانوت
إسرائيل اليوم 27/1/2019

نقلا عن القدس العربي

Comments are closed.