الشمس تضمَّد جراح النازحين

عندما تكون السماء متلبدة بالغيوم السوداء الداكنة وتهطل الأمطار بغزارة وتشتد الرياح وتتمايل أغصان الأشجار وتبدأ الأم النازحة في مخيمات الشمال السوري بجمع غسيل أولادها الصغار من على أغصان الأشجار، ويبدأ الأب المهجر، بالسير بعض الخطوات يمينا ويسارا ذهابا و إيابا، و من ثم يجلس ويضع يده على رأس صغيره الذي بدأ البرد يدخل جنبيه .

لم تعاني بائعة الكبريت من البرد وحدها، ولم يعاني روبن هود من التشرد في الغابات، ولم يعاني فتى الأدغال ماوكلي من حياة التقشف، كما عانى أهالي مخيمات الشمال السوري، فبعد أن انجرفت خيامهم التي كانت تؤيهم والتي كانت بمثابه حجاب لأخذ حريتهم فلم تكن الخيمة يوماً تقي الناس المهجرين من البرد، و لم تكن تقي النازحين من حر الشمس إلا أنها كانت بمثابة دار راحة واطمئنان للزوجة مع زوجها وللطفل مع أهله، فكانت موقعاً تعلم الطفل أن يرجع إليه بعد اللعب مع اقرانه الصغار .

في مخيمات أطمة، أقصى شمال إدلب، كانت المئات من الخيم قابعة هناك و ذات ليلة بدأت مياه الأمطار بالتسرب لداخلها ليرتفع منسوبها بسرعة لتصرخ الأم بصوت مكسور هيا يا أولادي …. إلى أين يا أمي يصيح الصغار … إلى خيمة فلان في رأس التلة لتحمل أولادها بيمناها ويسراها، ويحمل الأب الولد الثالث و حقيبة تجمع ذكرياتهم الغابرة قبل سنوات و فيها صور تذكارية لهم و لولدهم الشهيد الذي بقي مدافعا عن أرضه وبلدته خوفا من اغتصابها من قوات النظام والميليشيات الموالية لها في ريف حماة، لكن البطل مات وبقيت رفاته شاهدة على المقاومة وقبره سراجا يهتدي به كل من أضاع طريق الدفاع عن الوطن .

وفي الصباح بعد أن نام الأطفال الثلاثة في خيمة قريبهم في رأس التلة استيقضوا مسرعين متجهين إلى خيمتهم ليجدوا أبيهم و أمهم، يبكون خيمتهم ويصيح الأطفال أبي أمي أين خيمتنا ..لكن ضعف الأم بقلبها الجريح لم يسعفها في إجابة أطفالها ليرد الأب يا أبنائي قولوا الحمدلله أننا خرجنا في الليل قبل وقوع الكارثة ليخيم الصمت على شفاه الاطفال وتبدأ عيونهم بالكلام وتنظر تلك العيون البنية الداكنة إلى موقع الخيمة فهناك كان لهم ذكريات أيضا، فكانوا يرسمون علم الحرية وتارة يرسمون الشمس وتارة يرسمون بيتهم في ريف حماة الذي دمرته ميليشيات النظام وقواته في ريف حماة.

وبعد أيام ظهر شعاع ذهبي من الشمس تسلل من بين الغيوم ليبدأ الأب والأم بالدعاء اللهم ربي اجعل الدنيا تشمس فنحن لا طاقة لنا في هذا الشتاء على تحمل البرد والجوع والنزوح والتشرد لتشرق الشمس في صباح اليوم التالي ليبدأ النازحين بلملمة ما تبقى من الخيام المنجرفة في السيول، و إخراج ما ينفعهم في بناء خيمتهم الجديدة وترسل الشمس اشعتها رحمة من الله كي يبدأ المظلومون المقهورون النازحون بإيقاف نزف جروحهم التي فتحت مع زيادة المطر وانجراف خيامهم .

ليس انجراف الخيمة وحده أبكى النازحين، بل هو الموت الذي قهرهم و أخرج دموع الرجال على الخدود فعدة أطفال توفوا بسبب البرد في عدة مخيمات في سوريا ولبنان ليصيح السوريون .. من لنا غيرك يا الله .

وبدأت بعض المنظمات الإنسانية في الشمال السوري بعمليات احصاء سريعة لمساعدة النازحين المتضررين من السيول لبعث بارقة أمل في نفوسهم المحبطة ورسم ابتسامة غامضة على وجوههم التي بدأت التجاعيد تظهر عليها.

هذا وتضررت أكثر من 700 عائلة في تجمع مخيمات أطمة الحدودية مع تركيا شمال إدلب، وسط مناشدات ومطالبات بإغاثتهم، ولايزال بعض النازحين يعانون من قسوة البرد رغم شروق الشمس لعدة أيام متتالية فلا حطب ولا وقود ولا نقود يروي بها العطشى ضمأهم ويسكت الجياع بطونهم .

المركز الصحفي السوري — خاطر محمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *