الحبل السرّي بين طهران ودمشق

اجتمعت الإدارتان الأميركيتان، الحالية برئاسة دونالد ترامب، وسالفتها برئاسة باراك أوباما، على موقف موحّد من العقوبات الاقتصادية على سوريا، والتي تفاوتت في درجة حدّتها وتأثيرها، إلى أن وصلنا في يونيو من العام 2020 إلى قانون قيصر الشديد اللهجة والفعل.

كما أن الإدارتين قد تدخلتا عسكريا في سوريا ليس بهدف إسقاط مباشر للنظام كما حدث في العراق وليبيا، لكن من أجل محاربة المجموعات الإرهابية العابرة للحدود، من جبهة النصرة والدولة الإسلامية وغيرهما من القوى الظلامية، وقد كانت هدفا مباشرا للقوات الأميركية وحلفائها على الأرض السورية.

لكن، بينما كان اقتصاد نظام، بشار الأسد، يخضع لأقصى أنواع الحصار، بسبب أدائه الخارج عن القانون الإنساني والدولي المتعارف عليه، كان الجيب الإيراني متاحا للأسد ليمدّ يده إليه لترميم الانكسارات والأزمات التي يمرّ بها اقتصاد البلد ومصادر دخله القومي، ولاسيما منذ العام 2011، حيث دفع النظام تكلفة هائلة في حملته العسكرية على الشعب السوري، التي دامت لتسع سنوات، ولم تضع أوزارها حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

لكن، وبينما توافقَ الحزبان الأميركيان، الجمهوري والديمقراطي، لجهة العقوبات على سوريا وضرورة استمراريتها وتشديدها بشكل متصاعد، إلا أنهما افترقا في ما يختصّ بالعقوبات الاقتصادية على إيران.

وبينما كان بشار الأسد يستطيع الاعتماد بشكل قوي على دعم الحلفاء في طهران لتعزيز موارده، طوال الفترة الممتدة لعهدي أوباما خلال ثماني سنوات، إلا أن الوضع لم يعد بهذه السهولة في عهد الرئيس ترامب، الذي شدّد قبضته إلى أقصاها في حصار إيران، وصولا إلى تصفير صادرات نفطه، وهو الثروة القومية التي تعتمد عليها بشكل أساس، ما كان له أثر كبير على الاقتصاد السوري وإمكانية استمرار طهران بدعم حكومة دمشق كما كانت تفعل في السابق.

ففي العام 2018 فرض الرئيس ترامب حزمة عقوبات اقتصادية مضنية على إيران، أدّت باقتصادها إلى الترنّح تحت وطأة تلك الضربات الشديدة، واضطرتها إلى الخضوع للشروط الجديدة، التي فرضت عليها إعادة توجيه مواردها، المحدودة للغاية، لجهة تأمين احتياجات الداخل الإيراني المعيشية اليومية، وهكذا تركت الأسد وحكومته وراءها يواجهان العقوبات الدولية دونما معين. وفي العام 2020 وصلت جائحة كوفيد – 19 لتعصف بما تبقّى من حركة تجارية، ولتجفف السيولة المالية التي انتهت إلى انخفاض الناتج المحلي الإيراني بمعدّل 15 في المئة، فكان وقع ذلك على النظام السوري أكبر وأشدّ بأسا.

أما في سوريا، فقد عزا البنك الدولي في تقريره الصادر في شهر أغسطس للعام 2011 تدهور الاقتصاد السوري إلى الانهيارات في البنية التحتية، والمنشآت الخدمية، نتيجة الحرب الدائرة في السنوات التسع الأخيرة، هذا إلى جانب العقوبات الصارمة على حكومة دمشق، وانكفاء إيران عن الدعم المباشر الذي كان يتفوّق على دعم روسيا للأسد. وأفاد تقرير البنك الدولي أن العائد الإجمالي لسوريا قد انخفض إلى ما يقرب من ثلث مستوى ما كان عليه قبل الحرب، وأن السبب الرئيس للنمو السلبي هو التدمير الكبير الذي لحق بقاعدة رأس المال السوري.

مع انكشاف نظام بشار الأسد تماما، ماليا بسبب انهيار سعر صرف العملة السورية مقابل الدولار، وانسحاب الدعم الإيراني والروسي اللذين شكلا ضامنا لا يستهان به لاستمراره، وعسكريا بسبب القوات المتعددة الجنسيات الموجودة على الأرض، والتي تتقاسم النفوذ في مناطق تواجدها، بصورة تكاد تكون أبشع وأشد بأسا من التقسيم الفعلي (على مرارته).

وأخلاقيا مع بدء نفاذ قانون قيصر، وانتشار صور عشرات الآلاف من المعتقلين الذين قضوا في معتقلات الأسد تحت التعذيب، لمجرّد أنهم حملوا رأيا سياسيا مخالفا وآمنوا بالحريات والعدالة الاجتماعية وحكم الشعب؛ مع هذا الانكشاف غير المسبوق منذ وصل الأسد الأب إلى السلطة في العام 1971، سيكون مصير الأسد ونظامه معلّقا بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، في شهر نوفمبر القادم، وسيرتبط بالعقيدة السياسية للمرشّح الفائز.

في حال فاز بالرئاسة الأميركية الديمقراطي جو بايدن، فإن نظام الأسد سيشهد انفراجا كبيرا، مرافقا بانفراجات ستحدث في العلاقات الأميركية مع طهران، وهو من كان نائبا للرئيس باراك أوباما على امتداد ثماني سنوات. فإدارة أوباما هي من تفاوضت مع طهران لإبرام الاتفاق النووي في فيينا في العام 2015، ما رفع الضغوط بشكل كبير على حكومة طهران، وأمّن لها موارد مالية من أصولها التي كانت مجمّدة وغير قابلة للتداول، الأمر الذي ساهم في بروز حالة من الانتعاش المالي والاستقرار السياسي في الداخل الإيراني، غابت تماما مع وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض.

وقد كان لانسحاب ترامب من اتفاق فيينا النووي، وإعادة فرض العقوبات على إيران، أثر رجعي على مكاسب إيران في ما قبل هذا الانسحاب، وكذلك على قدرتها في دعم الحليف الأهم في دمشق. وحدث أن عُلّق خط الائتمان المالي الذي كان مفتوحا بين دمشق وطهران، ما أدّى إلى انهيار حقيقي في إمداد النفط الذي كانت حكومة دمشق تعتمد على إيران في تغذيته.

أما روسيا، وقد أتمّت صفقتها الاستراتيجية على حساب الأرض السورية والسيادة الوطنية، باستئجارها لقاعدة عسكرية على امتداد المياه الدافئة في المتوسط، في ميناءي طرطوس واللاذقية من الساحل السوري، ولمدة 49 عاما قابلة للتجديد، في حين يرتبط الرئيس الروسي بوتين بعلاقات جيدة مع إدارة الرئيس ترامب، فسيجد نفسه في حال فوز الأخير بفترة رئاسية لأربع سنوات قادمة، بحلّ غير مشروط من دعمه لبشار الأسد الذي سيتحوّل إلى عبء باهظ عليه، ويتحوّل إلى مادة منتهية الصلاحية.

فصل المقال يكمن في أن مصير الأسد بالحيثيات والفعل، وليس بالمجاز السياسي والتكهنات، مرتبط بشكل غير مسبوق بساكن البيت الأبيض القادم في العام 2021 وهي سنة انتخابية أيضا للرئاسة في سوريا، حيث من المنتظر أن يقول ما يقارب 7 ملايين لاجئ ومهجّر سوري قولتهم في نظام الأسد.

 

نقلا عن صحيفة العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.