بين السعودية وتركيا… من يضرم النار؟

إحسان الفقيه – القدس العربي

يقال إن القهوة قد أخذت رحلتها من مكة إلى إسطنبول عن طريق رجلين من أصل شامي، وفي ذلك روايات متضاربة، ولكن ما يعنيني  هنا مذاق قهوتي التركية، التي اعتدتّ الحصول عليها من محمصة شامية، على مقربة من مسجد السلطان محمد الفاتح رحمه الله، فأنا بنت حوران شمال الأردن، التي قضت طفولتها في مضارب نجد السعودية، وانتهى بها المطاف في أرض خلافة بني عثمان.
هذه الخواطر دارت بخلدي ذات يوم، عندما سِرتُ وفق عادتي القديمة في التفاؤل المدفوع بطوفان الأمنيات، ما جعل مني كاتبة وردية، كما وصفني أحدهم، في تلك الآونة تفاءلت وربما أفرطتُّ بالتفاؤل، في عودة العلاقات العربية التركية إلى سابق عهدها من التلاحم والتقارب، وعلى وجه الخصوص العلاقة بين السعودية، حاضنة الحرمين وقبلة المسلمين، وتركيا التي تمثل امتدادا للحضارة العثمانية التي استوعبت أطيافًا عدة تتلاحم خلف راية واحدة.
استعدتّ من صفحات التاريخ أنباء الفتح العثماني في القسطنطينية، ومعها رسائل التهنئة من شريف مكة إلى السلطان العثماني، ثم حولت النظر إلى مشهد التقارب الواضح بين القيادتين التركية والسعودية، قبل أن يحل بينهما الخريف، فوافق ذلك تطلعات رامت إليها نفسي. قدَرُ الكاتب دائما أن يظل حبيس المشهد الذي التقطه له القارئ، والذي يحمد للكاتب تحوّلاته إذا كانت في الاتجاه الذي يهواه، ويذم جذوره وسلالته إذا كانت تحولاته في اتجاه مغاير لما يهواه. ولطالما خلعتُ القبعة للقيادة السعودية في بداية عهد الملك سلمان، حتى أخذتُ صكًا بأنني أسيرة الأرز السعودي وأجيرة آل سعود، ولم أعبأ بذلك مع اعتدادي بنفسي بأني لم أقبل يوما مجرد هديّة من أي جهة خليجية لا حكومية ولا خاصة.
ولما ظهر لي ولغيري أننا أفرطنا في هذا التفاؤل، صرت أنتقد النظام السعودي، وهذا حق لي ولغيري، طالما لم يتلبّس بتزييف أو تلفيق، ولم أطلق لساني بألفاظ نابية تنال من ولي العهد، كما يروق للبعض أن يستخدمها في ذلك الموطن، ذلك لأن النقد غير مقصود لذاته، وكثيرا ما وعّيت القراء إلى أنه ينبغي عدم وضع كل حُكّام آل سعود في سلة واحدة، وأن شتمهم ليس دينا أعتنقُه ككاتبة. وأبرز ما أكدت عليه، هو ضرورة الفصل بين الشعب السعودي وقيادته، فإني أدين لله بأن معظم السعوديين أهل دين، ومن أكثر من حافظوا على التقاليد الإسلامية والقيمية الأصيلة، بخلاف الزمرة التغريبية التي استولت على الإعلام بأجندات غربية، واستوطنت القصر الحاكم، وسيطرت على قرارات ولاة أمرها، بل معظم السعوديين، يشعرون بأن هذه المنابر التغربية موجهة ضدهم، لا ضد أعدائهم، تشيع الخراب في المجتمع، وتُعمّم رذائل القول والفعل، وتدس السم في العسل ثم تترنّم بوطنية مزعومة ليس لها معالم. ولكن يبدو أن الإخوة في السعودية لم يستوعبوا هذه المعادلة، كما ينبغي، واعتبروا نقدي للنظام طعنا في المملكة كلها، ولا تثريب عليهم، فلا ألومهم وسط هذا الطنين الفاحش الذي يُحدثه الذباب الإلكتروني، وبعض من احترفوا التصنيف والتبخيس والدخول في النوايا، وتقويل الناس ما لم يقولوا، ومن أصحاب الحسابات السعودية الموثقة، المُوالية لنهج أبوظبي الأشد شراسة ووضوحا في عدائه لكل ما هو أخلاقي، وتلبيسه القضايا على أهل هذا البلد. ورغم أنني منذ صار لي موطئ قدم في عالم الكتابة، أذود عن تركيا الجديدة، ومنذ أن كنت في بلدي الأردن، وحينها لم يُشغِّب عليّ السعوديون، إلا أن ذلك الذوْد صار محرما عليّ الآن، بعد أن صرت أنتقد السياسات السعودية.
متى ندرك أن الأمر ليس اختيارا بين هذا وذاك، إنما هي تحولات وتغير معطيات، ولو دار الزمان دورته، وتولى زمام الأمور في تركيا من يفسد فيها لما توانيت عن نقده، حتى إن اقتضى الأمر أن أغادر هذه الأرض، أو تُسحب جنسيتي التُركية التي مُنحت لي تكريما واحتراما من أهل فضلٍ، لم أطرق يوما أبوابهم، كما لم أطرق أبواب سواهم.

الخطر الصحي والاقتصادي جسيم، يهددنا جميعا، ولا نجاة لنا إلا بالتكاتف، فكل منا سيحتاج الآخر يوما ما

بالمناسبة، عندما تقرؤون هذه الكلمات، سوف تستحق صحيفة «القدس العربي» بذل الشكر مني إليها، لأنها سمحت لي بالخوض في الشأن الخاص على هذا النحو في ذلك الجزء الفائت. المتأمل في اتجاهات العلاقات بين السعودية وتركيا وأصدائها على المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، يلحظ فجوة بين حجم ملفات الخلاف بين الدولتين، وتعاطي تلك المنصات معها، فقضايا الخلاف بين النظام السعودي ونظيره التركي محدودة، أبرزها الموقف التركي من الحصار المضروب على قطر، وقضية مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول، لكن الذباب الإلكتروني وأصحاب الأقلام المشبوهة من الكتاب السعوديين، يؤججون الخلاف ويقحمون تركيا في كل صغيرة وكبيرة، ويخوضون حرب قصاصات التاريخ، ويحيون النعرات القومية، لخلق رأي عام سعودي معادٍ للأتراك، وإلا فإن الشعب السعودي لم يكن يوما يناصب تركيا العداء، بل ينظر إليها باعتبارها جزءًا من جسد الأمة الإسلامية، وقبل هذه «الفتنة» كنا كثيرا ما نسمع ونقرأ لدعاة ومفكرين سعوديين عن إنجازات الدولة العثمانية وما قدمته للأمة.
أعلم أن هناك من يقول بأن أصحاب هذه الأقلام مُوجّهون، وهذا صحيح في جانب منه، لكن تجدر الإشارة إلى أن المنابر الإعلامية التغريبية في المملكة، تحظى بالرعاية والتوجيه من الخارج، وهذا لم يعد يشك فيه متابع، وكثيرا ما كانت تغرد خارج السرب، فكل عملها ينصب على تنفيذ أجندات غربية بغطاء وطني.
وها هم ومنذ أيام يطالبون بإلحاح بحجب وكالة الأناضول، وسائر المواقع التركية لتعقيم البيئة السعودية، كما يدّعون، مع أن التعقيم الصحيح هو بناء المواطن ومنحه الاستقلال الفكري، وتوفير بيئة الحريات الفكرية والثقافية التي تصقل عقله، ومن ثم يستطيع التمييز بين الصحيح والسقيم، وليس بحجب المواقع والصحف. المطالبة بحجب وكالة الأناضول والمواقع التركية يأتي في سياق تأجيج نار الخلاف بين الشعبين، وإلا فإن هذه المؤسسات الإعلامية التركية، تنتقد بدون تجريح أو سباب، ولا تجعل نقدها في قالب كاريكاتيري ساخر، على غرار ما تفعله بعض الدول العربية مع الحكومة التركية، ونعتها بأقبح الألفاظ.
ومن جهة أخرى يحق لنا أن نتساءل: لماذا لا يطالب هذا الذباب الإلكتروني بحجب الصحف الغربية، التي تنال من النظام السعودي بالسخرية والسباب، وعدم الاحترام؟ فعلى سبيل المثال: تقرأ على صفحات «الغارديان» البريطانية مثل هذا العنوان:  Saudi Arabia’s crown prince urgently needs an adult in the room. وترجمته: «ولي عهد ملك المملكة العربية السعودية بحاجة ماسة إلى شخص بالغ في غرفة النوم»، وهي عناوين ساخرة تكاد تكون اعتيادية في الصحف الغربية، فلماذا لم تثر ثائرة القوم، ولماذا لم يطالبوا بحجب هذه الصحف؟ وهل استخدمت الأناضول وغيرها من المنابر الإعلامية التركية مثل هذه العناوين؟ ألا يلاحظ المتابعون أن الإعلام التركي يقف موقف المدافع في هذه الآونة ضد الحملة الممنهجة المسعورة، التي تكيل لتركيا الاتهامات والفِرى ليلا ونهارا؟ غير أنني أكاد أجزم بأن الشعب السعودي، رغم هذه الحملات لا يزال مرتبطا بالأتراك، ولن تنال من تعاطفه مع تركيا، خاصة في حقبة العدالة والتنمية التي أعادت تركيا إلى أحضان الأمة الإسلامية والعربية، وكثير من مثقفي المملكة الذين أتواصل معهم دائما يؤكدون لي ذلك، وأن مخرجات التواصل الاجتماعي التي يسيطر عليها الذباب، لا تعبر عن حقيقة موقف الشعب السعودي من تركيا.
إننا في الوقت الذي يواجه العالم فيه عدوا مشتركا خطِرًا (فيروس كورونا)، فإن العالم العربي بحاجة إلى التقارب وتجاوز الخلافات مع الأتراك، فالخطر الصحي والاقتصادي جسيم، يهددنا جميعا، ولا نجاة لنا إلا بالتكاتف، فكل منا سيحتاج الآخر يوما وبلا أدنى شك.
تنبيه: في اللحظة التي أتممت فيها مقالتي هذه، جاءني خبر حجب وكالة الأناضول في السعودية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.