حرب إبادة في جنوب إدلب لتفريغها والسيطرة على الطرق الدولية

بروكار برس – عز الدين زكور – إدلب

يومٌ دامٍ شهده -أمس السبت- ريف محافظة إدلب ذو النصيب الأكبر من القصف الجوي بشقّيه الروسي والسوريّ، والمدفعي أيضاً على مدار سنوات الثورة السوريّة، إلا أنّ الشريكين يتفرغان في هذه الأيّام (النظام السوريّ وحليفه الروسي “الضامن”) لاتفاق سوتشي آخر لرسم ملامح السيطرة في إدلب، و”المعلن” أيضًا عن اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب أواخر آب/ أغسطس.

تتخذ روسيا شماعةَ “محاربة الإرهاب” من أجل استئناف القصف والهجوم البريّ في أي وقتٍ تريده، في ظل سيطرة “هيئة تحرير الشام” المصنّفة إرهابيّاً، مع وجودٍ لافت لكلٍ من “الجبهة الوطنية للتحرير” و”فيلق الشام” المحسوبَينِ على الفصائل المعتدلة في عموم جبهات ومناطق إدلب، وسط صمتٍ تركيّ بات مستفزاً لدى كثيرٍ من السوريين المقيمين في محافظة إدلب، في الوقتِ الذي يتطلعون فيه إلى وقفِ إطلاق نار وتهدئة عامّة بموجب ضمانتها من طرف المعارضة ونشرها 12 نقطةً عسكريّة، إحداها حاصرتها قوات النظام في مورك بعد هجوم الأخيرة على ريف حماة الشمالي في آب/ أغسطس الماضي وسيطرتها عليه.

حصيلة هجمات الشريكين على جنوب إدلب:

يغدو صحو الجوّ شتاءً في إدلب، هذه الأيّام وبالاً على أهلها إذ استغلت الطائرات الروسيّة والحربية السورية والمروحيات الجو المشمس أمس السبت من أجل تكثيف هجماتها على تلك المناطق، وهو ما بات مرصوداً لناشطي المحافظة المحليين والمراصد المحلية أيضاً، حيث يساهم ذلك في تصويب الهدف بشكل دقيق.

وفي توثيق لناشطين محليين، كانت حصيلة الضحايا 21 مدنياً، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، وحدها الطائرات الروسيّة قتلت منهم 13 مدنياً في “البارة وبليون”، بينما قتلت مروحية النظام وأخرى حربية 8 مدنيين آخرين في كلٍ من (إبديتا وتلمنس وبجغاص).

وشنّت الطائرات الروسيّة 18 هجوماً على مناطق ريف إدلب الجنوبي، جميع الطلعات كانت من قاعدة “حميميم” الروسيّة، وكذلك استهدف الحربي والمروحي التابعان للنظام 23 قرية وبلدة ومدينة غالبيتها جنوب إدلب وتركّزت معظم الطلعات من مطاري حماة وإسطامو العسكريين.

ويُلاحظ أنّ الرقعة التي شملها القصف، طاولت منطقة متأخرة عن منطقة التصعيد جنوب إدلب حيثُ المناطق التي ما زالت تحظى بتجمعٍ سكّاني من سكانها المحليين والنازحين من باقي المناطق القريبة في الجنوبِ الإدلبيّ، ما يزيد من احتمالية ارتكاب مجازر في تلك المناطق وهو ما تمّ حقاً في كلٍ من “بليون 9 قتلى، وإبديتا 5، والبارة 4) المأهولات بالسكّان، خلال ساعاتٍ من أمس السبت.

يقول الناشط والكاتب الصحفي “عمر حاج أحمد” إنّ “تمدد القصف ليصل مناطق طاولها القصف لأول مرة خلال الحملة الأخيرة منذ نهاية شهر نيسان وحتى اللحظة، هو لتهجير من لم يهجّر وتدمير ما لم يُدمّر”.

ويضيف: “هذه المناطق مدنية بحتة وفيها عشرات آلاف المهجّرين من مناطق التصعيد الأخيرة، ما يزيد من احتمالية تهجير أكثر من نصف مليون مدني عدا عن التهجير السابق الذي وصل لأكثر من مليون من مناطق أخرى”.

إفراغ المنطقة:

يؤكد متابعون للواقع الميداني أنّ المساعي الروسيّة الأخيرة ترمي إلى إفراغ منطقة جنوب إدلب من سكّانها بفعل التهجير القسري لهم تحت وطأة سياسة الأرض المحروقة والتدمير الشامل للمنشآت الحيوية وملامح الحياة في منطقة جنوب إدلب.

يوضح “حاج أحمد” أنّ الهدف من قصف مناطق جديدة لأول مرة جنوب إدلب، هو إخلاء المنطقة الواقعة ضمن المثلث المحصور داخل طريقي الأوتستراد M5 و M4 والممتدة من سراقب حتى جسر الشغور إلى معرة النعمان، وتدمير وتهجير المناطق الواقعة خارج هذه المنطقة كالريف الشرقي لإدلب وريف جسر الشغور والريف الجنوبي.

أما مدير فريق “منسقو الاستجابة” قال لـ”بروكار برس”، إنّ منهج إفراغ المناطق من قبل النظام وروسيا لم يعد يحمل طابعاً سياسياً وعسكرياً، بل بعداً طائفياً، إذ يعملون على تأمين مناطق في العمق تحوي أقليات يدعون حمايتها مثل محردة والسقيلبيّة القريبة من منطقة جنوب إدلب”.

ويوضّح أنّ حملة عسكرية رابعة بدأت مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي على مناطق شمالي غربي سوريا، مبيناً أنّ القصف توسع لمناطق جديدة جنوب أوتستراد (M4) وهي مناطق مكتظة بالسكان، ودائماً ما يبدأ الاستهداف بأطراف المنطقة ومن ثم في قلب ووسط تلك المناطق لقتل المدنيين وتهجيرهم”.

وأشار إلى أنّ المساهمة الروسية بلغت 86% من إجمالي الهجمات التي تستهدف المنشآت الحيوية في تلك المنطقة، وخاصةً مراكز الدفاع المدني والنقاط الطبيّة لإخراجها عن الخدمة وعزوفها عن استقبال المصابين نتيجة القصف، موضحاً أنّ بعض القتلى كانوا ضحية تأخر إسعافهم إلى مراكز طبيعة بعيدة عن المنطقة بعد استهداف القريبة والموجودة فيها، بينما 14% نسبة الهجمات التي شنّها النظام على تلك المنشآت، لكن أيضاً بمساهمة روسية من خلال تحديد المواقع عبر الاستطلاع التابع له.

لماذا جنوب إدلب؟

المحلل العسكري العقيد “مصطفى فرحات” أوضح لـ”بروكار برس” أنّ النظام وروسيا والميليشيات الإيرانيّة نفذوا الكثير من الهجمات على منطقة الكبانة بريف اللاذقية ومنطقة غرب إدلب إلا أنّ الفشل كان حليفها جميعها، لذلك حوّل النظام وروسيا مسار هجماتهم من غرب إدلب إلى منطقة جنوب وشرق إدلب على اعتبارها منطقة جغرافية مفتوحة يلعب الطيران دورا كبيرا فيها، ولا تساعد الطرف المدافع بشكل جيد وعملية التحصين فيها ضعيفة وصعبة أيضاً، وبالتالي أمام صمود الطرف المدافع من الفصائل التي تعتبر أنّ المعركة هي معركة بقاء، يستفز النظام وروسيا ويدفعهم للانتقام بقصف المناطق المدنيّة كقصف مخيم قاح وسوق معرة النعمان وسراقب.

وأشار “فرحات” إلى أهمية فتح الطرقات الدولية التي تصل العاصمة السياسية دمشق بالعاصمة الاقتصادية حلب (M4) بالدرجة الأولى وهو أولوية، وكذلك الطريق الواصل بين حلب واللاذقية (M5) يأتي بالدرجة الثانية، وهما طريقان رئيسيان للجانب الروسي، كما أنّ “بوتين” لن يكون قادراً على إعلان خطاب النصر للعالم في سوريا طالما أوصال البلاد مقطّعة.

بينما يجد “حاج أحمد” أنّ غاية روسيا الوصول لاتفاق يسمح لها بالسيطرة على الطرقات الدولية وتحقيق إدارة مشتركة ضمن المنطقة الواقعة بين الطريقين الدوليين في محافظة إدلب، إنما هناك خلاف تركي روسي واضح حول عدة أمور منها شرق الفرات والسيطرة على الطريق الدولي هناك M4، بالإضافة للتصعيد العسكري والمعارك في ريف إدلب الشرقي، ما جعل كل طرف يضغط على الآخر مستخدماً أوراقه بكل منطقة، وهذا ما زاد حدة المعارك بريف إدلب الشرقي والكبانة، وحملة التصعيد الأخيرة التي زادت رقعتها.

ويردف: “تركيا تسعى للمحافظة على إدلب كما هو الوضع عليه من دون خسائر في الأرض حتى اجتماع أردوغان – بوتين الشهر المقبل، وروسيا تسعى للحصول على أوراق ضغط جديدة بالسيطرة على مناطق جديدة وتهجير مناطق أخرى”.

مستقبل الهجمات:

يقول “فرحات” إنّ استخدام وسائط التأثير الناري في العلم العسكري هي تمهيد يسبق الهجوم، في الوقت الذي لا تملك قوات النظام وحلفائه عقيدة الهجوم والرغبة في ذلك وخاصةً أنّ قسماً لا بأس به من عناصر المصالحات، يعتمدون سياسة الأرض المحروقة لتتمكن قواتهم من التقدم والسيطرة على مناطق محدودة وهذا يظهر جلياً في المعارك الأخيرة جنوب شرق إدلب.

ويعتبر “فرحات” أنّ معركة الشمال السوري هي معركة معقدة جداً ولن تكون سهلة على الطرف المهاجم، ومن دون الوصول إلى حل سياسي يقنع الناس لن يتمكن الروس من دخول إدلب، وربما تكون معركة استنزاف للروس كما حدث سابقاً معهم في أفغانستان.

وعن الاتفاقات المبرمة حول محافظة إدلب، أكّد “فرحات” أن الروس على الرغم من كونهم “ضامناً” يقتلون المدنيين بذريعة محاربة “الإرهاب” المصطنع من قبلهم الخارج عن اتفاقاتهم، كما يلعبون من خلال المصطلحات من قبيل “خفض التصعيد” وغيرها ويزوّرون الاتفاقات بما يناسبهم.

يُرجّح “حاج أحمد” أنّ كل ما يحصل حالياً هو تمهيد لمعارك ضارية ستحصل بعد بضعة أشهر في حال لم يتم التوافق وحل الخلافات الروسية التركية في منطقتي شرق الفرات وإدلب، ولذلك بدأ الضغط يزداد، فإما الوصول لاتفاق تركي روسي تكون فيه روسيا هي الرابح الأكبر، أو عودة المعارك خلال أشهر مستهدفة المناطق الممتدة شرق إدلب وسهل الغاب والريف الجنوبي وتطويق جبل الزاوية.

 

نقلا عن بروكار برس

Leave A Reply

Your email address will not be published.