ثقافة الحوار والاعتدال

في كل المجتمعات، الحوار هو الوسيلة الوحيدة والأكثر انتشارا و التي يختارها الناس للتقارب والتفاهم ,لكن في مجتمعنا تكون نتيجة أي حوار عادة، الخصام والقطيعة وربما الحرب، لأننا لا نتمتع بالاعتدال أو احترام الرأي الآخر و نبني الأساس على قاعدة التطرف ، فنجلس للحوار بأحكام مسبقة غير,قابلة للتغيير, و متطرفة عادة، فكيف سنصل إلى نتيجة، وإذا حدثك أحدهم عن جلسة الحوار وأجوائها ونتائجها، تراه يتباهى بكلمات عصبية تحمل طابعا انتقاميا ,مستخدما كلمات فظة, كدمرته, وأفحمته وكسرت رأسه وأرغمته, وكأننا لم نكن في جلسة حوار وإنما في ساحة معركة، ولذلك ترانا في جلسات الحوار مستنفرين متأهبين لأي ردة فعل وجاهزين للمشاجرة والضرب أحيانا ثم بعد ذلك نقوم بالتشهير بمحاورنا دون رحمة.

لقد أوصانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بأن لا نتحاور بعنف، وإنما نسأل لنعرف، فنتحاور من أجل المعرفة لا من أجل الخصومة، وكل هذا لا يمكن أن يتحقق فينا إلا بالاعتدال والحوار الهادئ، بعيدا عن كل أنواع التطرف، يقول أمير المؤمنين عليه السلام سل تفقها، ولا تسأل تعنتا، فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، وإن العالم المتعسف شبيه بالجاهل المتعنت.
أليس معيبا أن نرى كل هذه الفجوات والهوات السحيقة بين أبناء البلد الواحد،بل بين أبناء التيار الفكري أو المرجعي أو الثقافي أو السياسي الواحد، ولذلك بتنا نشهد انشطار داخل المدرسة أو المبنى إلى أجزاء متناثرة ومتباعدة, وليس ذلك إلا بسبب حالة التطرف التي تتحكم في عقول الناس، وحالة التطرف التي تسيطر على طريقة تفكيرهم، بل وعلى وسائل تعامل بعضهم مع البعض الآخر، لدرجة أننا نشهد الاقتتال الداخلي كمشهد يومي بين أبناء العائلة الواحدة، لأن أحدهم لا يتحمل الآخر في حوار أو نقاش أو جدال في أية قضية من القضايا، فتراهم إذا ناقش الأشقاء قضية تخص المرجعية تعصب كل واحد منهم إلى صاحبه فيتحول النقاش بعد قليل من الحوار إلى ساحة للمعركة الحقيقية، وإذا طرحت قضية سياسية للنقاش فيما بينهم تطرف كل واحد منهم إلى حزب أو جهة، ليتحول الحوار بالكلمات إلى حوار بالرصاص، وإذا ناقشوا قضية دينية أو مذهبية أو تاريخية تطرف كل واحد منهم لصالح الاتجاه أو الفكرة التي يراها ولا يرى غيرها، لتتشابك البنادق فوق رؤوس العائلة الواحدة، وهكذا، فيما كان من الممكن أن يواصل المتحاورون نقاشهم وحديثهم باعتدال بعيدا عن التطرف والتعصب الأعمى، فإما أن يصلوا إلى نتيجة مشتركة أو أن يؤجلوا جلسة الحوار إلى موعد قريب آخر، علهم يعيدوا الكرة من جديد فيصلوا إلى نتيجة مرضية للجميع، أو إلى بعضها، كأن يأتي كل واحد منهم إلى منتصف الطريق كحل توافقي ونتيجة متوازنة،أو أن يتقاطعوا في الرأي ويتناقضوا فيحتفظ كل واحد منهم برأيه ويحترم رأي الآخر ، أما أن يتحول كل حوار إلى شجار، وكل نقاش إلى عراك، وكل جدال إلى معركة أو حرب استنزاف مفتوحة وبلا أفق منظور، فتلك هي الجريمة بعينها، لأن هذه الطريقة لا تبقي على صداقة ولا تحافظ على أخوة وهذا ما نراه ونلمسه اليوم في واقعنا المرير، وللأسف الشديد، وكله بسبب التطرف وغياب الاعتدال والحوار

ريم حداد…مجلة الحدث

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.