أحواض الورد في سوريا تصبح مقبرة للأيدي وأشلاء أخرى

تزور هدى منزل والديها كل يوم، بعد أن دمر بالكامل إثر قصف قوات النظام لمدينة بنش، تجلس على ركام منزلها وتتذكر أيام طفولتها فيه..
أنا في الثلاثين من عمري ولست متزوجة ، كنت أعيش مع والديّ في هذا المنزل، أعمل ممرضة في المستشفيات الميدانية وأضطر للغياب عن المنزل لأيام عديدة وأناوب في المستشفى بشكل متواصل، وها أنا هذه الأيام أعيش حياتي الاجتماعية في ردهات المشافي.
تركت والديَّ في المنزل وقبل ذلك ودعاني وكأنهم يشعران أنه لن أرى أيا منهما مجدداً، لم يعلما ما ينتظرهما لكن كان القلب دليلهما.. فمن يدري ما يمكن أن يحدث في هذا البلد فكل شيء متوقع.. تخرج إلى عملك ومن ثم تعود لتجد كل من تحب تحت الركام…
مدينة بنش من المدن السابقة للحراك الثوري في سوريا، استهدفت المدينة مرات عديدة كضريبة على موقفها الحر من الثورة السورية.
هدى، تارة نجدها منعزلة لوحدها في الغرفة، وتارة أخرى نراها تذرف دموع الحزن, تخبرنا عن حجم خسارتها وعن مدى تعلقها الشديد بوالديها ” تحدثت إلى والدي على الهاتف قبل استهداف الطائرة الحربية لمنزلنا, كان يستعد للصلاة وطلبت منه الدعاء لي في صلاته, أرادت أمي التكلم معي لكن ولانشغالها في إعداد الغداء فالملوخية على الغاز والبابا بيحبها على أصولها ما حسنت تترك الطبخة شوية، أخبرتها أني سأعاود الاتصال بها لاحقا، لكنها كانت المرة الأخيرة التي سمعت صوتها, غدر البراميل المتفجرة لم يتح لي أن أفي بوعدي لأمي، كل يوم أرفع سماعة الهاتف عساي أسمع صوتها مرة أخرى”.
تجلس هدى على ما تبقى من حائط الزريعة وتشير بيديها المرتجفتين إلى التراب.. “هنا دفنت ما تبقى من جسد أبي”, تشهق شهقة المكلوم.. تختنق الكلمات في صدرها.. ولا تستطيع أن تكمل كلامها..
بعد أن هدأت قليلا أكملت: “بعد أيام من استهداف الطائرة للمنزل ما زلت أجد رائحة أبي في حجارته، تعبق هنا في داخلي وكأنه مازال موجودا في المنزل، ظن الجميع أني جننت من هول المصيبة، إلا أن صوتا ما وإحساسا قويا تغلغل إلى قلبي كان يقول إنه مازال هنا.
نعم.. لقد كان إحساسي صائبا، فرائحة أبي عششت بجدران المنزل كنت أجدها أينما اتجهت، بعد بحث متواصل تحت ركام المنزل، في مكان صلاته وجدت قطعة من جسد أبي؛ يده اليمنى مطبقة على أصبع التشهد كأنه خاف أن يخسرها ، حملتها بحذر بالغ أكراما لروحه الطاهرة ودفنتها في حوض الزهور الذي زرعناه أنا وأبي، لتزهر بقطرات دمه التي ستسقيها كما سقاها دائما على مدى سنوات…
كثيرة هي القلوب الموجوعة التي تحكي لنا أحزانا مستمرة أيام الحرب المريرة، ومآسي كثيرة تروي قصصها، الآلاف من الأسر والعائلات تشردت بفعل القصف المتواصل على المدن والبلدات السورية.
تختم هدى” سيبقى الورد مزهرا بدماء شهدائنا وستسقيها أرواحهم بطهرها..” ودموعها تقطر من وجنتيها الذابلتين…
المركز الصحفي السوري – آية رضوان

Leave A Reply

Your email address will not be published.