“أم عمر”… تروي بدموعها حكاية الحزن في حلب

تركت الحرب في سوريا أوجاعا وأسقاما في نفوس السوريين، فباتت مشاهد الموت اعتيادية والأشلاء المتناثرة في كل مكان يطاله قصف النظام الهمجي دون رحمة أو شفقة تنطق بإجرامه وتحكي قصة الوجع الذي اعتلى قلوبهم، فتتوج حلب عاصمة الدماء والدمار بعد أن كانت بحضارتها وتاريخها تحكي أمجاد أجدادها كونها عاصمة الثقافة الإسلامية.

تمسك أم عمر صورة ابنها الكبير وتضمها إلى صدرها تارة وتقبلها تارة أخرى، والشوق لروحه الطاهرة يغمر قلبها المحترق ودموعها تغمر خديها، بعد أن استشهد نهاية شهر شباط المنصرم جراء غارة جوية من الطيران الروسي على قريتهم كفرحمرة في ريف حلب، فتقول بحرقة :” لمين تركتني يا ولدي، كنت عم ربيك بدموع عيوني لشوفك شب وأفرح فيك، لسه ما نشفت دموعي ع أبوك يلي سبقك بإذن الله ع الجنة، لمين تركتوني؟” .

لم تخسر أم عمر زوجها وولدها الذي لم يكمل العاشرة من عمره ، بل خسرت بيتها وقريتها، خسرت وطنا بأكمله لم تعد ترى فيه سوى الركام وفقدان الأحبة، فكانت رحلة النزوح من مكان لآخر فرضا عليها برفقة ولديها الصغيرين بحثا عن الأمان.

قصدت أم عمر مدينة إدلب كونها المدينة الأقرب إليها وتشهد نوعا من الأمان والاستقرار أكثر من غيرها من المناطق المحررة، ورغم وجود بعض أصحاب العقارات من ذوي النفوس الضعيفة الذين حاولوا استغلال الأزمة لرفع إيجارات البيوت للنازحين، إلا أن الدنيا لم تخلُ من أهل الخير.

تروي لنا قصتها وكيف كان الله عونا لها بعد أن فقدت أعوانها :” وصّلني السرفيس على مدرسة بتستقبل النازحين بالمدينة، ما قدرت ادخل ودموعي على وجهي، أخدت ولادي وقعدت بحديقة جنب المدرسة، وعم فكر كيف بدي أصرف عولادي، وربي ما في أكرم منو بعتلي وحدة حسيتها ملاك من السما وإجت تساعدني، بعد ماحكيتلها قصتي أخدتني عند جارتها ست ختيارة مقتدرة ماعندها حدا يعتنى فيها، وطلبت مني أقعد عندها وأهتم فيها وعطتني غرفة وراتب شهري 25 ألف، الحمدلله”.

وكأن الحرب في سوريا سخرت معاناة بعض الأشخاص لتكون بلسما لغيرهم، فالحاجة “أم عبد القادر” تعيش بمفردها بعد أن تركها أولادها واختاروا اللجوء إلى أوروبا على أن يبقوا لجانبها، تتحدث وهي تنظر لأم عمر بفرح يخالطه الألم :” كتير بشعة الوحدة، الله بعتلي أم عمر لتسليني وتنسيني غربة ولادي، وتساعدني بهالبيت ما عاد الي قدرة أطبخ أو اشتغل أي شي”، تضيف أم عبد القادر ضاحكة :” مافي أخف وأهضم من الدم الحلبي، رغم كل شي صارمعاها بتقضي السهرة عم تمزح وتحكيلي قصص.. ما بتخلي ع القلب هم”.

رغم الآلام والأوجاع إلا أن الأمل ما زال يشق طريقه في حياتهم التي لا تعرف الفشل أو الانكسار مهما حاول الطغاة ذلك، لكن الشوق والحنين يأخذ أم عمر كل ليلة إلى قريتها التي تركت فيها ذكرياتها بحلوها ومرها آملةٌ أن تعود إليها في أقرب وقت.

المركز الصحفي السوري ـ سماح خالد

Leave A Reply

Your email address will not be published.