اشتهر السوريون بطقوسٍ شعبيةٍ توارثوها جيلاً بعد جيل. ومن العادات التي حافظوا عليها عادات الخطبة والزواج التي تشابهوا فيها مع فوارق بسيطة. ولكن أشياء كثيرةً قد تغيّرت الآن.

ليلة الحناء من العادات التي تسبق العرس، واشتهرت في معظم أرياف سورية، ولا تستغني عنها العروس لما لها من أهميةٍ في نفسها، فهي مناسبةٌ لاجتماع الأحبة والاصدقاء قبل زفافها لتوديعهم بحفلةٍ صغيرةٍ تنتهي بالحناء. وتقام هذه الحفلة عادةً قبل الزفاف بيوم، فيدعى الأهل والأقارب، وتجتمع نسوة القرية في بيت العريس، وتقوم إحدى قريباته بعجن الحناء في وعاءٍ مستديرٍ وغرس الورود والريحان فيه، ووضع الشموع بين الورود، ثم تذهب النسوة إلى بيت العروس وهنّ يغنين، وبصحبتهنّ العريس ووالده وبعض أفراد أسرته. ولدى وصول الجميع إلى بيت العروس، وبعد استقبالهم، تتقدم إحدى النسوة لوضع الحناء على كفي العروس وقدميها على شكل رسوماتٍ جميلة، وهي تردد بعض الأهازيج مثل: «حنوا المرابع وما حنيت أصابعي…عروسة محمد مع البيض المرابيعي».

وتحضّر العجينة بصبّ الماء الدافئ على مسحوق الحناء الجاهز، مع إضافة بعض المواد للحصول على اللزوجة المطلوبة. ويخلط المزيج جيداً ويترك لمدة ساعةٍ إلى ساعتين، ثم توضع العجينة على الشعر أو على الجلد وتترك من ساعةٍ إلى ساعتين أيضاً، حتى يصبح الجلد أو الشعر أحمر داكناً.

وهناك اختلافاتٌ بسيطةٌ في الاحتفال بليلة الحناء من منطقةٍ إلى أخرى بحسب العادات، إذ تقوم بعض العائلات بإعداد الطعام وتقديم الحلويات والسكاكر ودق الطبول وعقد حلقات الدبكة، ويحتفل البعض الآخر بطريقةٍ أبسط تقتصر على الأهل والأصدقاء. وفي المدن الكبيرة بدأت ليلة الحناء وطقوسها تختفي منذ أكثر من 20 عاماً، وصارت من اختصاص صالونات التجميل التي راحت تزين العروس باستخدام وسائل حديثةٍ وأصبغةٍ تنوب عن الحناء.

ولكن سنوات القهر التي تمرّ على السوريين كانت كفيلة بأن تقضي على الكثير من العادات وليس فقط ليلة الحناء. فغالبية المناطق المحرّرة والمحاصرة تتعرض للقصف والتدمير، والموت منتشرٌ في كل مكان، وأصبح من الصعب أن يترافق الزواج بأيّ مظاهر للفرح، ما جعل العرس نادر الحدوث، وأصبح يقتصر على اجتماع بضعة أشخاص يزفون العروس بصمتٍ دون أيّ مظاهر للسرور.

تقول حسناء، إحدى فتيات ريف جسر الشغور: «كنت أحلم بليلة الحناء، فهي بالنسبة إليّ بمثابة ليلة الزفاف. ولكن لم يكتب لي أن أعيش فرحة تلك الليلة؛ لأن رشاش الطيران الحربيّ يقوم باستهداف كلّ أضواء السيارات على الطرق أو أضواء المنازل. حتى بيتنا لم نستطع إنارته. الوضع الذي نعيشه يجعل الفرح مستحيلاً».

حسناء ليست الوحيدة، فحالها حال كثيرٍ من الفتيات السوريات، حتى اللواتي يعشن في مناطق تحسب على النظام وتعدّ آمنة. إيمان (24 سنة) من قرية ديمو في ريف حماة الغربيّ، وهي قريةٌ توقع أهلها أنها بعيدةٌ عن الحرب ويمكن فيها الاحتفال بليلة الحناء، فقام أهل العريس بتجهيز الساحة أمام منزل العروس، وعلقوا الأضواء، وأعدوا الحلويات، وزينوا «صواني» الحناء بالورود، وأصبحت جاهزةً تنتظر كفي العروس. بدأت الدبكة، وتشابكت الأيادي، وتشكلت حلقةٌ كبيرةٌ ترقص في منتصفها أم العريس حاملة الحناء على رأسها والنسوة حولها يرددن بعض العبارات الخاصة بتلك الليلة. ولكن أصوات الفرح دفعت شبيحة قرية حنجور الموالية للنظام إلى الهجوم على مكان الاحتفال بحجة أن شبابهم يقتلون على الجبهات ضد الإرهاب -على حدّ تعبيرهم- والناس هنا يحتفلون! أخذوا يطلقون النار في الهواء ويضربون الناس بأعقاب البنادق، وقاموا باحتجاز العريس. انطفأت فرحة العروس والناس مع انطفاء الأضواء. ضمّت الأم ابنها إلى صدرها وبدأت تنوح بعد أن كانت تحمل على رأسها فرحته بيوم حناء عروسه. تبدل الحال، واكفهرت الوجوه، وخلت الساحة من النسوة والرجال والأطفال.

«كل فتاةٍ تحلم بليلة الحناء، بنقوشٍ تزين كفيها. حرمنا النظام من أبسط حقوقنا، من فرحةٍ تزورنا بين الحين والآخر، حرمنا الحناء والطرحة البيضاء والزغاريد»؛ هكذا قالت حسناء وهي تبكي بألم.

تدهور الأوضاع المعيشية، والحزن والألم الذي بات سمةً عامةً على الوجوه، لم يترك للسوريين خياراتٍ كثيرةً ولا مساحاتٍ من الفرح الذي أصبح معيباً في الوضع الذي يعيشه الناس. اختفت مع الحرب الكثير من العادات والطقوس، وبات التيسير والتقليل من تكاليف الزواج هو السائد.

 

مريم أحمد

نقلا عن عين المدينة