قراءة نقدية لرواية ” فوق الأرض ” .. للروائي السوري (محمد فتحي المقداد)

390
اشترك في نشرتنا الإخبارية

بقلم الأديبة المحامية – عفاف الرشيد

صمتٌ رهيب خيّم على محيط المقبرة فوق الأرض، لم يكسر جبروته إلّا مُواء قطّة تقفز عبر الممرّات الفاصلة بين القبور، أو تتجاوزها فوق أسْيِجَتِها، يبدو أنّ طريدتها أفلتَت منها، وكُتبَ لها النّجاة سعيًا للحياة فوق الأرض من جديد).
فوق الأرض برؤية فنية نفسية إنسانية، عوالمها شاسعة، لما يختلج في نفس الكاتب، من عواطف وأفكارٍ، و وما يعكسهُ الأدبُ عن الحياة الاجتماعية، بمعطياتها المتفاعلة والمتأثرة بالسياسة والمجتمع، وبالرواسب المتراكمة في النفس البشرية المتأثرة بسلطة الاستبداد، تسلطُ الضوءَ على الصراعات النفسية ، التي تطمح نحو الخلاص من دائرة التضييق الأمنية ، إلى أفق يتسعُ الكثير من الحقوق الإنسانية.
ولما كان الواقعُ محلياً، والأدبُ شمولياً، فمن تلك الرؤية وبعناية النقد الأدبي، مع الأخذ بأهمية العلاقة بين النص والكاتب من جهة، والقارئ من جهة أخرى، نقرأ النص الروائي مع الاهتمام بإمكانيّات القارئ، وثقافته، ومساهمته بخلق الأثر الأدبي للنصّ.
جولةٌ مع رواية (فوق الأرض)؛ نستطلع مكامن الفنّ بأدوات ووسائل الكاتب الروائي (محمد فتحي المقداد) في عمله الروائي الذي صدر حديثًا عن مكتبة الطلبة الجامعيّة في إربد. جاءت من القطع المتوسّط في (٢٥٦) صفحة.
عنوانٌ يفتح الأبواب أمام الكثير من الاحتمالات، التي تتبادرُ إلى ذهن المتلقي، فما هو فوق الأرض لا يُعدّ ولا يُحصى لا لغةً ولا مجازاً، كيف نستطلع مقاصد النصّ إن لم نخُضْهُ؟.
بوحٌ وجدانيٌ، ومونولوج صاخبٌ ينثر الكثير من القلق، بدخولٍ غير مباشرٍ إلى عالم الحكايةِ، من بوابة الراوي (فطين) وهو بطل السرد الموازي للكاتب، وهو الرّاوي الذي يعرف كلّ شيء، ضخّ معلومات غزيرة متتالية، بسرد منسجم، مع توتّره الداخليّ، من خلال بوح وجدانيٍّ مؤثّر في العاطفة، وجاذبٍ للقارئ، استعرض (فطين) مؤهّلاته الثقافيّة، وقراءاته التاريخيّة، وأسقطها على الواقع، تناول الحدث الأساسيّ في الرواية في مرحلة نضوجهِ، أدخلَ القارئَ إلى أزمة الحدث فوراً، ولعلّه اختار تناول الحدث في مرحلة الأزمة؛ يقيناً منه أنّ البداية يعرفها الجميع.!
مشاعرٌ متناقضةٌ، بعضَ المزاح، وبعضَ القلق، والكثيرَ من الانكسار، تواترت في سرده ، مروراً بأبسط تفاصيل الحياة اليوميّة، التي كان المرور عليها مُجدياً رغم بساطتها ، فكلّ النّاس اختلّت معايير حياتهم اليوميّة أمام المشهد الذي جرى ويجري في سورية .
أجواء مضطربةٌ، تُهَمٌ، ملاحقاتٌ، يتذكر النكباتِ الماضية، استعداداً إلى عظمة الحدث الذي ينتظره المتلقي.
(حملة نابّليون على مصرَ وبلاد الشّام، التي حفظتُها عن ظهر قلب من كثرة تِردادها وإعادتها؛ لتصطدم بأسوار (أحمد باشا الجزّار) الحصينة حول مدينة عكّا التي أفشلت الحملة، وغيّرت مسار التّاريخ).
بداية سرديّة، زجت بالمتلقّي في أعماق الزّوبعة النفسيّة التي سيطرت على مشاعر الرّاوي، الذي اتّخذ قراره باعتزال المحيط الاجتماعيّ، والدّخولِ في عُزلةٍ اختياريّةٍ، خوفٌ يقبع في دواخله، كالخوف الذي يسكن أعماق كلّ إنسانٍ في الوطن العربي، في ظلّ حكومات الاستبداد، نجح في تحريض فضول، ومشاعر القارئ، رغم أنّ أحداث الرواية هي المادةُ الإخباريّة اليوميّة على جميع الفضائيّات العالميّة والمحلية، إنّه يتحدّثُ عن الثورة السوريّة، ثورةٌ انتفضت من أجل الكرامة، وتحوّلت إلى حرب شرسة؛ فمن لم يسمع عنها؟.
ثم يرجع بسرده نحو الحدثِ الأول، عندما قال الشعب السوري: (لا) لتصرف الأمن تجاه أطفال درعا، الذين كتبوا على الجدران كتاباتٍ مُحرّمةً في دُستور النّظام الأسْوَد، حينها (قامت القيامة على الشعب السوري ولم تقعد).
من يجرؤ أن ينتقد النظام أو يقول لأي مسؤول أمنيٍ في سوريا أنت مخطئ؟.
مصيره المؤكدُ الاعتقالُ أو القتل، لن يعيش بأمان فوق الأرض ، وغالباً مصيره تحت الأرض .
ضاق أولياء أمور الأولاد المعتقلين ذرعًا باحتجاز أطفالهم، وبعد مشاورات ومداولات يومية ،اتفقوا على التجمّع كوفدٍ ، يذهبون إلى مدير فرع الأمن السياسيّ بدرعا، للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم، لكن مديرَ الأمن لم يكترث بمطالبهم، بل نال من شرفهم بما لا يمكن التلفّظ به، فارتفعت الأصواتُ تطالب بمعاقبة رجال الأمن الذين نكّلوا بالأطفال، وأهانوا أهلهم نيلاً من شرفهم وكرامتهم، لكن قانون الاستبداد في سوريّة؛ لا يسمح لأحد أن ينتقدَ السلطة، ولا أن يتحدّث بالشأن السياسيّ، وكانت مناشدة الشّعب بمطالب شرعية تُهمةً تستوجب القتل، وأصبح الشعب ملاحقاً، واكتظّت القبور والمقابر، تستقبل كلّ يوم عشرات الضيوف، دفع الشباب الثائر ضدّ هذا العنف ثمناً باهظاً؛ فمنهم صار تحت الأرض، ومنهم في المعتقلات والسجون، ومنهم غادر وصار لاجئاً.
-الشخصيّات تحكي عن نفسها، عن ما عاشته من قهرٍ وخوفٍ وملاحقة، هم أفراد حقيقيون، يخبروننا عن الوقائع، مرتبطون بالحدث ارتباطاً وثيقاً، لهم مسارهم المنجز في النصّ، المنسجم من البداية إلى الذروة ثم النهاية، عاملهم الكاتب بأسلوبٍ مختلفٍ، لا يوجد شخصيّةٌ أساسيّةٌ ولا شخصيةٌ ثانوية، اختارهم بحفاوة، ليتعاونوا بأسلوب أفقيٍ في تجسيد الحكاية، وجعلهم شركاءً في دور البطولة، وفي وقائع الأحداث، كما أنهم بشكل مباشرٍ أو غير مباشر، شركاءُ بتوتر الحبكة وحتميّة النهاية.
لـ(نصارٍ حكايته، ولـ(فاضلٍ) حكاية تُكمل الحدثْ، ولـ(أمّ فطين) أحزانها، وللراوي (فطين) حكايته، ولـ(هالة) حكايتها، جعلهم الكاتب روّاداً في الحدث ، برؤيةٍ عادلةٍ ، لما قدّمه كلّ منهم من تضحيات، بما يخدم الفكرة والرسالة المبتغاة، إنّه احترام الكاتب لأوجاعهم النفسيّة والواقعية، دفعوا ثمن اعتراضهم وتعبيرهم عن آرائهم بصدق.
الانسجامُ بين الشخصيات صناعة جيدةٌ ، خدمت الأحداث بتنوع نهاياتها، وساهمت في بناء هيكل الرواية، وشكلِ الأزمة وأسلوب النهاية، وكأنّنا نتحدّث عن عدّة حكايات داخل الرواية، وهذا ينسجم مع الحالة الواقعيّة للشّعب السّوري المقهور، أحداث من الواقع، بعيدة عن الخيال الجامح، باستثناء الخيال المبتكر لخدمة الفكرة ، ولرفع أداء الانفعال العاطفيّ المثير للتوتر، شخصيّات فوق الأرض ترسم صوراً من صور الحياة البشريّة، مقنعة ذات هيبة، ودورٍ متقدّمٍ، تستوجب احترام المتلقي.
– أما الحوار فهو حديث الشخصيات، يقرّب الأحداث نحو الواقع، يتوافق مع ظروف كلّ شخصيّة، ساهم بتخفيف رتابة السّرد الطويل، تألّقَ في بعض المواقف المستوجبةِ ، مساحته أضيقَ مقارنة مع السّرد والمنولوج الداخليّ، السبب يكمن في انتماء الشخصيّات جميعها إلى بيئة ثقافيّة فكريّة متشابهة، تقتدي بذات الأهداف، وذات المواقف تجاه الصراع، لا حاجة لهم بحوارات طويلة، توقع النص في الترهّل، اختاروا اللّون الأبيض، كلّ شخصيّة تسرد عن نفسها، وتسرد بصيغة الغائب عن غيرها، تميّز الحوار برشاقته واختصاره، مع بعض الجًمَل باللّهجة العاميّة؛ فزادته انسجاماً مع بيئة الحدث.
– ولما كان الرّاوي هو صاحب الطّابع الشّخصيّ للقصّة، أو صوت الشّخصيّة التي من خلالها يسعى الكاتب إلى توصيل المعلومات إلى جمهوره ؛ نلاحظ أنّ (فطين) هو الراوي الذي يعرفُ كلّ شيء، وهو الثّقل الفكريّ الذي يضخ بين فصول الرّواية كَمًّا كبيراً من الشّواهد التي تنمُّ عن ثقافة الكاتب أصلاً؛ فمهما كان الكاتب بعيداً عن خصوصية الشخصيّات، لكنه مرتبطٌ بنصّه، يعبّر بالوصف والسّرد والحوار عن مواقفه، وثقافته ووجهة نظره بالصراع، إذاً (فطين) الراوي الأول غطّى مساحة متّسعة في الفصل الأول والثاني من الرواية، وعاد في الفصل السادس لإدارة السّرد، وإنهاء الرواية بمهارة تنسجم مع بداياتها، وكأنّه على موعد بالصّحو على جرس الهاتف؛ لاستقبال المفاجأة في البداية وفي النهاية.
منح الكاتبُ مساحة سرديّة تُريح الشخصيّات؛ لطرح قصصهم دونما تدخلٍ واضحٍ، بأسلوبٍ ديمقراطيّ وزّع المدّة الزمنيّة السّرديّة بما يكفي لدور الشخصية، لكنّه يتابع الحوار والسرد بوصاية خفيّة تكاد تبدو أحياناً للمتلقي، وغالباً ما يتدخّل لرفع التوتّر في الأحداث؛ ليجعلَ المتلقّي مُندهشاً مُترقّباً لما سيحدث.
فنيّة السّرد ممتعة، اشتغل عليها بمهارة، ومنح شخصيّاته حريّة نقل قصصها، وسخّرها لتخدم التوتر، وترفع من توهّج الصراع النفسيّ، تلازماً مع التوتر الحقيقيّ على الأرض، الصراعُ بين الحياة والموت من أجل مبدأ إنسانيّ قوامه لا للظلم، وهو أديم الصراع ، و محور التحوّل الكبير فوق الأرض.
السرد طاغٍ في النصّ، رافقه البوْح الوجدانيّ، كأداة تعبيريّة من خلاله يضخّ كَمًّا كبيراً من أحداث النصّ التي وقعت بالماضي، واستثمر المونولوجَ الداخليّ في جميع الفصول، ومع جميع الشخصيّات؛ لتوضيح ما تعرّض له الشّخوص، وما نتج عن الصّراع، ورغم قلّة الحوار، والتنقّل المفاجئ بين الأزمنة ، ظلّ النصُّ مُتماسكاً، جاذباً لما سوف يحدث .
ثمة إضاءاتٌ سردية أخرى منها:
1. (المونولوج) الداخليّ، أوْقَدَ الحالات الانفعاليّة ، التي شحنت مشاعر المتلقّي بالتوتر والانتباه والمتابعة.
2. للسخرية والمزاحِ طيفٌ جميلٌ ، مع التركيز على المفارقات؛ كأسلوبٍ يتناول الصراع باحتراف، بدا أسلوباً حداثياً، فيه إضاءاتٌ فنيةٌ، غطّت معظم أركانِ وعناصر النص.
3.الدراما السردية تضخُّ المؤثّرات النفسيّة، مثيرةً للتوتر، منسجمةً مع وجعِ الحدث، هي قلبُ الرواية، تدفع بالتدرّج نحو الخاتمة، تألقَ السردُ الدّراميّ في محطّات عديدة، أكثرها تأثيراً أمّ الشهيد والدة فطين، والمقبرة التي تناولها الكاتب بأسلوب فلسفيّ متطابق مع الطقوس الأسطورية لتشييع مواكب الجنازات ، كل من يُشيع و يدفن شهيداً هو مشروع شهيدٍ قادم .
الدراما في السجن تجلت بما يُشبه اللوحات التشكيلية ، اشتغلها الكاتبُ عزفاً على وتريْن، أوّلهما الوصف الخارجيّ ، للمكان والسجين والسجان، وثانيهما وصف ما يدور بخلده من بوحٍ وجداني، وتردداتِ مواقفٍ مقارنة ، ظهرت مهارةُ الكاتب اللغويّة ، بفنيةٍ رفيعة المستوى.
حتماً الحالةُ النفسيّةُ للسارد من صناعة الكاتب، متأثرة بمواقفه الحقيقية تجاه الصّراع الذي عاشته سورية ، من قمع للمطالبين بالعدالة، والقبضة الأمنيّة التي أرهبت الشعب، أراد أن يوصلَ إلى المتلقي توتراته النفسية، بلغة سرديّة بسيطة مُشبعة بالعاطفة.
أما الصراع في (فوق الأرض ) فهو هدير عاصفة التوتر، عنصرٌ أساسيٌ متوهج ، بدونه لا يمكنُ أن نتصوّر حبكة ونهاية، وهو نوعان، صراع داخلي في أفكار ومشاعر الشخصيّة، وصراع خارجيّ مع قوى ضدّها، أحداثٌ تهدّد أهداف الشخصيات، وخطر الموت يبشر بحتميّة الانتقال إلى تحت الأرض، فلسفة تُغني قيمة النصّ فكرياً وفنياً، أضافت إلى النصّ حقيقة مُستوحاة من الواقع، احتضان الموت بثقافة الثّبات على المواقف، (الموت ولا المذلة)، حتى لو كان الطريق يتجه نحو المقبرة، نجحت الشخصيّاتُ متعاونةً بتجسيد الصراع في النص بجميع ألوانهِ؛ فوصلت مراغمةُ الصراعِ إلى القارئ على أكمل وجهٍ.
للوصف في الرواية جماليّاته ، في خلق بيئة الأحداث وبنائها، وتصوير العالم الخارجي أو العالم الداخليّ ، من خلال الألفاظ، تقوم فيه التشابيهُ والاستعاراتُ مقام الألوان لدى الرّسام، والنغمِ لدى الموسيقار، والوزنِ في مسار القصيدة .
(انتظار اللّحظة قاتل بطبيعته.. اغتصب ساحات التفكير.. شلّ حركة أعضائي.. جفّت ينابيع حُليمات الرّيق؛ فصرت أستحلبه بقوّة لترطيب حلقي، تخشّب لساني، تصلّبت شراييني لبطء حركة الدورة الدمويّة المفاجئ، بُركانٌ داخليٌّ داهَمَ أعصابي، تشنّجت معدتي، اهتزار لا إراديّ في أعصابي لم أستطع السيطرة عليه، طارت عصافير النّوم من جفنيّ، ونسيتُ ما كنتُ أحلم به قبل ذلك).
الخيالُ حرضَ مشاعر القارئ، عندما كان (فاضل السّلمان) ينتظر دوره ليدخلَ مخيمَ الزعتري، وبخياله رغم تعاسة الموقف استحضر نصف ذكريات حياته، وفي محطات عديدة منها محطّة السجن، ومحطة المقبرة، مزج الحزنَ بالفرح الذي مضى، ودثّره بحسرات المستقبل الضائع، تمكّن الكاتب من جعل القارئ يشاهد مرئيّات لا تُرى، ويشعر بمشاعر لا يشعر بها غيره.
النهايةُ مرت مسطحةً، تفتقد عنصر المفاجأة، مفتوحة على الكثير من الاحتمالات، تماماً كما تضمّن العنوان الكثير من الاحتمالات؛ فمعظم الشعب السوري أصبح تحت الأرض، ومن هم فوقها معظمهم يتمنى الموت.
العنوان منسجمٌ، يخدم النصّ بفكرته وحبكته المنسرحة انبساطًاً مثل الأرضِ امتدادا، كاحتمالات مصائر اللّاجئين المفتوحة بدوام حالة الانتظار من أجل العودة، في ظلّ تلك المعطيات، لبيئة الحدث وتأثيره في مصائر الشخصيّات لا ينطبق عليه منطقياً سوى النهاية المفتوحة، وهذا خادم للنص والهدف والرسالة وطبيعة الصراع .
المكان في فوق الأرض :
تطرق الكاتب للمكان بشكل مباشر:
(لا أكتمُكُم خبرًا أنّ ما حصل في العالم كان على سطح كوكبنا. بلا شكًّ أنّ أحداثهُ وقعت فوق الأرض في الجمهوريّة العربيّة السوريّة على أيدي حُماتِها المُفترضين؛ بتحقيق موازين العدالة والرّفاه لمواطنيهم الذين أصبحوا مأساة العالم، ولم يحدث أكبر مما صنعوا من مآسي التهجير الجماعيّ بهذا الشّكل الذي سمعتم عنه، ورأيتموه على شاشات الفضائيّات؛ فكانت دموع أمّي بامتياز هي دموع كلّ الأمّهات السوريّات، و(بُصرى الشّام) الغافيةُ على تاريخها في أقصى الجنوب، تحتسي آلامها. كابسة الملح على جُرحها الدّامي، الأنموذج لكلّ قرى ومُدُن سوريّة).
عندما يكون الحدثُ مرتبطاً بالأرض كالثورة السورية، جديرٌ بالكاتب الذي يعبرُ عن أرائه الشخصية، أن يتعامل مع المكان بهذا التشخيص، وخصّ عدّة أمكنة منسجمة تماماً بأصداء الحدث منها المقبرة، حيث العبور إلى تحت الأرض، الشباب المرابطون في المقبرة لاستقبال زائريها، دورهم حقيقيٌ رمزيٌ وواقعي، يُصور للعالم قوة صمود الشّعب مقابل مطالبه بالحرية، واعتبار الموت فاتورة لا بدّ منها، ثباتٌ رغم قسوةِ المشهد، نقله الكاتبُ بسرد ووصف، وبوح وجداني تتراغمُ به الأمنيات بين الواقع وبين الطموح؛ فإن ما هو (فوق الأرض) في سوريا تغيرَ تماماً، من بنياتٍ تحتية] وعمارٍ وبشرٍ، ونمت المقابر، وانتشرت في جميع المدن، ارتباطٌ وثيقٌ بين عنوان الرواية، والحدث بجميع مجرياته.
الرسالة الأخلاقية والإنسانية التوثيقية:
لتفنيد بعض النقاط المهمة ، في ثقافة الشعب السوري ، التي تجسدت من خلال المواقف والمواجهات مع الأمن ، الذي أصر على أسلوبه القمعي ، استخلصُها من النص حرفياً كما وردت على لسانِ الشخصيات .
1-(هتافات المظاهرات بشعاراتها المناهضة للنّظام بسقفها العالي بمطالبها الضروريّة لاستمرار الحياة الكريمة كما البشر).
-(حقيقة أراها بأمّ عينيّ، أكادُ أشكُّ أنّها فوق الأرض).
2-(الرأي والرأي الآخر ظاهرةٌ حضاريّةٌ لا وجود فعليّ لها في حياتنا العربيّة بشكل عامٍّ. وحقيقة ثابتة لا مراء ولا جدال فيها. ويتضّح يومًا بعد يوم أنّ في داخل كلّ منّا على اختلاف مُعتقدنا وانتمائنا دكتاتورًا نائمًا).
3-(أحاول جاهدًا الاحتفاظ بمسافة فاصلة بيني وبين المظاهرات، مُفضّلًا عدم الاقتراب منها؛ لتستمرّ بي الحياة فوق الأرض، تحت أشعّة الشّمس).
4-(فوق الأرض ممكن أن يحدث أيّ شيء.. ولا غرابة في ذلك. وكلّ ما هو مُتخيّل ممكن أن يكون..!!. مهما قيل، وما يُلاقيه الميّت تحت الأرض في قبره من عذاب وحساب، لا يقلّ عمّا يحدث فوق الأرض من ظلم وتظالم).
5-(واحد.. واحد.. واحد، الشّعب السوريّ واحد).
شعب يهتف ، ورصاصُ الموتِ موجّهٌ من جيشه، وبأمر حاكمهِ نحو صدره، موقف صمودٍ وحضارةُ شعبٍ ، وتحولٌ تاريخيّ سوف يسود المراحل قادمة بإذن الله.
6- رغم أن الجيش والقوات المسلحة مؤسسة وطنية مسؤولة عن الدفاع عن سلامة أرض الوطن وسيادته الإقليمية، وهي في خدمة مصالح الشعب وحماية أهدافه وأمنه الوطني لكن في سوريا الأمر مختلف ..؟!!
فنية النصّ بنسيجه اللغوي المتجسّد بالسّرد والوصف والحوار، بناء متماسك، اللغة قريبة من لغة الشخصيّات، حقّقت مزيداً من المنطقيّة، والإقناع كما أن اختيار العنوان يزخر بالفنية، منسجماً مع الحدث والحبكة والنهاية، المقدّمة طويلة، أوشكت أن تُدخل القارئ، بالملل لولا مهارة السرد وسرعة التنقّل من البوح الوجدانيّ إلى الحوار؛ وصولاً إلى أحزان وانكسارات الشخصيّات التي تُشبه أحزان وانكسارات كلّ إنسان يعيش في الوطن العربي، حدّد المكان وبدقة وأفصح عن الوجع السّوريّ بامتياز، حرض الجَدَل، وطرح قضايا قد تساهم في بناء فكر جديد.
تناولت الرواية أحداثاً حقيقيّة عاشها الشّعب السّوري، اختار شخوصه من رحى المعاناة، لذا فقد أضافت إلى ساحة الأدب الروائيّ العربيّ نصّاً فيه معاناةٌ إنسانيّةٌ حقيقيةٌ يعتريها جدلٌ عنيفٌ، أحدثت تغييراً فوق الأرض السورية ((مهد الحضارات الإنسانية بوقائع تاريخية )) ، وزّع الموتَ واللجوءَ لرعاياها، بأحداث تكاد تبدو كالخيال، من شدّة قسوتها.
في سوريّة العقوبةُ هي الموت، لمن يهتف للحرية، والصوتُ الذي ينشد، ومؤلفُ الكلمات، والمصفّق، حتى الذي يرقص الدّبكة على ألحان الحريّة، هؤلاء جميعاً بقانون الاستبداد السّوريّ يجب قتلهم.
لكنّهم ظلّوا على احتجاجهم يدفنون الشهداء بطقوس أسطوريّة، وهم يهتفون للحريّة، والأمن يطلق النار عليهم، بينما حلقات الاحتفال لا تنتهي، وما زلنا نسمع الأشعار والأناشيد والأهازيج والأغاني التي تهتف ضدّ النظام، وتخصّ رأس النظام والأمثلة كثيرة، حتى أنّها باتت أغانيَ للأعراس يطرب لها الشباب، وتطرب أرواحهم عليها، وتتجلّي فيها مشاعر العزة، إنهم يحقرون أيقونة الاستبداد في سورية، وهم يعبرون عن مشاعرَ أصيلةٍ في حياتهم، نابعةٍ من صميم أنفسهم، ووجدانياتهم ، مرتبطةٍ بخصوصية حياتهم الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.
منذ خمسة عقود كان الشعار الذي يردده الشعب بناء على طلب السلطة الحاكمة إلى الأبد إلى الأبد (للأسد الأب ثم للابن)، لكن اليوم ينشد الشعب الثائر (ما في للأبد عاشت سوريا، و يسقط بشار الأسد).
هل كان لا بد من المرور بفرع الأمن بدرعا للوصول إلى تلك النتيجة؟.
هل كان لا بد من دفع فاتورة مليون شهيد ؟
هل كان لا بد من شلال الدم الهادر منذ عشر سنين ؟
(إنّ المدافع التي تصطّفُ على الحدود في الصحارى لا تُطلِق النيران إلّا حين تستديرُ للوراء، إنّ الرّصاصة التي ندفع فيها ثمن الكُسوة، والدّواء، لا تقتل الأعداء، لكنّها تقتُلنا، إذا رفعنا الصوتَ جهارًا تقتُلُنا).
أفقٌ شاسعٌ من الحقيقة، بخيالٍ فنيٍ وإبداع لغويّ يضيف إلى النصّ نكهة عالية من المؤهّلات، تنقلٌ بين الأحداث بمهارةٍ مشوقةٍ، يجذب انتباه القارئ المتذوّق، ويحرض فضوله، البناء السرديّ للنصّ مُفعمٌ بفنون الإبداع اللغويّ، بمهارة الوصف وإتقان أدوات التعبير، بلغة تعبيريّة تشكيليّة، حتّى بدت ملامح عدة لوحات تشكيلية، رسمها الراوي وصفاً تصويرياً متقناً، إنه يجسد أزمة الإنسان السّوري في تلك البقعة فوق الأرض، استعراضٌ لتطور الأحداث برؤية فنية ساطعة.
نزقُ كاتب ملتزمٍ برسالته الأدبية والأخلاقية، ترك بصمة دامغة، أضافت إلى الساحة الأدبية المعاصرة نصاً روائياً جديراً بالقراءة ، حمّلهُ كثيراً من الرسائل الإنسانية، نمّقه بأسلوبه الفريد الذي ينم عن ثقافته ومهارته الاحترافية في فن الكتابة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.