“هربنا من بطش النظام في حي البياضة لنواجه موت أشد و أفظع في حي الوعر” عبارة قالتها أم عبدو بحرقة قلب، امرأة ذات الثلاثين من عمرها مع زوجها و ثلاثة أطفال، خرجوا من منزلهم خوفاً من اقتحام جيش النظام لحي البياضة في نهاية عام 2011 .
كان حي الوعر الملجأ الآمن لهم من ظلم النظام وانتقامه، كونه الحي الوحيد المحرر الأقرب إلى الأحياء الأخرى التي اقتحمها النظام وفرض سيطرته عليها، ظنوا أنهم سيجدون في حي الوعر الملاذ الآمن، إلا أنهم وبعد مدة معينة واجهوا مصاعب كثيرة من قصف مكثف على حي الوعر، و حصار خانق فرضه النظام عليهم، استُنفذت فيه معظم المواد الغذائية المخزنة داخل الحي، بالإضافة للأدوية الحساسة الخاصة بالعمليات.
تقول أم عبدو : ” زوجي عاطل عن العمل بسبب إصابته، و أطفالي صغار لا يوجد معيل لهم سوى الله “.
يصغي زوجها المقعد لكلامها متذكراً ذاك اليوم، حين شارك في إحدى المظاهرات في حي البياضة، و بينما كان يحاول حماية أمه دخلت رصاصة في عنقها ماتت على إثرها، و هو أصيب في رجله برصاصة غادرة و نقل إلى المشفى، ليتخذ الأطباء قرار متسرع ببتر ساقه، لنقص في الكوادر الطبية، فيخرج طبيب و يعارض هذا القرار، آملاً ببقاء ساق معاقة أفضل بكثير من بلا ساق، و أجريت له العملية التي لم تكن كفيلة بإعادة رجله على ما كانت عليه.
علماً أن حي الوعر -الذي يقطنه أكثر من مئة ألف نسمة-يعاني من شحّ في الأدوية والمواد الطبيّة اللازمة، مع تناقص عدد الأطباء الذين نزح أغلبهم نتيجة الحصار، حيث يعيش أكثر من ألف مصاب بأمراض مزمنة وحالات فقد للأطراف، تحت رحمة قوات النظام التي لا تسمح بدخول الأدوية و الغذاء على الرغم من الهُدَن المتكررة التي أبرمها سكان الحي مع قوات النظام.
“محمد” الابن الأصغر لأم عبدو صرخ من شدة برده أثناء وجوده في حي الوعر، و قد ازّرقت شفتاه و ارتجفت يداه، و أصبح من الصعب عليه الحركة، كانت تخرج الأم لتبحث عن شيء تشعل به ناراً تقي أطفالها الصغار من البرد القارص، فلا تجد سوى بقايا أوساخ على الأرصفة و جانب الحاويات، علماً أن جميع أنواع المحروقات مفقودة داخل الحي و لا يسمح بدخولها إليه.
أما طفلتها الصغيرة التي لم تتجاوز السنة من عمرها أصيبت بمرض اليرقان (أبو صفار)، بسبب سوء التغذية الذي بدأ يشكل خللاً في البنية الجسدية للكثيرمن الأطفال، بالإضافة لما يعيشونه من ضغط نفسي و خوف جراء القصف المستمر على الحي، و المشاهد الدموية المروعة ناهيك عن الحرمان من تنشئة جسدية ونفسية سليمة ، فيعتبر الأطفال هم الخاسر الأكبر في الحي، فقد حرمت فئة عمرية واسعة منها من كافة الحقوق و أبسطها.
بعد حصار دام ثلاث سنوات لمعت بارقة أمل لحياة جديدة آمنة نسبياً، بعيداً عن كل مظاهر الحرب الدموية في حي الوعر، تقضي بخروج عدد كبير من أهالي الحي إلى شمال سوريا، وكانت الوجهة ريف حماه و محافظة إدلب، بعد أن تم التوصل إلى اتفاق هدنة بين ممثلي النظام و ممثلين عن جميع الفصائل المقاتلة في الوعر و آخرين عن المجتمع المدني في الحي، و بمشاركة ممثل بعثة الأمم المتحدة في سوريا، و ممثل عن مكتب المبعوث الأممي.
كان الخروج من الحي أمراً مريراً على أم عبدو و عائلتها، فقد تركوا أقارب لهم داخل الحي الأمر الذي أقلقهم، لكن وضعها السابق الأكثر مرارة دفعها للنزوح مع أهالي الحي إلى محافظة إدلب.
تقول أم عبدو بفرحة لا توصف : ” من شدة الفقر و الجوع الذي ذقناه في الوعر لم أتخيل الوضع المعيشي الجيد في إدلب، من غذاء و دواء و مشافي للعلاج و كافة أنواع الخدمات، فقد استطعت أن ألبس أطفالي قفازات و جوارب صوفية بعد أن انعدموا تماماً في حي الوعر بسبب الحصار”.
رغم الوجع الذي زُرع في قلوبهم بعد مغادرة بلدهم، إلا أن ما وجدوه في مدينة إدلب أزاح الهم من قلوبهم قليلاً و رسم البسمة على وجوههم، و بعث في نفسهم التفاؤل لمتابعة الحياة، إلا أن الوضع داخل مدينة ادلب ليس أفضل حالا عن باقي المناطق المحررة، ليبقى الخوف والرعب يلاحق أهالي حي الوعر حالهم كحال باقي السوريين.
ظلال سالم
المركز الصحفي السوري