ضاعفت المعارضة السورية من انتصاراتها، فلأول مرة تعمل المجموعات المسلحة بطريقة منسقة وذلك تحت راية جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة.
تمت محاصرة ما بين 150 و200 من الجنود الموالين للنظام السوري في الطابق السفلي من المستشفى الوطني في جسر الشغور، وهي مدينة سورية تابعة لمحافظة إدلب وتقع شمال غرب البلاد، والتي سيطرت عليها المعارضة منذ أسبوعين؛ ما دفع بشار الأسد ليجعل من مسألة استرجاع جسر الشغور قضية وطنية، حيث صرح بداية هذا الأسبوع أن “الجيش سيقوم بتحرير هؤلاء الجنود البواسل والشجعان“. ولكن مرت الأيام ولم تتمكن القوات السورية حتى الآن من الاقتراب من رفاقهم المحاصرين من قبل الآلاف من المقاتلين الأعداء.
إذا كان المآل النهائي لجسر الشغور أصبح شعارًا، كما أعلن ذلك الرئيس السوري، إلا أن ذلك يمكن ألا يكون ورديًّا بالنسبة له. ولقبت معركة جسر الشغور بـ”معركة النصر” لدى الجماعات المسلحة للمعارضة السورية، نظرًا لما لها من أهمية في قلب موازين القوى في الحرب السورية، بعد أربع سنوات من الصراع الدموي.
وقد انفجرت سيارة مفخخة، صباح يوم 22 أبريل، أمام ثكنة في معقل الجيش الموالي لنظام بشار الأسد، ما يعتبر إحدى المناوشات الجديدة في هذا الصراع الذي لم ينتهي بعد. وتعتبر مدينة جسر الشغور بوابة الساحل السوري حيث يتجمع معظم العلويين. ولم يسبق أن تمت مهاجمة هذه المدينة من قبل، ولكن توحيد الصفوف والتناسق بين الجماعات المسلحة للمعارضة السورية (من الجيش السوري الحر الذي يتألف في الأصل من الفارين من الجيش، والتطلعات الديمقراطية إلى جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة) كان وراء هذه النجاحات العسكرية. ويبقى تنظيم داعش، الذي يسيطر بدوره على ثلث البلاد خارج المعركة.
ولقبت هذه القوات المتباينة باسم “جيش الفتح”، الذي تمكن من التغلب على القوات الموالية للنظام السوري بالرغم من حدة المعارك، ما جعل أحد القادة العسكريين لجيش الفتح يقول: “الساحل الذي يسيطر عليه النظام أصبح الآن في متناولنا“.
وإذا ما تواصلت وحدة المعارضة السورية، المفاجأة، لفترات طويلة، فيمكنها وقتها أن تكون حاسمة. ويعود سبب تكوين الجماعات المسلحة للمعارضة السورية، بالإضافة إلى الوحشية التي أظهرها الجيش السوري، إلى وحدة الجهة المانحة المتواجدة خارج سوريا. ويلاحظ فابريس بالونش، أحد أفضل خبراء الصراع السوري، أن اليوم: “الغالبية العظمى من الجماعات المسلحة لها الجهة المانحة نفسها، لذلك فلا وجود لصراع بين هذه الجماعات بهدف المنافسة على التمويل“.
وأصبح هنالك حديث على الجهة المانحة نفسها؛ وذلك بعد أن قررت كل من المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا تجنب الفوارق والاختلافات فيما بينها، بعد أن كان كل بلد يتعامل مع جهته المفضلة وفقًا لمصالحه، أما الآن فقد اضمحل هذا التنافس بين الجماعات المسلحة من المعارضة السورية بعد أن أصبحت هناك كتلة مانحة، وهذا ما يفسر هذه الوحدة الجديدة على أرض الميدان. وقد زال الغموض في هذه العملية، فعلى الرغم من أن جبهة النصرة التي وضعتها الولايات المتحدة على قائمة المنظمات الإرهابية (والتي تحظر على حلفائها تقديم أية مساعدة لها)، إلا أن هذا الانتماء لتنظيم القاعدة كان وراء تشكيل العمود الفقري لائتلاف جيش الفتح.
هذا الاتفاق بين الجهات المانحة الثلاثة والتي تقدم دعمها للجماعات المسلحة في المعارضة السورية، يتشابه مع ما كان من الجهود الأمريكية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن طموحاتها النووية. ومن علامات وحدة التمويل الجديدة ما قامت به قطر المعروفة بدعمها لجماعة الإخوان المسلمين وهو ما يقلق الرياض، والتي قررت، منذ بضعة أشهر، حل الجبهة الشامية، أحد البيادق القطرية الرئيسية في سوريا، ما جعل أعضاءها ينظمون إلى التحالف بقيادة جبهة النصرة.
وتأتي براغماتية الجماعات المسلحة للمعارضة السورية في مواجهة الجيش السوري الذي لايزال يتوهم أنه يستطيع السيطرة على الأراضي السورية برُمَّتها، وهو ما يسميه معهد دراسات الحرب، ومقره في مونتريال، باستراتيجية “جيش في كل ركن”، وذلك من خلال الحفاظ على الوجود في معاقل محصنة وفي المناطق النائية من البلاد، مع تطبيق سياسة الأرض المحروقة: القصف الجوي، رمي البراميل المتفجرة، استخدام الغاز الكيميائي، مع العديد من الوسائل الهادفة لتخويف السكان المدنيين وزيادة تطرف الجماعات المعارضة.
وبالرغم من الصعوبة المتزايدة التي يواجهها الجيش النظامي لتجنيد الجنود الجدد (الرجال ما بين 18 و30 عامًا يفرون حاليًا من البلاد بشكل جماعي)، إلا أن هذه الاستراتيجية أثبتت عدم فعاليتها باعتبار أن الصراع السوري ليس في عزلة؛ حيث تبقى الحدود مفتوحة على مصراعيها في تركيا أو العراق. ويلاحظ بالونش أن: “هناك موجة ثابتة من المقاتلين الجدد سواءً أكانوا المرتزقة من آسيا الوسطى، أم في أي مكان آخر، أم اللاجئين السوريين الشباب الذين بعد أن أمضوا سنوات في تركيا، وفي الأردن أو في لبنان قرروا حمل السلاح والانخراط في الجماعات الإسلامية“.
ويعتمد بقاء النظام السوري على مدى الدعم الذي ستستمر إيران في إعطائه لنظام بشار الأسد. ولكن، وفي جميع الأحوال، فإنه من الصعب أن نتصور في المدى القصير احتمال وجود هجوم كبير للجيش السوري لاستعادة جميع الأراضي المفقودة في الشمال.
ويخلص فابريس بالونش إلى القول: “إنه قد يكون النظام السوري مضطرًّا للدفاع عن جزء فقط من سوريا، على الأقل مؤقتًا“، ويتأكد ذلك في صورة ما إذا تمكن جيش الفتح من الاقتراب من الساحل مع تهديده لمدينة اللاذقية. وسيطلب وقتها العلويون من بشار الأسد أن ينسى ما تبقى من البلاد، ويركز كل القوى المتاحة للدفاع عنهم.
ترجمة: صحيفة التقرير