اغتراب واغتصاب للحقوق أهم ما يعانيه أهالي حي القابون

0 1٬406

 

اغتراب واغتصاب للحقوق أهم ما يعانيه أهالي حي القابون

 

تسبب استملاك النظام السوري للأراضي في حي القابون وشقَّ الطريق السريع وسط الحي، وغياب عوامل السلامة لوفاة 96 شخصا، منهم وفاة طفلين شقيقين، أبناء أبو ياسر ملكاوي، الحادثة التي لا ينساها أهل الحي والتي دفعتهم للتظاهر والهتاف ضد سياسات النظام العقارية والخدمية، فسارع المسؤولون لتدارك الأمر لكن الاستجابة لمطالب الأهالي لم تدم طويلا، واستمر الاستملاك لأراضيهم واستمروا برفع الدعاوي ضد المحافظة، ثم عملت السلطات على تدمير الحي ووضع مخطط تنظيمي يخلط الأوراق وينذر بضياع الحقوق.

مراحل تطور الحي  والعشوائيات

يعتبر حي القابون البوابة الشمالية الشرقية لدمشق، ويبعد عنها 4 كم، وأصبح الحي في بداية الثمانينيات مقصدا لمن لا يملك ثمن منزل في دمشق والوافدين من أرياف سورية المختلفة، بعد أن اشتروا مساحات صغيرة من الأرض الزراعية وبنوا مساكنهم، فأصبح الحي هدفا للسكن لقلة تكلفة المنزل وقربه من دمشق وتوافر فرص العمل الناتجة عن وجود المنطقة الصناعية فيه، بالإضافة لانعدام الرقابة من البلدية أو تواطؤها في إدخال الأراضي الزراعية للمضاربات وسوق العقارات، أدى لتضاعفت العشوائيات وزيادة عدد الوحدات السكنية في القابون 15 ضعفا بين عامي 1970 وعام  2007، فنشأت حارات جديدة مثل حارة الشوك والطاحون و الحمام وعلوان وسوق التهريب والسهلة والعارضية والبعلة وحارة القهوة، وفي الثمانينيات نشأ حي تشرين وبعده حي البعث على أراض زراعية يملكها أهالي القابون.

فتحول الحي من الطابع الزراعي للسكني الصناعي فتوسعت مساحة المنطقة الصناعية عام 1972، وتكرر التوسيع عام 1984 وبلغت نسبة الأبنية السكنية حوالي 83 بالمئة والمنشآت الصناعية 12 بالمئة.

 

التطورات التنظيمية والوضع الإدارية

حي القابون

أصدر النظام السوري مخططا تنظيميا للعاصمة عام 1968، ضُم القابون بموجب هذا المخطط لدمشق وتبعه عشرات القرارات لاستملاك عقارات أهل القابون  بين عام 1970 و2011 ، أكبرها كان استملاك 30 هكتارا لشق الطريق السريع و12 هكتارا لتوسعة كلية الشرطة، بالإضافة لعشرات الهكتارات لبناء ثكنات عسكرية مثل قيادة القوات الخاصة، وقيادة الشرطة العسكرية، والفرع ٢١١، وفرع المخابرات الجوية و كراج البولمان ومحطة قطار وشركات عامة مثل الخماسية للنسيج والمغازل و الحديثة للكونسروة  وشركة الإنشاءات المعدنية و بردى، والملاحظ أن جزءاً بسيطاً  نفذ  وبقيت عشرات المشاريع دون تنفيذ بسبب البيروقراطية والفساد مثل محطة القطار وسكة الحديد.

وأكبر مشاريع الاستملاك هو مشروع البارك الشرقي الذي أدى لاستملاك 359 هكتارا وضم المشروع لمخطط دمشق عام 2001، كما تم استملاك الجزء المتبقي من بساتين القابون عام 2004 لبدء المشروع الذي لم يبدأ تنفيذه حتى الآن.

خريطة الغابات والمساحات الخضراء في مشروع البارك الشرقي

 

وسع المخطط التنظيمي الصادر عام 2002 البلدة القديمة واعتبرها منطقة منظمة سكنية وتجارية، وأبقى على توصيف مناطق واسعة كزراعية لا يمكن البناء عليها.

أما تعويض الاستملاك فقد قدرت العقارات في المناطق المستملكة بأسعار تقل كثيرا عن الأسعار الرائجة في وقتها,  حيث قدر سعر المتر الرائج لأملاك علي المدني على سبيل المثال  بمبلغ 100 ليرة سورية عام 1975 ، بينما السعر الرائج حينها تجاوز الـ 1500 ليرة سورية، وتم دفع مبالغ التعويض عن طريق البنك فاعترض غالبية الأهالي على السعر المقدر  ورفعوا دعاوى على محافظة دمشق، وبقيت أموال التعويض في البنك المركز وفقدت قيمتها مع مرور الزمن، وفي كل مرة يتم فيها استملاك يقيم المتضررون دعاوى ضد محافظة دمشق، وتم توكيل المحامي المعروف عبود السراج وعبد الكريم الجندي بقضايا جماعية و لم تثمر كل الدعاوي والجهود التي بذلوها، مما زاد خسارة الأهالي المادية جراء الوقت الطويل الذي استغرقته المحاكمات، البعض منهم تم تخصيصه بمنزل في الحسينية بعد أن يدفع تكاليف المنزل ما يعني بأن غالبية الأراضي المستملكة كان بدون تعويض أو تعويضها زهيدا جدا.

 

 

إهمال الخدمات

نهري يزيد وتورا

 

 

يٌخدم الحي بشبكة صرف صحي ذات تمديد عشوائي منفذة بشكل بدائي ولا يراعي أدنى المعايير الهندسية، جعل من شبكة الصرف الصحي سببا لانتشار أمراض كثيرة وتزايدت الحشرات في الحارات وخاصة في فصل الصيف، وشبكات الكهرباء تمدد دون حماية بين المنازل وبشكل عشوائي ما انعكس سلبا على حياة الناس ونظافة الحي، وزاد الأمر سوءا زيادة المخلفات الصناعية، وتحول نهري يزيد وتورا لمكب للنفايات، ما خلق فوارق كبيرة من حيث الخدمات بين الحي وأحياء دمشق.

حاول السكان المحليون بجهود ذاتية إنشاء آبار مياه للشرب وتأهيل شبكات الصرف الصحي.

نقل الماء في حي القابون عام 2016

 

 الباحثة “لجين زنبركجي ” في رسالتها للماجستير تقول ” افتقرت المنطقة لمقالب القمامة وانتشرت أماكن حرق للنفايات مكشوفة، ويعاني الحي من تصريف سيء للنفايات الصناعية، الجزء الغربي القريب من مركز المدينة مبنية من الخرسانة والفولاذ، أما في الجزء الشرقي فهي مبنية من البلوك، وعرض الطرق بالحي غير كاف ما يخلق مشاكل مرورية ويعاني سكان الحي من تلوث بيئي وسمعي”.

 

أوراق التملك وصعوبة نقل الملكيات

 منطقة القابون البلد منظمة وتساوي 20 بالمئة من الحي لكن بسبب زيادة تكاليف وصعوبة الترخيص، بالإضافة لمشاكل نقل الملكيات والتوريث وفرز العقارات نصف الأهالي بالمنطقة المنظمة بنوا منازل دون ترخيص، إما بزيادة عدد الطوابق أو بناء من بدايته غير مرخص، وساعد على ذلك تساهل  البلديات والمسؤولين مع  بناء منازل غير مرخصة مقابل مبالغ مالية كانت تدفع عن طريق سماسرة للموظفين، ما أدى لبقاء نصف السكان لا يملكون أوراق طابو لمساكنهم، أما  غالبية الحي مبني على أرض زراعية تعود ملكيتها لأهالي الحي، ولدى بعضهم طابو أخضر زراعي لكن غالبية الملكيات بقيت بأسماء أصحابها الأساسيين،  بسبب الإهمال أو تعقيدات حصر الإرث الناتجة  عن الروتين والبيروقراطية في مؤسسات الدولة، أو بسبب حرمان الإناث من حقهن ما يدفع البعض لإهمال حصر الإرث، بالإضافة لتعقيدات فرز العقارات وتكاليفها وتعدد المالكين بالمحضر الواحد ما يزيد عدم التوافق على الفرز،  فأصبح ما يقارب  60 بالمئة من سكان العشوائيات ملكياتهم الزراعية أو الأوراق التي بحوزتهم  ليست بأسمائهم في السجلات العقارية الزراعية.

 

“أبو النور” أحد سكان حي القابون قال للمركز الصحفي السوري  “أنا اشتريت وما قدرت ثبت ملكيتي لأن البيت بمحضر زراعي وهو مازال باسم جد البائع، وليطوب البيت لازم حصر إرث وهذه عملية طويلة ومعقدة وممكن تكلف أكثر من ثمن البيت، وخاصة أنه غالبية شركائي بالمحضر ما كان عندهم رغبة أو قدرة مالية للتطويب”

 

فمن يملك أوراقا في المنطقة العشوائية على الغالب تكون طابو أخضر على شكل حصص سهمية في الأرض المبني عليها العقار، أو حكم محكمة نظم بين البائع والشاري بوجود شهود مسجلة كإشارة في السجل العقاري، وأحيانا وكالة كاتب العدل يتم تنظيمها عن طريق محامي، ومعلوم أن هذه الوكالة ينتهي مفعولها بموت صاحبها ما يعرض الورثة لخطر فقدان العقار، وفي المنطقة الصناعية يملك بيان منطقة صناعية بالتخصص للورشات والمعامل يحدد فيه المقسم لكل صناعي.

 

بعد السيطرة على الحي فجر ودمر نصف الحي

أحكمت المعارضة سيطرتها على الحي منتصف عام 2013، فتعرض الحي للقصف بكل أنواع الأسلحة ثم الحصار تبعه حملة عسكرية كبيرة في أيار عام 2017، انتهت بخروج المعارضة من الحي وتهجير غالبية سكانها إلى الشمال السوري ودول الجوار.

 بعد سيطرة قوات النظام على الحي، بدأت وزارة الدفاع  بتفجير وإزالة الأبنية من الحي وركزت على أبنية لم تتضرر بالقصف، ومنها أبنية طابقية يصل ارتفاعها إلى 12 طابقًا، رصدنا آلاف التغريدات على حساب وزارة الدفاع السوري  على تويتر  تتحدث  عن تفجير مبان في جميع المناطق السورية التي يسيطر عليها النظام، منها منشورات تحدد 146 يوما  لتفجير المباني في القابون  ويقدر عدد الأبنية التي تم تفجيرها أكثر من 1200 بناء، ومئات الأبنية تم تهديمها بالجرافات وتحدثت وسائل إعلام دولية عن تدمير نصف الحي بعد تهجير أهله.

 

وعملت السلطات السورية  على تصميم إطار قانوني وسياسي يسمح لها بفعل ما تريد تحت ستار شرعي زائف تنتهك من خلاله حقوق الناس، واعتبرت  “هيومن رايتس ووتش” عمليات الهدم في القابون “جريمة حرب محتملة”، وعمليات غير قانونية ولا يوجد سبب عسكري كاف لهدم البيوت.

 

بالتواصل مع  “أبو محمود50 عاما،  من سكان دمشق” يعمل في منطقة برزة القريبة قال لنا: ” لما الوزارة تحدد أوقات التفجير نسمع ما بين 5 و20 تفجير باليوم، والغبار يصل لبرزة والأصوات تسمع بغالبية أحياء دمشق، والتدمير جزء كبير منه تم بالجرافات”.

 

 

مخطط تنظيمي لم يرضِ القريب ولا البعيد

 

أصدر النظام عام 2012 مرسوم 66 “لتطوير مناطق المخالفات والعشوائيات في دمشق” من ضمنها القابون، وفي آب 2019 أعلنت محافظة دمشق عن مخطط تنظيمي تفصيلي جديد لمنطقة حي القابون  برقم 104 ، وفتحت باب الاعتراض لمدة شهر واحد لتقديم وثائق الملكية، و شمل المخطط حوالي 215 هكتارا منه 72 مقسما استثماريا، و102 مقسما سكنيا.

مخطط تنظيمي للقابون الصناعي والسكني

 اعترض  صناعيو المنطقة على المخطط  وقدموا مئات الاعتراضات  وأقاموا دعاوى على محافظة دمشق  فلم يستطيعوا تغير شيء، فصدر المرسوم الجمهوري رقم 237 عام 2021  وإلغاء المنطقة الصناعية وأجبر الصناعيين على نقل منشآتهم الـ750 لمدينة عدرا الصناعية.

اعتبر المرسوم المنطقة التنظيمية شخصية اعتبارية ويمثلها مجلس محافظة دمشق بدل المالكين، وتسجل جميع المقاسم الناتجة عن التنظيم باسم محافظة دمشق إلى حين تسجيلها النهائي باسم المالكين وفق خيارات توزيع المقاسم (التخصيص بمقاسم- تأسيس شركة – البيع بالمزاد العلني).

 

 المستشار القانوني ناصر الحسن قال ” المرسوم أشار في متنه على أنه مستند إلى دراسة الجدوى الاقتصادية، ما يعني الفائدة المادية للنظام من تطبيق المخطط التنظيمي، وكونه قد صدر بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية وهذه الاجراءات متشابهة مع تطبيق القانون رقم 10 لعام 2018، الأمر الذي يعني أن تنظيم حي القابون سيكون تحت مفاعيل وأحكام القانون رقم 10، ولكن لم يتم ذكره في نص هذا المرسوم نظرا للضجة التي أحدثها هذا القانون بعد إصداره”.

فالنازحون واللاجئون من سكان الحي لن يتمكنوا من الحصول على سكن بديل لأن هذا السكن يشمل المقيمين فقط قبل صدور هذا المرسوم، ولن يستطيع اللاجئون من سكان الحي (الذين كانوا مستأجرين بالتمديد الحكمي) من الحصول على بدل الإيجار لأن هذا البدل يشمل المقيمين قبل صدور المرسوم فقط”.

في آب 2019 بدأت محافظة دمشق بإعداد مخطط تنظيمي تفصيلي رقمه 105 لمنطقة القابون السكنية بموجب قانون تخطيط المدن رقم 23 لعام 2015 ، والذي يتيح للوحدة الإدارية الاقتطاع من أملاك الخاصة ما يصل لـ40 بالمئة من مساحتها، كما أن ملاك العقار لن يحصلوا على سكن بديل بل أسهم  في المقاسم المبنية بعد التنظيم وبالتالي يكون المخطط الثاني خلال ثلاث سنوات للقابون.

سمح النظام في تموز 2021 لبعض النازحين بدخول القابون البلد بشرطين، ” موافقة أمنية من المخابرات الجوية وتقرير من لجنة فنية مختصة حول صلاحية العقار للسكن، فدخل الحي بضع عشرات النازحين منه.

إن تنظيم حي القابون وفق هذا القانون وبهذه التوقيت وظروف أصحاب الحقوق الذين تحولوا  لنازحين (في مناطق أخرى بسوريا أو لاجئين في دول الجوار ) وضياع أو تلف الكثير من المستندات القانونية التي تثبت ملكيات الناس، والظروف الأمنية ومخاطر الاعتقالات وإغلاق المعابر بين مناطق المعارضة ومناطق سيطرة النظام،  كل ذلك يجعل حضور أصحاب الملكيات إلى الدوائر واللجان والمحاكم المعنية لمتابعة تثبيت ملكياتهم العقارية صعبا، بالإضافة لكون القوانين تسمح باقتطاع أجزاء مجانا من الملكيات الخاصة، وهذا سيؤثر سلبا على حقوقهم العقارية، ومن ناحية أخرى سيشكل تحديا حقيقيا بملف عودة أصحاب تلك الحقوق سواء أكانوا نازحين أو لاجئين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com